Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكومة تصريف الأعمال في لبنان بين الصلاحيات والثغرات الدستورية

"تُطرح إشكالية صلاحية التشريع للمجلس النيابي في غياب مجلس وزاري"

في الفترة الفاصلة بين استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، يعيش لبنان فترة "تصريف الأعمال" الحكومية. وفي غياب نصوص دستورية واضحة، تبقى هذه المدة غير واضحة المعالم، إذ تطغى الممارسة العملية على النصوص، في ظل اختلاف الاجتهادات والآراء الفقهية حول حدودها والأعمال المسموح للحكومة القيام بها، إضافة إلى إمكان التشريع البرلماني في ظل عدم وجود حكومة. كما تعود إلى الذاكرة فترات الفراغ الكبيرة بفعل الخلافات بين مكونات الأحزاب السياسية، ففي عام 2011 احتاج الرئيس نجيب ميقاتي ستة أشهر لإعلان تشكيلته الحكومية، وتكرّر الأمر مع الرئيس تمام سلام في 2013 مع فترة قياسية عشرة أشهر، واحتاج الرئيس سعد الحريري إلى ثمانية أشهر لتشكيل حكومته الأخيرة في يناير (كانون الثاني) 2019.

تصريف الأعمال مفهوم عام

جاء ذكر مفهوم "تصريف الأعمال" في الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور اللبناني، في معرض الحديث عن صلاحيات رئيس الحكومة. وجاء في الفقرة "يجري (رئيس الوزراء) الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة، ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها. وعلى الحكومة أن تتقدم من مجلس الوزراء ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة 30 يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها. ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشرّع اللبناني لم يتطرق بالتفصيل إلى مفهوم تصريف الأعمال، وجاءت الممارسة لتؤكد على الجانب الإشكالي من هذه المسألة الدستورية. ويوضح العميد أمين صليبا لـ "اندبندنت عربية"، أن أساس نظرية تصريف الأعمال هو مجلس الدولة الفرنسي، وقد استلهمها الدستور والاجتهاد اللبنانيين، أي أنه لا يمكنها أن ترتب أعباء جديدة على الخزينة، أو أن تعقد اتفاقيات أو أن تفتح اعتمادات مالية أو تنقلها، إلا للأمور التي يقتضيها تصريف الأعمال، ولحين تشكيل الحكومة الجديدة، وحتى حصول عملية التسلّم والتسليم، حيث ينتقل تصريف الأعمال إلى الحكومة الجديدة ريثما تنال ثقة المجلس النيابي، وتبدأ العمل الإجرائي، ويبقى ضابط "الضرورة" هو الموجه لتصريف الأعمال.

من هنا كان في السابق إقرار قانون الموازنة في ظل حكومة مستقيلة، وحالياً يمكن لوزيرة العدل المستقيلة ماري كلود نجم أن تسمي المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت وبالتشاور مع رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود، إلى جانب قبول الهبات البالغة 300 مليون دولار، التي أقرّها مؤتمر باريس المنعقد الأحد في التاسع من أغسطس (آب)، لأن الهبات لن تدخل إلى خزينة الدولة، وسيتم توزيعها من خلال المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية.

المشاورات الإلزامية

وتبدأ عملية تصريف الأعمال مع إعلان رئيس الجمهورية قبول استقالة الحكومة ورئيسها. وخلال فترة معقولة، يلزم رئيس الجمهورية الدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة، وبعد تكليفه بالأكثرية المطلقة يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مع الكتل النيابية. ويشير صليبا إلى أن رئيس الجمهورية ملزم بالتقيُّد بالاستشارات النيابية، إلا أنه لا يوجد هامش زمني لتسمية رئيس حكومة جديد، في مقابل عدم وجود مهلة لرئيس الجمهورية للدعوة إلى الاستشارات، وعدم وجود مهلة زمنية يلتزم رئيس الحكومة المكلّف تقديم تشكيلته خلالها.

كما أن التشكيلة الحكومية الجديدة لا تصبح شرعية إلا بعدما يصدر مرسوم قبول استقالة الحكومة القديمة المستقيلة، والذي يليه مرسوم تعيين رئيس الحكومة الجديدة، مؤكداً أن هذين المرسومين يوقعهما منفرداً رئيس الجمهورية، ليعقب ذلك إعلان مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة بتوقيع الرئيسين، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف تمهيداً للتسلّم والتسليم ووضع البيان الوزاري.

