"داعش"... رحلة الصعود الخاطف والاندثار البطيء

سيطر التنظيم قبل حوالي سنة على أراضٍ في العراق وسوريا تساوي مساحة بريطانيا تقريباً، واستغرق القضاء عليه أكثر من خمس سنوات

مع اندلاع الحرب السورية قبل أكثر من ثماني سنوات، تعدّد اللاعبون الدوليون والمحليون على ساحتها، وتنوّعت أهدافهم وطموحاتهم. إلّا أنّ لاعباً واحداً اجتمع كلّ الآخرين على معاداته ومحاربته، على الرغم من خصوماتهم، هو التنظيم الذي أطلق على نفسه أسماءً عديدة، آخرها "الدولة الإسلامية"، وعُرف بـ "داعش".

يوم السبت 23 مارس (آذار) 2019، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، تحرير بلدة الباغوز، آخر جيب لـ "داعش" في سوريا، و"زوال" هذا التنظيم، الذي مارس القتل بأبشع وسائله والعنف بأقصى أشكاله، وسيطر يوماً ما على مساحات جغرافية واسعة وموارد ضخمة.  

فكيف بدأت رحلة التنظيم وما أبرز محطّاتها؟  

نشأة "داعش"

وسط حال الفوضى التي رافقت غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق في العام 2003، ومن رحم تنظيم القاعدة الإرهابي، أُسّس في العام 2006 فصيل منشق عن القاعدة، مطلقاً على نفسه اسم "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق".



وأثار اشتداد الحرب السورية، التي بدأت في العام 2011، شهية التنظيم للتوسّع خارج الحدود العراقية. فراح زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، يرسل عناصره إلى سوريا لتأسيس جماعة تابعة له. وفي العام 2013، أنهى البغدادي ارتباطه مع القاعدة بشكل تام، وغيّر اسم تنظيمه ليصبح "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أو ما بات يعرف بـ "داعش".

الانتصارات والتوسّع

حمل العام 2014، منذ بدايته، سلسلة من الانتصارات لـ "داعش"، في سوريا والعراق.

ففي يناير (كانون الثاني)، استولى مقاتلوه على مدينة الفلوجة وسط العراق، والتي تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال غربي العاصمة بغداد. ثمّ أكملوا إلى الشمال السوري حيث انتزعوا مدينة الرقة من فصائل المعارضة السورية، وسيطروا كذلك على قسم كبير من محافظة دير الزور، عند الحدود الشرقية مع العراق، بالإضافة إلى مواقع في محافظة حلب.

وفي العاشر من يونيو (حزيران)، شنّ التنظيم هجوماً كاسحاً على تكريت والموصل، ثانية مدن العراق، فسيطر عليهما وعلى قسم كبير من محافظة نينوى، بعدما ألحق بالجيش العراقي هزيمة فادحة.

ومن منبر مسجد النوري الكبير في الموصل، أعلن البغدادي في 29 يونيو قيام دولة "الخلافة" في المناطق التي سيطر عليها التنظيم. وفي أوّل أيّام رمضان من ذلك العام، بُث تسجيل صوتي يعلن أبو بكر البغدادي "خليفة" للدولة، فضلاً عن تغيير اسم التنظيم مّرة جديدة ليصبح "الدولة الإسلامية"، مزيلاً بذلك الإشارات الجغرافية.



في الظهور الأوّل للبغدادي في 5 يوليو (تموز)، في فيديو بثّته مواقع إلكترونية تابعة للتنظيم، دعا المسلمين في العالم إلى مبايعته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)



التحالف الدولي يواجه الإرهاب

اعتمد "داعش" على أكثر الوسائل دموية وعنفاً في اجتياحاته، إذ ذبح آلاف الأيزيديين في مدينة سنجار العراقية، غرب نينوى، وأجبر أكثر من سبعة آلاف امرأة وفتاة على الرق الجنسي.

