Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مستشفيات بيروت في الخط الدفاعي الأول بوجه الانهيار

أصاب بعضها الشلل التام بفعل انفجار المرفأ وسقط من طواقمها قتلى وجرحى

سقوط 17 ضحية في مستشفى الروم و100 جريح (اندبندنت عربية)

تضحيات كبيرة قدّمتها المستشفيات البيروتية خلال الأيام القليلة الماضية، فما بين دمار كامل وجزئي دفعت هذه المؤسسات ضريبة كبيرة بفعل انفجار مرفأ بيروت، وانضمّت إلى قائمة الضحايا ثلاثة من أبرز المستشفيات الخاصة في لبنان لدمار شبه كامل، مستشفى الروم، ومستشفى الجعيتاوي، ومستشفى الوردية، وشكّل موقع هذه المستشفيات بمنطقة الجميزة والأشرفية سبباً أساسياً في تضررها.

على الخط الأمامي

عند السادسة من مساء الرابع من أغسطس (آب) بدأت مأساة كبيرة لمستشفيات بيروت، وبات الانهيار التام مسألة وقت، تحوّل مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي إلى جبل من الحطام المرعب، لم يبقَ من هذا الصرح الطبي الشهير إلا بقايا هيكله الأسمنتي، وتكشف مسؤولة الإعلام رولا معوض لـ"اندبندنت عربية" عن سقوط 17 ضحية في المستشفى، ومئة جريح، وتوضّح توزع الضحايا على الوجه التالي: أربعة من الطاقم التمريضي، وأحد الموظفين، وكذلك من المرضى، وتتحدّث معوض عن دمار تام في المستشفى، وتقدّر الحاجة إلى 15 مليون دولار لإعادة إعمار المستشفى الجامعي الذي يتمرّن فيه عدد كبير من الأطباء الجدد.

وحال باقي المستشفيات ليس بأحسن حال، فمستشفى الجعيتاوي توقف عن العمل بصورة كاملة، ويجري التجهيز لإعادة افتتاحه في الـ17 من أغسطس بعد ترميم وإصلاح ما أمكن من الطوابق العلوية للمبنى، وتحوّلت الطواقم الطبية والتمريضية في المستشفى إلى ما يشبه إلى حرس، فهم يبيتون داخل المبنى للحؤول دون تعرضه للسرقة، وتشير المعلومات إلى تقديم مستشفى ميداني للجعيتاوي في منطقة الكرنتينا "الفوروم دو بيروت" للتعويض المؤقت عن خدمات هذا المستشفى.

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى مستشفى راهبات الوردية في منطقة الجميزة الأكثر تضرراً، فإضافة إلى توقفه عن العمل بالكامل، سقط أحد طواقمه قتيلاً، وفي أعقاب دمار المستشفيات، تحوّلت الطرقات المحاذية والحدائق إلى غرف للإسعاف الأوليّ والطوارئ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قصص بطولية

على الرغم من المشهد القاتم فإنّ أروقة المستشفيات كانت شاهدة على قصص تضحية وبطولة، الطبيب المتدرب محمد يزبك له قصة مميزة في الإقدام والعطاء في أروقة الجعيتاوي، ويروي يزبك لـ"اندبندنت عربية" أنه كان موجوداً في المستشفى وفق الجدول المقرر، وبعد أن أدّى مهامه في قسم العيادات، انتقل إلى دراسة الملفات مع الطاقم الطبي، وما هي إلا لحظات حتى وقع انفجار هائل، تسبب بدمار المستشفى، وتعطّلت كل مرافقه، وأيضاً التيار الكهربائي والأجهزة الطبية.

وتعرّض عدد كبير من المرضى لإصابات متفاوتة، واستقبل المستشفى كثيراً من المصابين بما يتجاوز حاجته. في تلك اللحظة، لم يكن هناك عدد كاف من الاختصاصيين، فأخذ الطبيب المتمرّن محمد يزبك المبادرة، فما بين التضحية بحياة المصاب والمبادرة الخطرة، اختار أن يخوض غمار التحدي، فعالج يزبك، الطالب بالجامعة اللبنانية، إصابات الرأس، وأجرى ثلاث عمليات وفق التشخيص الأوليّ والعلميّ، من دون اللجوء إلى الصور الشعاعية، لأن قسم الأشعة كان معطّلاً.

وأجرى يزبك وزملاؤه عمليات دقيقة في الدماغ لثلاثة مرضى، واستخدم الأساليب البدائية، لأن الآلات كانت في الطوابق العلوية، وتعذّر الوصول إليها، بسبب الركام داخل الممرات وتعطّل المصاعد، ويعبر يزبك، البالغ من العمر 29 عاماً، عن سعادته بأن العمليات التي أجراها ناجحة، ولم تظهر أي نتائج عرضية أو سلبية.

