Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منارة الموصل التي لا تُرى من أربيل... "الآلهة بخير"

في أوقات السلم القليلة، كان أهل الموصل يتطلعون من بعيد نحو أضواء نيران منارات أربيل في أعلى قلعتها، ويطمئنون على أن آلهتهم في خير، والعكس صحيح لدى أهل أربيل

إضاءة شموع في أربيل لضحايا عبارة الموصل (أ.ف.ب)

تقول غالبية المرويات التاريخية قِدماً عن شكل العلاقة المعقدة بين مدينتي الموصل وأربيل، إن هذه الأخيرة بناها الآشوريون القُدماء لتكون مقراً حصيناً لآلهتهم الأربعة الأرفع مقاماً.

بُنيت المدينة القلعة لتكون مركزاً دينياً لأبناء الحاضرة الآشورية، وكان الملوك والأمراء الآشوريون يحجون إلى أربيل بشكلٍ دوري، في الأوقات التي تسبق الحروب تحديداً، ويأخذون منها البركة وشحذ همم الجنود.

آلهتهم بخير

وفي أوقات السلم القليلة، كان أهل الموصل يتطلعون من بعيد نحو أضواء نيران منارات أربيل في أعلى قلعتها، ويطمئنون على أن آلهتهم في خير، والعكس صحيح لدى أهل أربيل. رُبما لأجل التوزع الوظيفي بين المدينتين، أربيل الدينية العسكرية الحصينة، والموصل السياسية والاقتصادية والحضرية، توزعت على جنبات السهل الخصب بين المدينتين كُل أنواع الأقوام والديانات والمذاهب والأعراق. شيء تاريخي مطابق لأحوال الحواضر الرصينة في مختلف مناطق العالم القديمة، التي كانت تؤسس وتحافظ على أشكال مختلفة من التنوع الديني والعرقي.

تحولات رهيبة

هزت هذه الجُغرافيا العشرات من التحولات الرهيبة، من غزوات الميديين لبلاد الآشوريين وتحطيمهم حاضرتهم، مروراً بحروب الساسانيين والرومان، وليست آخر غزوات المغول وصراعات العثمانيين والصفويين والقوميين العرب والأكراد. لكن طوال هذه القرون، بقي ذلك السهل الخصب، مادياً وروحياً، منبعاً لحياة مدينة الموصل، التي عاشت حيوية ورخاء بسبب تنوع أحوال ما يُحيط بها وحُسنها.

اليوم، يُمكن أي متابع أن يرى خراباً وفظاعة يحيطان بجميع تفاصيل حياة الناس في تلك الجُغرافيا، تكتشفها في ملامح كُل فرد من المليون شخص المُقيمين، النازحين، المهجرين، اللاجئين من مدينة الموصل إلى مدينة أربيل، إذ إن لمأساة العبارة النهرية التي حدثت صبيحة عيد النوروز في المدينة دلالة، وكشفاً عن ذلك الخراب.

وضعنا صورة السيستاني

الطريق من أربيل إلى الموصل يطول حوالي 60 كيلومتراً، في وسطها بالضبط، وبعد أن تعبر نهر الزاب الوافر العطاء، تواجهك قُرى ما بقي من الآشوريين المسيحيين العراقيين، الذين اختصر أحد باعة المواد الاستهلاكية منهم فظاعة أحوالهم طوال السنوات الماضية بعبارة واحدة "رفعنا صورة أبو بكر البغدادي من المحل ووضعنا صورة السيستاني".

مسيحيو السهل، من سُكان بلدات كارملش وبخديدا وبرطلة، كانوا الضحايا الدائمين لتحولات النُظم السياسية العراقية، على مختلف هوياتها، فالأحزاب القومية الآشورية واجهت النُظم القومية والبعثية العراقية، وخاضت في فترات مُختلفة من عمرها كفاحاً مُسلحاً في مواجهتها، وفي الطريق إلى مواجهة طموحاتهم، فإن النِظام البعثي حطم تلك الجُغرافيا، بناسها واقتصادها وثقافتها.