وفي سوريا، ذبح التنظيم المئات من عشيرة الشعيطات، وارتكب عمليات اغتصاب وخطف وتطهير عرقي. كما بثّ مقاطع مصورة تُظهر قطعه رؤوس رهائن أجانب وممارسته أعمال عنف أخرى، استخدمها سلاحاً دعائياً في يده.

وأمام هول العنف الذي مارسه التنظيم، أنشأت الولايات المتحدة الأميركية، في 15 يونيو 2014، تحالفاً دولياً بقيادتها لمحاربة "داعش"، ضمّ أكثر من 70 دولة، لكنّ بعضاً من هذه الدول فقط نشر جنوداً ومستشارين عسكريين على الأرض، بينما نشرت الولايات المتحدة حينذاك خمسة آلاف جندي.

توالت منذ ذلك الوقت الضربات الجوية للتحالف الدولي ضدّ "داعش"، في كلّ من العراق أوّلاً، وسوريا ثانياً. واستطاعت القوات الكردية، في 26 يناير 2015، وبدعم من التحالف، طرد التنظيم من مدينة كوباني الكردية، الواقعة على الحدود التركية.

تصدير الإرهاب

لم يكتف "داعش" بممارسة العنف في مناطق سيطرته حصراً، بل راح يصدّر العمليات الإرهابية إلى مختلف أنحاء العالم، معلناً مسؤوليته عن سلسلة من الهجمات شملت دولاً عديدة، حيث بايعه أفراد ومجموعات.

وفي 31 مارس 2015، استعادت القوات العراقية مدينة تكريت، إلّا أنّ التنظيم سيطر، في شهر مايو (أيار)، على مدينة الرمادي العراقية ومدينة تدمر الأثرية في سوريا، حيث شوّه ودمّر آثاراً عمرها آلاف السنين، ومدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.



في المقابل، استطاعت القوات الكردية، مدعومة من التحالف الدولي، طرده من مدينة سنجار، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني).

بداية الانكسار

في العام 2016، انطلقت سلسلة الهزائم لتنظيم "داعش"، إذ طُرد من مدينة الرمادي، ثمّ تمكّن الجيش العراقي من استعادة السيطرة على الفلوجة في يونيو 2016، بعد أكثر من سنتين وخمسة أشهر على احتلالها.  

وفي أغسطس (آب)، طردت قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكّل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، التنظيم من مدينة منبج السورية، وذلك بدعم من واشنطن على رأس التحالف الدولي.

كذلك سيطرت فصائل معارضة، مدعومة من الجيش التركي، على مدينة جرابلس ثم الباب في محافظة حلب، في فبراير 2017. وفي مارس، استعاد النظام السوري، بدعم من حليفته روسيا، مدينة تدمر.

نهاية "الخلافة" في العراق

وبعد تسعة أشهر من القتال الشرس، تمكّنت القوات العراقية، مدعومة من التحالف الدولي، من استعادة الموصل، التي أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي تحريرها في 10 يوليو 2017.

وفي أغسطس، سيطرت القوات العراقية على مدينة تلعفر وكامل محافظة نينوى، ليُعلن العبادي في 9 ديسمبر من العام ذاته، النصر على تنظيم "داعش".  



وكان توجّه في سبتمبر الجيش السوري، بدعم روسي وإيراني، نحو دير الزور لإعادة فرض سيطرته على منطقة الفرات.

نهاية "داعش"

وبعدما انتزعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الرقة من التنظيم، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، أصبح وجود "داعش" مقتصراً على جزء من محافظة دير الزور، شمال سوريا على الحدود العراقية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، شنّت قسد، بدعم من التحالف الدولي، ما أسمته "المعركة الأخيرة" للقضاء على "داعش"، بعدما حاصرته في بضعة كيلومترات في بلدة الباغوز.

وبعد ثلاثة أشهر من القتال، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، في 23 مارس 2019، تحرير الباغوز و"زوال" تنظيم "داعش".



