Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"صاحب المقام" أحيا آمال المتشددين وأعاد حلم استعادة التدين المصري

الفيلم يُحرِّك المياه الراكدة ويكشف عن "ثأر بايت" لدى التيارات السلفية المتعدِّدة

فيلم صاحب المقام أثار جدلا بلغ أياماً على مواقع التواصل الاجتماعي  (السينما.كوم)

هبَّت التيارات السلفية المُتعدِّدة وكثيرٌ من أصحاب ملفات "الثَّأر البايت" الكثيرة، والتزمت جماعة الإخوان المسلمين الصمت "الرسمي"، وإن انطلقت أذرعتها الإعلامية والعنكبوتية، وشاهد كثيرون فيلم "صاحب المقام"، فكان هناك فريق استمتع أيَّما استمتاع، وفريق آخر لم يستمتع لأسباب عادية كتلك التي تنتمي لزمن ما قبل التسييس والتديُّن والتحزُّب والتشتُّت.

يُثير فيلم "صاحب المقام" – ذائع الصيت على إحدى منصَّات المشاهدة العنكبوتية هذه الأيام – زوابعَ عدَّة في فناجين المُشاهدة، لكنها ليست مُشاهدة عادية، بل مُتأنِّية يستعد لها المُشاهد بورقة وقلم وبحث وتنقيب في مراجع دينية تارة، وأخرى سياسية تارة أخرى، وكلٌّ يعتمد في بحثه على خلفية أيديولوجية أو أرضية مُعتقد مُستمدَّة من ألوان الطيف العقائدي المُنتشرة بوفرة هذه الآونة.

مقام سيدي هلال

الفيلم الذي تلعب بطولته مجموعة كبيرة من الفنانين المصريين منهم آسر ياسين وأمينة خليل وبيومي فؤاد ويسرا وإبراهيم نصر، يدور حول ما جرى لـ"يحيى" رجل الأعمال الناجح الشاب، الذي يعيش حياته الاجتماعية دون محاذير دينية متشددة منذ هدم مقام (قبر لشخص يعتقد الناس أنه ذو قامة دينية) يُدعى "سيدي هلال". رجل الأعمال سخر كثيراً من أحد شريكيه التوأم، ويلعب دوريهما بيومي فؤاد، الذي أمعن في تحذيره من مغبَّة هدم المقام وما يمكن أن يحدث له من لعنات تتمثل في حوادث سيئة لا بد أن تطال من يُقدِم على فعلة كهذه. الأخ الآخر سلفيُّ الهوى ويدعم فكرة هدم المقام.

تأييد هدم المقام هو التوجُّه "الديني" الذي غزا قطاعات عريضة في مصر في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حيث إن نُسخة من التفسيرات والتوجهات الدينية المصنفة تحت بند "السلفية" تعتبر الأضرحة والقبور شركاً بالله، وتُحرِّم الصلاة في المساجد التي فيها أضرحة، بل وتُطالب بهدمها، وهو ما أقدمت عليه بالفعل عقب أحداث يناير (كانون الثاني) 2011. في المقابل، هناك قطاعات أخرى من المصريين ما زالت على دفاعها التاريخي الاجتماعي المُستميت عن الأضرحة والمقامات، وهو دفاع يستند إلى النسخة المصرية العتيقة من التديُّن (الإسلامي والمسيحي على حدٍّ سواء)، والتي تتعلق بتلابيب استمداد البركة وطلب المدد والعون والغوث من "أولياء الله الصالحين". بين طرفي النقيض من التديُّن، حيث النسخة المُستحدثة المستوردة من التديُّن المُحرِّم والمُكفِّر لفكرة التبرُّك بـ"أولياء"، والنسخة التي يختلط فيها الدين بالتاريخ بالثقافة بالعادات المتعلقة بالتبرُّك والتعلق بتلابيبها، نسخة ثالثة ألا وهي التدين الذي لا يرفع شعار "أنا متدين" أينما ذهب، لكن تدينه هذا يظهر في أوقات الشدة، تدور أحداث الفيلم ومعها زوابع وتوابع زلازل وصيد تقوم به تيارات متعددة في مياه الفيلم الجريء.

 

 

جرأة الفيلم ومؤلفه

جرأة الفيلم مُستمدَّة من قصته التي كتبها إبراهيم عيسى. ويجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن جانباً من الزوابع والتوابع الصاخبة للفيلم يعود إلى سيرة كاتبه الذاتية والسياسية والدينية التي جعلته مُثيراً لغضب قطاعات عريضة، ومولداً للأمل في الإصلاح لدى قطاعات أخرى عريضة أيضاً.

