Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

واشنطن تضغط لوقف مشروع "نورد ستريم 2" وغاز المتوسط بديل مهم

تعارض الولايات المتحدة خط أنابيب "نورد ستريم2 " الذي سينقل الغاز من روسيا إلى شمال شرقي بحر البلطيق في ألمانيا، باعتباره يمنح موسكو نفوذاً أكبر على أوروبا الغربية

الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال قمة مجموعة السبع 2018 (أ ف ب)

 

خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل عام 2017، كادت أن تندلع أزمة ديبلوماسية بين واشنطن وبرلين، جراء تعليقات للرئيس الأميركي دونالد ترمب، اتهم فيها ألمانيا بأنها أسيرة لروسيا عبر صفقات الغاز. فخلال تناوله الإفطار مع الأمين العام لحلف الناتو يانس ستولتنبيرغ، صباح اليوم الأول للقمة، قال ترمب "أعتقد أنه من المحزن للغاية أن تجرى ألمانيا صفقة نفط وغاز ضخمة مع روسيا في الوقت الذي يفترض أن نحترس منها (روسيا) ". 

وأضاف الرئيس الأميركي أنه "من المفترض أن نحتمي من روسيا، لكنهم يدفعون مليارات الدولارات لها. أعتقد أن ذلك غير مناسب للغاية". وتابع القول "إن ألمانيا، بقدر ما أشعر بالقلق، أسيرة لروسيا" وحثثت الناتو على النظر في القضية. 

وسرعان ما ردت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عندما وصلت إلى مقر حلف الناتو للمشاركة في القمة، مشددة على أن بلادها تتخذ قراراتها بنفسها. وقالت "لقد اختبرت بنفسي وعشت عندما كانت ألمانيا تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي، وأنا سعيدة جداً اليوم بأننا متحدون في الحرية كجمهورية ألمانيا الاتحادية، ويمكننا بالتالي القول إننا نستطيع تحديد سياساتنا الخاصة، واتخاذ قراراتنا الخاصة وهذا جيد جداً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نورد ستريم 2

في هذا الجدل الذي سارع ستولنبيرغ لاحتوائه حتى لا تنشب أزمة بين اثنين من كبار أعضاء الناتو، كان الرئيس الأميركي يشير إلى خط أنابيب "نورد ستريم 2" الذي سينقل الغاز من روسيا إلى شمال شرقي بحر البلطيق في ألمانيا، ماراً بدول أوروبا الشرقية مثل بولندا وأوكرانيا، وهو مشروع وقعته موسكو وبرلين، وتعمل على تنفيذه شركة مملوكة لشركة غازبروم الروسية، سيعمل على مضاعفة كمية الغاز التي يمكن أن ترسلها روسيا مباشرة إلى ألمانيا. وتتلقى ألمانيا بالفعل الغاز الروسي عبر خط أنابيب قائم تمّ الانتهاء منه في عام 2012.

وتعارض الولايات المتحدة وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خط الأنابيب الهائل الذي يسير تحت البحر، باعتباره يمنح موسكو نفوذاً أكبر على أوروبا الغربية. هذه المخاوف ليست جديدة، فطالما كان للغاز الطبيعي القادم من الاتحاد السوفياتي ثم روسيا بعد تفكك الاتحاد، دور حاسم في تشغيل الاقتصاد الأوروبي لعقود، وهو ما يزيد المخاوف الأميركية من توسع النفوذ السياسي للكرملين في أوروبا عبر هذا الشريان المهم، ومن ثم تسعى واشنطن بشكل لا هوادة فيه لعرقلة مشروع (نورد ستريم 2) عبر فرض مزيد من العقوبات على الشركات المشاركة في المشروع، وفي الوقت نفسه تدعم بقوة تطوير غاز شرق المتوسط وتصديره إلى أوروبا ليحلّ بديلاً للروسي. 

في مقابلة مع إذاعة صوت أمريكا في يونيو (حزيران) الماضي، وصف مستشار الأمن القومي الأميركي السابق في إدارة ترمب جون بولتون خط الأنابيب الروسي بأنه "خطأ فادح" وأضاف "قد نسأل وزير الخزانة ستيف منوشين لماذا لم نفرض عقوبات على الروس بسبب خط أنابيب نورد ستريم".