لحظات صعبة

كانت لحظات صعبة على الطواقم الطبية، وكذلك الأهل والمرضى، إلا أنها حملت الأمل للكثيرين، وفي هذا الإطار، يجب الحديث عن الممرضة في مستشفى الروم باميلا زينون التي ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي وهي تحمل ثلاثة أطفال، وأسعفتهم وانتقلت بهم مشياً على الأقدام من مستشفى إلى آخر، وصولاً إلى مستشفى أبو جودة.

وتروي زينون لـ"اندبندنت عربية" ما حدث، فقد كانت في قسم الأطفال الخدج الذين يولدون قبل موعد تمام الحمل، ويجري وضعهم في الحاضنة الاصطناعية، للحفاظ على حرارتهم والتنفس المنتظم، وتؤكد أنها بعد أن أطعمت الأطفال، كانت تُكمل عملها، وعند وقوع الانفجار دفعها العصف بعيداً، وأصيب الزملاء في الطابق، وعلى الرغم من أوجاعها وإصابتها، قامت على رجليها، وتحققت من حالة زملائها، وقدمت المساعدة، ثمّ توجهت إلى الأطفال في الغرفة، كان هناك أربعة أطفال، وقام أهل أحد الأطفال بأخذه، بينما بقي ثلاثة.

وحملت باميلا الأطفال، وانتقلت بين الطوابق، إذ رأت مشاهد فظيعة "عدد كبير من المصابين، أطفال يصرخون، وأناس مضرجون بالدماء"، واستمرّت بالنزول، إلى أن وصلت إلى غرفة الحرس حيث مدخل المستشفى.

ولم يكن نقل الأطفال إلى مستشفى آخر متيسّراً من خلال سيارة إسعاف، فانتقلت سيراً على الأقدام، وتنقّلت بين المستشفيات، إذ كان المشهد مريعاً، وعجزت المؤسسات الطبية عن استقبال الأعداد الهائلة من المصابين، وتخوّفت باميلا على صحة الأطفال، فطلبت ملابس لهم أو أغطية من الناس على الطريق، لافتةً إلى الضرر الذي قد يتعرّض له الأطفال الخُدّج من هبوط الحرارة الذي يودي بحياتهم، وتؤكد أنها كانت حريصة على إبلاغ الأهالي بسلامة الأطفال، فتواصلت مع زملائها، لعدم تعرّض الأهل للصدمة واللوعة.

ولا تعتبر باميلا أنها قدّمت خدمة استثنائية، فهي أدّت واجبها، وما يمليه عليها شرفها المهني، وتعتقد أن جميع العاملين في هذا المجال كانوا سيقومون بالعمل نفسه، لأن التضحية في قلب عمل الطواقم التمريضية.

أيام عصيبة

أيام عصيبة يعيشها القطاع الصحي في لبنان، فخلال أشهر قليلة تلقت المستشفيات والمراكز الصحية سلسلة من الضربات، من أزمة الدولار إلى كورونا، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت، ويلفت نقيب المستشفيات في لبنان سليمان هارون إلى أن هذه المؤسسات وصلت إلى أسوأ حالاتها، فنحن أمام "نكبة للمستشفيات"، ويشيد عبر "اندبندنت عربية" باستمرارها بتقديم الخدمات الطبية وإجراء العمليات، على الرغم من الأزمات التي تعرّضت إليها، وكمية الضغط.

ويتمنّى هارون أن يصل المزيد من المستلزمات الطبية على شكل معدات وأدوية وآلات، وأن لا تقتصر على المستشفيات الميدانية، موضحاً أن هناك ما يكفي لبنان من المستشفيات والطواقم الطبية، وهي تمكّنت من استيعاب الضحايا والجرحى في مرحلة الذروة، وأدّى الضغط على المستشفيات إلى استعمال كل المخزونات الطبية، وهي غير قادرة على شراء غيرها، بسبب أزمة الدولار وصعوبة شراء المواد الصيدلانية الأساسية وملابس الوقاية وغيرها.

ويشعر هارون أن الوضع بات أكثر صعوبة، وستستمر المستشفيات بإعطاء الأولوية للحالات الطارئة، ويعتقد أننا نحتاج إلى أسبوع إضافي، لعودة الأمور إلى طبيعتها مع شفاء الجرحى، ويطالب الدولة اللبنانية بالإسراع بدفع المتأخرات المترتبة عليها، معلناً أن "الدولة لم تدفع شيئاً. قبل الانفجار بيومين اتفقنا مع وزير المالية على تسديد دفعة، وننتظر الوفاء بالاتفاق، مع أنها لا تشكّل إلا مبلغاً قليلاً لمتأخرات الدولة".

وفي الخلاصة، دخل القطاع الطبي في لبنان إلى قسم العناية الفائقة، ولا بدّ من أن تتدخل الدولة بجدية، لفك الحصار المالي عن المستشفيات، وتؤمِّن لها الحد الأدنى للحياة والاستمرار.