أبرز إعدامات "داعش" للرهائن الأجانب

بالإضافة إلى جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب التي مارسها التنظيم بحقّ الواقعين تحت سيطرته، لجأ "داعش" إلى إعدام عدد من الرهائن، خصوصاً الغربيين منهم، وذلك في عمليات صوّرت ونُشرت لبثّ الرعب في المناطق الخاضعة لسيطرته.

ففي 19 أغسطس من العام 2014، نشر التنظيم تسجيلاً مصوراً يظهر إعدامه للصحافي الأميركي جيمس فولي (40 عاماً)، الذي أسر في شمال سوريا في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012، فكان أوّل صحافي أجنبي يعدمه التنظيم.

وظهر إلى جانب فولي حينذاك، صحافي أميركي آخر هو ستيفن سوتلوف (31 عاماً)، الذي عاد وادّعى التنظيم ذبحه في سبتمبر 2014، بعدما نشر فيديو ظهر فيه سوتلوف جالساً على ركبيته في منطقة صحراوية، وإلى جانبه شخص ملثم يحمل سكيناً.

وبعدما هّدد في فيديو سوتلوف بقتل عامل الإغاثة البريطاني دايفيد هاينز (44 عاماً)، أعلن "داعش" إعدامه في 13 سبتمبر من العام نفسه، محذّراً من قتل عامل إغاثة آخر هو آلان هينينغ (47 عاماً)، الذي ظهر لاحقاً في فيديو يُظهر إعدامه بقطع الرأس.

وبعد فترة، قال التنظيم إنّه قتل الأميركي بيتر كاسيغ (26 عاماً). وفي تسجيل مصوّر قيل إنّه لإعدام كاسيغ، أعلن "داعش" أنّه قطع أيضاً رؤوس 18 شخصاً في الأقلّ، وصفوا بأنهم عناصر في الجيش السوري.

وفي 24 يناير 2015، أعلن التنظيم في تسجيل مصور إعدام الرهينة الياباني هارونا يوكاوا (42 عاماً)، وهو مدير شركة صغيرة تعمل على إغاثة اليابانيين في الخارج. وفي 31 من الشهر ذاته، أعلن التنظيم إعدام المراسل الحربي كينجي غوتو (47 عاماً)، الذي كان يبحث عن يوكاوا في سوريا.

أمّا الطيار الأردني معاذ الكساسبة، الذي سقطت طائرته في سوريا، فنشر "داعش" فيديو يظهر إعدامه حرقاً وهو حيّ، في 3 فبراير 2015.   

كذلك أعدم التنظيم، في نوفمبر من العام ذاته، النرويجي أولي جوهان غريمسغارد اوفستاد (48 عاماً) والصيني فان جينغهوي (50 عاماً).

في هذا السياق، قطع إرهابيون في ليبيا، بايعوا "داعش"، رؤوس مسيحيين، وتلت ذلك مبايعات من جماعات في دول أخرى، لكنها بقيت مستقلة في تنفيذ العمليات.

خلايا نائمة

بعدما تمكّن تنظيم "داعش" من السيطرة على أراضٍ تساوي مساحة بريطانيا، خلال نحو سنة، والتحكّم بمصير سبعة ملايين شخص، اندثر وبات وجوده اليوم يقتصر على بضعة مقاتلين يختبئون في الصحراء السورية.  

إلّا أنّ "خليفة" هذه الدولة المزمعة، أبو بكر البغدادي، لا يزال حرّاً طليقاً، ولم تثبت حتّى الآن أخبار مقتله. ويثير هذا الأمر مخاوف من إطلاقه عمليات إرهابية في سوريا والعراق، وحتّى خارجهما، عبر خلايا نائمة قد تكون لاذت بالفرار، خصوصاً مع تعبير عدد من الخارجين من الجيب الأخير للتنظيم، عن استمرار إيمانهم به.

وبوجود نسل كبير لمقاتلي التنظيم، هل يكون انتهاء "المعركة الأخيرة" ضدّ داعش، هو النهاية الفعلية له أم مجرّد نهاية عسكرية موقّتة؟

المزيد من العالم العربي