سياسة العقوبات

كثّفت واشنطن في الآونة الاخيرة حملتها ضد المشروع الذي اكتمل نحو 90 في المئة منه، إذ أدى التهديد بعقوبات أميركية ضد المقاولين العاملين فيه إلى قيام شركة "اول سيز"، وهي شركة سويسرية هولندية، بسحب سفن مدّ الأنابيب المتقدمة، تاركة الخط الذي يبلغ طوله 760 ميلاً قصيراً بحوالى 50 ميلاً. وبحسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، فإن إحدى الشركات المشاركة في مدّ الأنبوب في قاع بحر البلطيق قالت الأربعاء الماضي إنها ستنسحب من المشروع. 

ومنتصف يوليو (تموز) الماضي، اتخذت وزارة الخارجية الأميركية إجراءات بفرض عقوبات اقتصادية على المستثمرين والمشاركين الآخرين من رجال الأعمال في المشروع. وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، آنذاك، إن الإجراءات الجديدة كانت بمثابة "تحذير واضح للشركات" من أنه "لن يتم التسامح مع مساعدة مشاريع التأثير الخبيث لروسيا". وأضاف "انسحبوا الآن، أو جازفوا بالعواقب".

يتضمن مشروع قانون الإنفاق الدفاعي الشامل للولايات المتحدة هذا العام، عقوبات جديدة تشمل الشركات التي تدعم أنشطة مدّ الأنابيب في (نورد ستريم 2)، إضافة إلى خدمات التأمين والاكتتاب. وبينما لم يتم إقرار مشروع القانون بعد، غير أن المشرّعين الأميركيين من الحزبين كثفوا ضغوطهم الأسبوع الماضي، فيما يتعلق بسياسة العقوبات. 

وحذّر أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ ينتمون للحزب الجمهوري، وهم تيد كروز وتوم كوتون ورون جونسون، الشركة الألمانية التي تدير ميناء موكران، وهو نقطة انطلاق رئيسة للسفن المشاركة في بناء خط الأنابيب، من أن الشركة ومجلس إدارتها ومسؤولي الشركات والمساهمين والموظفين معرضون لخطر وشيك يتمثل في "عقوبات قانونية واقتصادية ساحقة"، بما في ذلك حظر التأشيرات وتجميد الأصول، إذا لم يوقفوا تعاونهم مع المشروع.

وقالت السناتور الديموقراطية جين شاهين، وأحد الراعين لتشريع عقوبات (نورد ستريم 2) إن "العقوبات لمنع استكمال خط الأنابيب لا تزال أولوية لدى الحزبين في الكونغرس. ومع ذلك فهناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به للتأكد من أن هذه العقوبات توقف خط الأنابيب دون الإضرار بلا داع بالعلاقات عبر الأطلسي".

تشكل العقوبات ضغطاً على بعض شركات الطاقة الأوروبية، بما في ذلك (رويال دوتش إس) التي تعمل في المشروع. فبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، فإن بعض المحللين يعتقدون أنه بإمكان الولايات المتحدة الآن استخدام العقوبات لاستهداف خمس شركات أوروبية تقدم دعماً مالياً يصل إلى نصف كلفة (نورد ستريم 2) البالغة تسعة مليارات ونصف المليار يورو (11 مليار دولار). وإضافة إلى شركة شل، أكبر شركة نفط في أوروبا، تشارك بالمشروع شركة يونيبر الألمانية وشركة الطاقة النمساوية و(OMV) وشركة الطاقة الفرنسية "إنجي" و(Wintershall Dea) وهي شركة نفط ألمانية.

غضب أوروبي

تهديدات واشنطن المتزايدة بفرض العقوبات ضد الشركات العاملة في (نورد ستريم 2) أثارت إدانة سريعة من القادة الأوروبيين، الذين وصفوه بأنه تدخل في حقهم السيادي في وضع سياسة الطاقة. وعلّق وزير الخارجية الألماني هيكو ماس الشهر الماضي، بأن "الإدارة الأميركية لا تحترم حق أوروبا وسيادتها في أن تقرر بنفسها أين وكيف نحدد مصادر طاقتنا". 