عيسى، المعروف بمعارضته الشديدة للتيارات الدينية الإسلامية والعديد من الأنظمة السياسية الحاكمة الحالية والسابقة، والمعروف برُؤاه المتعمقة والمختلفة للتاريخ الإسلامي حتى إنه كان يقدم برامج تلفزيونية بالإضافة للعديد من الكتابات عن الخلفاء الراشدين والصحابة والصحابيات، وصاحب السجل الحافل والقائمة الطويلة من البرامج التي تم إيقافها والصحف التي تم إغلاقها والمقالات التي تمت مصادرتها وقضايا الرأي التي رفعت عليه، يقف هذه الأيام في قلب الزوابع والتوابع الناجمة عن الفيلم، ولكن دون ذكر اسمه كثيراً.

الدين والشد والجذب

كثيراً – أو بالأحرى دائماً - تتحوَّل أي قضية أو جدلية أو حتى جملة كاملة أو فرعية تحتوي على فكرة لها علاقة بالدين إلى مثار للشد والجذب بين فريقي المجتمع الرئيسين: المتدينين "الجُدد" والمواطنين العاديين بدرجات وأنواع تديُّنهم المخلتفة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، حين علق عيسى على تعطل وتجاهل دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتجديد الخطاب الديني وتطهيره قبل سنوات قائلاً: "الأجهزة (أجهزة الدولة) وعلى رأسها الأزهر الشريف تعاملت مع مبادرة تجديد الخطاب الديني على أنها غبار"، مشيراً إلى "عدم رغبة الأزهر في التجديد وتفضيله الإبقاء على الوضع الراهن، تمت ترجمة ما قاله إلى آلاف التغريدات والتدوينات إلى "إبراهيم عيسى يُريد أن يلغي الدين ويسرح الأزهر الشريف ويجعلها دولة لا دينية".

الشد والجذب العنيفان الدائرة رحاهما حالياً بفعل عرض فيلم "صاحب المقام" على أثير الشبكة العنكبوتية وما تيسَّر من أحاديث الشارع التي ما زالت خاضعة لمخاوف كورونا المستجد يعكسان حقيقة واحدة لا ريب فيها، ألا وهي أن المجتمع المصري الذي خضع لتغيرات ثقافية واجتماعية ترتدي جلباب الدين على مدار نصف قرن مضى بدأ ينقب فيما جرى له وما حدث له من تغيرات اجتماعية وثقافية كبرى.

حملات على "يوتيوب"

أكبر حملات تدور رحاها على أثير "يوتيوب"، حيث ملجأ العديد من التيارات السلفية والمتشددة بعيداً عن الأثير الرسمي والتضييق عليها في المساجد التابعة لوزارة الأوقاف وإغلاق آلاف الزوايا التي انطلقت منها خلال العقود الماضية لتسيطر على أدمغة ملايين المصريين. قنوات سلفية عدَّة على "يوتيوب" خصَّصها أصحابها لمحاربة الفيلم ومؤلفه والممثلين ونعت الجميع بالتحريض على الابتعاد عن الدين وتشويهه. إحدى هذه القنوات سماها صاحبها "مُكافح الشبهات" أطلقت نيرانها على الفيلم الذي انتصر لتشبُّث المصريين التاريخي والثقافي بـ"أولياء الله الصالحين"، لا سيما البسطاء منهم، كوسيلة لإبقاء الأمل حياً في التغلب على مشكلاتهم. اتهامات وتهكمات لا أول لها ولا آخر للفيلم وقصته، وبالطبع مؤلفه، بتدمير الدين وتخريب عقول المتدينين وتحريم ثقافة الأضرحة والمقامات.

مقام الإخوة الأعداء

يُحسب لـ"صاحب المقام" أنه وحَّد صفوف "الإخوة الأعداء". التيارات السلفية التي تُناصب كل ما عداها من تيارات دينية العداء، حيث تفسيراتها الدينية هي الأصح، واجتهاداتها الدنيوية هي الأولى بالاتباع، وجماعة الإخوان المسلمين التي ترى أنها وحدها الأولى بالهيمنة والجديرة بالسيطرة؛ لأنها "الأصل في الحركات الإسلامية، ولأنها تعتنق نسخة حديثة من الإسلام، حيث الدين والدنيا ممزوجين بمقادير تضمن التمكين وتعمل على التسكين" وجدت نفسها في حلبة واحدة ترشق الفيلم بسهام حادة.

التيارات السلفية التي لا يُفوِّت إبراهيم عيسى فرصة إلا ورشقها باتهامات السطحية الدينية والمظهرية والشكلية، سنَّت أسنانها وتركز على رشق الفيلم وقصته بتمجيد البُعد عن الدين والترويج للشبهات. أنصار جماعة الإخوان المسلمين وأبناء عمومها من التيارات الشبيهة لم يُهدروا الفرصة وانقضُّوا على الفيلم، ولكن من خلال الجيوش العنكبوتية وعدد من القنوات التلفزيونية والمواقع الخبرية المعروفة بميولها الإخوانية. ويُشار إلى أن عيسى كان من أعلى الأصوات التي حاربت هيمنة جماعة الإخوان المسلمين على المشهد السياسي في أعقاب أحداث يناير 2011، وظل على معارضتهم حتى سقط حكم الجماعة في عام 2013.