ومن الواضح أن عدم وجود مُهل لحث الرؤساء على القيام بواجباتهم الدستورية يؤدي باستمرار إلى أزمات دستورية وفراغ في مواقع السلطات الثلاث. ويقول صليبا إن السبب في ذلك يعود إلى التوازنات الطائفية داخل النظام، فـ "رفض الموارنة وضع مهلة لرئيس الجمهورية للدعوة إلى الاستشارات، ورفض السنة المهلة لرئيس الحكومة لإنجاز تشكيلته"، انطلاقاً من "اللغم الدستوري" الموجود في مقدمة الدستور، والقائل "لا شرعية لأي سلطة تُخالف ميثاق العيش المشترك". ويعتقد أن مصلحة الدولة توجب وضع حدود زمنية لحفظ المصالح الوطنية الكبرى على حساب الطوائف.

لا تعويم بعد الطائف

وجرى العُرف في لبنان ألا يصدر مرسوم قبول استقالة رئيس الحكومة والحكومة إلا عندما يُتفق على تشكيلة الحكومة الجديدة. لذلك يُطرح السؤال حول إمكانية عودة الحكومة المستقيلة عن استقالتها، وعودتهم إلى العمل المعتاد إذا ما طال الفراغ الحكومي. وحول هذا الاستفسار يوضح صليبا أنه لا يوجد في الدستور مُهل لتقديم التشكيلة الحكومية إلى رئيس الجمهورية، ويضيف أن النص الوحيد هو الذي يلزم الحكومة بتقديم بيانها الوزاري إلى مجلس النواب خلال مهلة شهر من صدور مرسوم التشكيل لنيل الثقة. من هنا، لا توجد مهلة زمنية قصوى لتشكيل الحكومة من الناحية الدستورية، وبالتالي لا يمكن تحت أي ذريعة سحب التكليف منه بحجة عدم قدرته على التشكيل السريع، والدعوة إلى استشارات جديدة.

ويلفت إلى أن "تعويم الحكومة" كان يمكن حصوله قبل "الطائف" عندما كانت السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية، وذلك بموجب الاتفاق السياسي وخارج النصوص الدستورية، ومن دون الحصول على ثقة مجلس النواب. ويرى أن الدستور لم يتطرق إلى طرح عودة الحكومة عن استقالتها، وبالتالي فإن التعويم في الوضع الحالي بحاجة للعودة إلى مجلس النواب وطلب الثقة من جديد. ويضيف أنه لا يمكن الحديث عن عرف دستوري طالما لم يحصل هذا الأمر سابقاً، ولم يتكرر في ظل نظام الطائف.        

نحو نظام مجلسي؟

وخلال العقد الأخير شهد لبنان فترات فراغ دستورية طويلة، وأسهمت في تكثيف الأزمات وانفجارها دفعة واحدة. وفي هذا الإطار تُطرح إشكالية صلاحية التشريع للمجلس النيابي في غياب حكومة، ويتمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بقاعدة "المجلس سيد نفسه". ويبرز موقفاً معارضاً لذلك، يلتزم مبدأ "التوازن بين السلطات".

ويرفض صليبا التذرع بصلاحية التشريع للمجلس النيابي لأن "الدستور هو سيد السياد". ويجزم بأنه "لا يجوز التشريع في ظل حكومة مستقيلة"، معللاً "ذلك يخالف مبدأ التعاون والتوازن"، لأنه من غير المقبول إقرار مشاريع قوانين مقدمة من الحكومة السابقة، وإلزام الحكومة بمشاريع مخالفة لقناعتها. ويقدم حجة إضافية لرفع التشريع في ظل حكومة مستقيلة، إذ لا يمكن لرئيس الحكومة المكلّف أو رئيس الحكومة المستقيل الطعن دستورياً بشرعية القوانين.

ويتخوف صليبا من الإصرار على التشريع في غياب الحكومة، لأن ذلك سيدفع نظامنا الدستوري للتحوّل إلى نظام مجلسي، لا نظام برلماني قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها، مذكراً بأن التعاون يظهر عندما تكون أغلبية مشاريع القوانين التي يقرها مجلس النواب مصدرها الحكومة.

في المحصلة، يبقى النظام الدستوري اللبناني أسير الأجندات السياسية و"الديموقراطية التوافقية"، ولا يمكن إغفال دور المؤثرات الخارجية على عملية تشكيل الحكومة وإطالة فترة تصريف الأعمال، وصولاً إلى تركيبات ترضي الأحزاب السياسية والكتل الطائفية، وتشي بحفظ التوازنات المتأصلة داخل النظام، والمستجدة على ضوء انتفاضة الشارع اللبناني.

المزيد من متابعات