وقال رئيس السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إنه "قلق للغاية من الاستخدام المتزايد للعقوبات، أو التهديد بفرض عقوبات من قبل الولايات المتحدة ضد الشركات والمصالح الأوروبية."

ويقول ممثلو الشركات الألمانية أيضاً إن النزاع يهدد بمزيد من تدهور العلاقات الاقتصادية عبر المحيط الأطلسي التي توترت بالفعل خلال إدارة ترمب. وفي تعليقات صحافية، قال العضو المنتدب لجمعية الأعمال الشرقية الألمانية مايكل هارم، وهي مجموعة صناعية تروج للتجارة مع روسيا "ستكون سابقة خطرة للغاية أن تفرض دولة ثالثة قواعدها على السيادة الأوروبية وسيادة القانون". وحذّر من أن الشركات الألمانية كانت تتحدث عن الانتقام من خلال السعي إلى فرض حظر على الغاز المستورد المشتق من التكسير، وهو إجراء مسؤول عن معظم الغاز المستورد من الولايات المتحدة، ولكنه محظور في ألمانيا.

لكن يعتقد مراقبون أن المعركة حول (نورد ستريم 2) أصبحت متداخلة مع الخلاف الواسع لإدارة ترمب وألمانيا، إذ اتهم الرئيس الأميركي المستشارة الألمانية بمنح مليارات اليورو لروسيا في مقابل الطاقة، بينما تبخل في المساهمة بشكل أكبر في ميزانية الدفاع الخاصة بالناتو.

وقال مستشار أمن الطاقة الأوروبي السابق لدى الخارجية الأميركية بنيامين شميت في تعليقات لفورين بوليسي "حاول مؤيدو خط الأنابيب في برلين في أحيان كثيرة ربط معارضة الولايات المتحدة لمشروع (نورد ستريم 2) بالتوتر الشخصي مع ترمب، بهدف إثارة المعارضة لإجراءات العقوبات الأميركية". وأشار إلى أنه "في الواقع كانت معارضة الولايات المتحدة للمشروع على نطاق واسع من الحزبين، وبدأت بديبلوماسية مكوكية مدروسة من عدد من كبار المسؤولين في إدارة أوباما."

ويقرّ المراقبون الأميركيون أن سياسة العقوبات تخاطر باستهداف الشركات الغربية، ما يعمّق الشقاق عبر المحيط الأطلسي، ويستدعي مواصلة الحل الديبلوماسي في التفاهم مع برلين. وقال دانيال جلاسر الذي شغل منصب مساعد وزير المالية لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية في وزارة الخزانة حتى يناير 2017 "فيما يتعلق بأي برنامج عقوبات، عليك أن تأخذ في الاعتبار أية عواقب غير مقصودة. سيكون تصرفاً غير مسؤول إذا تجاهلت ذلك".

من ناحية أخرى، ومع اكتمال المشروع إلى حد كبير وتقديم التزامات مالية كبيرة بالفعل، يقول بعضهم إن هذه الشركات قد لا يكون لديها الكثير لتقلق بشأنه. وقال متحدث باسم (نورد ستريم 2) في تعليقات صحافية الشهر الماضي "نحن مضطرون للبحث عن حلول جديدة لمدّ نسبة الـستة في المئة الباقية من خط الأنابيب لدينا. نبحث عن خيارات وسنبلغ عن خططنا في الوقت المناسب." وبحسب مراقبين فإن شركة غازبروم تعمل على خطة لاستكمال الأعمال الباقية، والتي تقع غالباً في المياه الدنماركية، بسفنها الخاصة، وهو ما يلقى ترحيباً دنماركياً. 

غاز المتوسط بديل جيد

اكتشافات الغاز الهائلة في شرق البحر المتوسط، أثارت الآمال لتحول المنطقة إلى مركز لتصدير الطاقة لأوروبا لتحل بديلاً عن الغاز الروسي. وفي عام 2019 أعربت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن دعمهما لبناء خط أنابيب "إيست ميد" الذي يمتد تحت البحر المتوسط مسافة 1900 كيلومتر، من إسرائيل وقبرص شرقاً إلى اليونان بكلفة تصل إلى سبعة مليارات دولار. 