تربُّص التغريدات

آلاف التغريدات التي انتقدت الفيلم ومؤلفه، والتي يجري مشاركتها وإعادة تدويرها لا تخرج عن إطار واحد ألا وهو إلصاق تُهمة مُحاربة الدين بشكل أو بآخر، وهو ما جعل البعض يصف الهجوم الضاري الذي لا يتعرض من قريب أو بعيد لمحتوى العمل أو قيمته الفنية بالترصُّد أو التنمُّر أو التربُّص.

مُخرج الفيلم محمد العدل أصاب بتوصيفه الهجوم "الديني" الضاري على الفيلم من خلال مؤلفه بأنه "تربُّص بشخص المؤلف أكثر من أي شيء آخر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الطريف أن هذا "التربُّص" في حد ذاته يُسلِّط الضوء على الصراع الاجتماعي السياسي الديني الأيديولوجي المكتوم في مصر بين شتى التيارات، بدءاً بالإسلام السياسي المُهيمن بأطيافه، مروراً بالأصوات الليبرالية الخافتة التي تصارع من أجل البقاء، وانتهاءً بالهوية المصرية التي تحمل خليطاً فريداً من التدين الفطري والاتِّكال على الله والرضا بالمقسوم دون إفراط أو تشدد أو تطرف. هذا الصراع يظهر على السطح بين الحين والآخر، مرة عبر تعلق بتلابيب دعوة الرئيس المصري لتجديد وتطهير الخطاب الديني، وأخرى بفضح تبرير بعض المشايخ للتحرش بملابس الفتيات ومظهرهن، وثالثة بالسخرية من فتاوى تعود بالوطن والمواطنين إلى العصور الوسطى، ورابعة عبر شد وجذب حول محتوى مسلسل مثل "الاختيار" الذي كشف النقاب عن جانب من الأفكار الجهادية، وخامسة من خلال فكرة فيلم مثل "صاحب المقام" تطرح فكرة التديُّن، كيف كان وكيف أصبح؟!

إعادة بناء التدين

أصبحت إعادة بناء التديُّن المصري شُغلاً شاغلاً للبعض وكابوساً مُرعباً للبعض الآخر ومسألة لا تشغل بال قاعدة عريضة من المواطنين لا تعنيها سوى متابعة شؤون وشجون لقمة العيش اليومية. هذه القاعدة العريضة قد تشاهد "صاحب المقام" فتدمع أعينُهم تأثراً بمشاهد قيام "يحيى" رجل الأعمال بجمع الخطابات التي يكتبها المصريون البسطاء للإمام الشافعي ويُلقونها عند ضريحه طلباً للعون أو الغوث، وتخفق قلوبهم حين ينجح "يحيى" في تحقيق حلم هنا أو إعادة حق هناك. هذه القاعدة قد تخرج من الفيلم بنية كتابة خطاب إلى الإمام الشافعي طلباً في اطمئنان على ابن هاجر هجرة غير شرعية، أو أو زيارة بيت الله الحرام في حج أو عمرة، أو علاج ابنة مصابة بمرض مُستعصٍ. القاعدة نفسها قد تجد نفسها مُلامة ومُدانة من قِبَل شيخ من مشايخ السلفية لأنها شاهدت الفيلم أو أعجبتها فكرته أو سمحت لنفسها بالتفكير في روحانيات أو أفكار صوفية لم تنُص عليها تفسيرات هنا أو اجتهادات هناك. وقد تجد القاعدة نفسها تتعامل مع الفيلم باعتباره فيلماً اجتماعياً خفيفاً فيه عبرة واحدة مفادها أن الغني يجب أن يُعطي الفقير حتى "يُسترها ربّنا معاه".

قلَّة قليلة هي من تأخذ على عاتقها هذه الأيام مهمة تفنيد ما حرَّكه "صاحب المقام" من جدل حول ما ضرب تديُّن المصريين من تحولات وتقلبات، وعلاقة التدين بالثقافة والهوية، وجهنمية خلطة الدين بالسياسة، وكيفية إعادة أو استعادة النسخة المصرية من التديُّن من دون مُغالاة هؤلاء أو مُراوغة أولئك. فقط نفحات من الإيمان وتشبُّث بقدرة السماء على الاستجابة لآمال البسطاء رغم أنف الأدعياء ودون المساس بالدُّعاة.