الذمية الدينية

أما الآشوريون الذين أرادوا أن يُهادنوا النِظام القومي، فواجهوا حتمية الذمية الدينية والمحق القومي، حتى أن القيادي البعثي الوحيد الذي برز من أبنائهم أُجبر حتى على تغيير اسمه، ليُصبح ميخائيل حنا شخصاً اسمه طارق عزيز. ودفع الآشوريون المسيحيون، داخل الموصل وفي سهلها الفسيح الذي يفصلها عن مدينة أربيل، أثماناً مضاعفة لذلك، حينما تحول النِظام السياسي العراقي بعد العام 2003 من نِظام قومي إلى نِظام سياسي ديني طائفي. فحملات الاضطهاد السياسي والرمزي التي كانت تشمل الآشوريين المسيحيين في الأزمنة القومية، صارت حملات اجتماعية ومادية مُطلقة، سواء في عاصمة الأحزاب الدينية الطائفية، بغداد، أو في بيادر دولة الخِلافة، سهول الموصل.

إلى شمال بلدات الآشوريين، تبدأ قُرى أبناء الديانة اليزيدية ومناطقهم، اعتباراً من بلدة بحزاني مروراً بقرى بعدرة ولالش المُقدسة لدى الأيزيديين، انتهاءً بجبال منطقة سجنار، موطن الأيزيديين التاريخي الحصين.

الأيزيديون ... والخبر السار

في يوم عبارة الموصل الشهير، كان الأيزيديون يتابعون آخر بقاع تنظيم "داعش"، وهي تسقط بيد اخوتهم من المقاتلين الأكراد، لكن من دون أن يحصلوا على خبر سار عن الآلاف من أطفالهم وبناتهم الذين سباهم التنظيم، ومارس بحقهم فظائع تُشكل وصمة عار في جبين الآدمية جمعاء، وليس في جبين نُخب الموصل وحكام العراق فحسب.

الأيزيديون الذين ما كانوا يوماً إلا أكثر مكونات العراق مُسالمة وعزلة، وأقلهم رغبة وطمعاً في سُلطة العراق ومغانمها، لم يسلموا قط مما يشهده هذا البلد من فظاعة، وكانت في تجربتهم دلالة على أنه ليس لأحدٍ أن يسلم من دوامة العُنف والكراهية والنهب العام والاستزلام التي تُغرق هذا البلد. وعلى جنبات ذلك السهل، تمتد جُغرافيا أبناء الشبك العراقيين، في قُرى على رش وقرة تبة وشهرزاد وجليوخان.

هؤلاء الشبك الذين يشكلون خزاناً حضارياً ثرياً لكامل حساسيات الشرق الأوسط، العقائدية واللغوية والثقافية والعرقية، الشبك الذين لا يعرفون بالضبط أهم أكراد أم فُرس أم عرب، مسلمون أو زرادشتيون أو مسيحيون أو بين بين، الذين أطاحتهم رياح الكراهية وصاروا جنوداً في فصائل وعصابات "الحشد الشعبي"، يمنعون أهالي المناطق النازحين من العودة إلى مناطقهم.

"الشعوب السرية"

مثل الشبك يفعل التُركمان الضائعون في صراع مُستميت بين السُنة منهم والشيعة، الذين ما توقفوا مُنذ العام 2003 عن الصراع المُحتدم في ما بينهم، مارسوا التهجير ونفذوا مجازر متبادلة، ارتضوا موالاة تُركيا وإيران، على أن لا يقبل واحدٌ منهم الآخر. ولا يُمكن الموصل أن تحيا بأمان وطمأنينة وحولها هذا القوس الطويلة من "الشعوب السرية"، التي تكشف أحوالها وحروبها ومجازرها وجبال الكراهية في ما بينها خفوت طاقة المدينة والبِلاد الحضرية، وسوء قُدرتها على أن تكون نقطة جذب وحياة وحيوية لريفها.

في طريق العودة نحو أربيل، مروراً بهذا الطيف من القضايا بالغة التعقيد، تظهر لك مدينة حديثة العُمران وشديدة الحيوية، لكن مصيرها لسوء طالع شبيه بمصير الموصل، لا هي قادرة على الاستقلال عن العراق المريض، ولا على العيش معه، إذ إن هذه هي التراجيديا التي يتولد منها كُل شيء.