ولكن بينما يستغرق بناء خط أنابيب (EastMed) ما يقارب سبع سنوات، ويواجه الأمر تحدياً تقنياً وفنياً في ظل الحاجة إلى مد الأنابيب في المياه العميقة للغاية. ومن ثم يرى المحللون أن هناك مجموعة من البدائل لخط الأنابيب، وعلى رأسها مصر، باعتبارها البلد الوحيد بين دول المنطقة التي تمتلك منشآت تسييل الغاز، إذ يمكن نقله عن طريق السفن وتوفير منفذ تصدير إلى أوروبا وآسيا. كما أن التوترات في البحر المتوسط وسط مزاعم تركية في المناطق الاقتصادية التابعة لقبرص واليونان، تزيد العراقيل أمام مدّ خط إيست ميد.

مصر مركز للطاقة

ويقول المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية إن الاكتشافات الكبيرة للغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط أثارت ​​الآمال في أن المنطقة يمكن أن تخدم حاجات الطاقة في الاتحاد الأوروبي، ومساعدتها على تحقيق أهدافها في تنويع الطاقة والأمن والمرونة. وأضاف خلال تقرير صدر في أبريل (نيسان) 2017، أن التعاون الإقليمي سواء على الصعيد الثنائي أم مع مصر، هو الطريقة الوحيدة التي ستتمكن البلدان من خلالها من التصدير، لافتاً إلى أن مصر هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي يمكنها تصدير الغاز إلى أوروبا بشكل مستقل بسبب حجم احتياطاتها والبنية التحتية الحالية للتصدير.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، ضمن فعاليات منتدى الاستثمار من أجل إفريقيا، أعلن الرئيس التنفيذي لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) آدم بولر التزام المؤسسة بتقديم تأمين بقيمة 430 مليون دولار لتعزيز أمن الطاقة في مصر من خلال إعادة تأهيل خط أنابيب الغاز الطبيعي، ونقل الغاز الطبيعي من الحقول البحرية في إسرائيل. وبموجب الاتفاق ستتمكن شركة نوبل إنرجي ومقرها هيوستن تكساس من استعادة خط أنابيب (EMG) الذي يبلغ طوله 90 كيلومتراً، ويمتد تحت البحر الأبيض المتوسط من مدينة عسقلان الساحلية بإسرائيل إلى العريش في مصر. كما سيدعم نقل ثلاثة تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي على مدى 15 عاماً. 

سيعمل المشروع على تعزيز أمن الطاقة في مصر، ودعم جهودها لتنمية اقتصادها من خلال تصدير الغاز إلى أجزاء من أوروبا وغيرها من الأسواق العالمية، بحسب ما تم إعلانه من قبل السفارة الأميركية في القاهرة. وعلّق نائب رئيس نوبل إنرجي لقطاع الأنشطة البحرية جيه كيث إليوت آنذاك قائلاً "إن عقود مبيعات الغاز لدولفينوس والاستحواذ على خط أنابيب (EMG) يدعمان توصيل الغاز الطبيعي من حقلي تمار وليفيثان في إسرائيل إلى مصر، ويمثل علامة فارقة رئيسة نحو هدف مصر المتمثل في أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة".

وفي مارس (آذار) الماضي، أعرب وزير الطاقة الأميركي دان برويليت دعم بلاده منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم سبع دول في المنطقة وهي مصر وإيطاليا واليونان وقبرص والأردن وإسرائيل وفلسطين، فيما الولايات المتحدة مرشحة للانضمام إليه بصفة مراقب. وأكد في لقاء جمع مسؤولين من الدول السبع أن المنتدى يحقّق أمن الطاقة وتوفير الغاز الطبيعي بكلفة مناسبة، فضلاً عن دفع مسارات السلام والازدهار والتنمية في المنطقة.

وبرغم التوتر المتصاعد في البحر المتوسط بين تركيا واليونان منذ توقيع الأخيرة اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع مصر الأسبوع الماضي، سبقه اتفاق مماثل مع إيطاليا في يونيو الماضي، إلا أن واشنطن تدعم اليونان وقبرص في ظل التجاوزات التركية في المنطقة.