Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشهدية بيروت تعيد مآسي الحروب اللبنانية إلى الذاكرة

خراب ودموع ودماء ومآسٍ ومبانٍ سُوِّيت بالأرض

تغيَّرت مشهدية بيروت في لحظات بعد انفجار مرفأ المدينة وكأنّه كابوس رهيب جداً أعادني إلى شريط من الذكريات المُؤلمة عن مآسي هذا الشعب الذي ينتقل من محنة إلى أخرى، فهَوْلُ الدمار وما شاهدته في اليوم الثاني أعجز عن وصفه. فالسيارات مُدمَّرة ومتروكة وسط الطرق، والجرحى تُغطِّيهم الدماء، والزجاج مُتناثر في كل مكان. وأبواب الناس في منطقة مار مخايل القريبة لموقع الانفجار اختفت. تغيَّر كل شيء، وما عادت بيروت التي عرفناها. وليس أفضل وأصدق من نقل مُعاناة ما حصل إلا على لسان من أصابهم الانفجار، وكانوا في دائرة الحدث لحظة وقوعه.

"أشخاص يتطايرون في الهواء"

علي بركات يذهب يومياً لاصطياد السمك في المرفأ الذي يُعد بمثابة مدخل رزق له... ويروي ما حدث له يومها قائلاً "رأيت دخاناً أبيضَ ينبعث من الداخل، وبعد خمس دقائق، سمعت أصوات مفرقعات بكميات كبيرة، ومن ثم حدث انفجار صغير، فهربت فوراً، واختبأت وراء الصخور لأوثّق المشهد بهاتفي المحمول. أذكر حينها أنني رأيت رجالاً من المرفأ يُطفئون الحريق من الباخرة، إلا أن الانفجار الثاني ومن قوَّة الضغط أوقعني أرضاً، وفجأة لم أعُد أعي ماذا يجري من حولي، إلا أنني أصبتُ بالذعر عندما رأيت هؤلاء يتطايرون في الهواء، وقد تساقطت عليَّ شظايا الحديد كالأمطار".

كان بركات يوم ذاك برفقة أصدقائه الذين يذهبون معه يومياً ليُمارسوا هواية الغطس، وقد نجوا أيضاً بأعجوبة. ويستذكر علي المولى صديق بركات، تجربته خلال وقوع الانفجار، ويقول "عندما كنت أغطس على عُمق 20 متراً على مسافة تبعد 60 متراً من المرفأ، أوَّل ما لفت انتباهي هو اختفاء السمك بشكل مفاجئ ما أثار قلقي. وللوهلة الأولى، اعتقدت أن هناك سمكة خطيرة آتية؛ لذا رحت أسبح بسرعة للوصول إلى جهة آمنة، حينها تداركت أنه الانفجار الأول، إذ رأيت الأعمدة وقطع الحديد والحجارة تتساقط. أخذت نفساً عميقاً، ووضعت يدي على رأسي ورحت أسبح بشكل سريع بعيداً عن سطح المياه. إلا أنه عند حدوث الانفجار الثاني، رأيت ثغرة كبيرة في قاع الماء تدفعني بقوَّة نحو السطح، ورأيت فجأة لون السماء تحوَّل إلى أحمر. خرجت من المياه، لم أفهم الذي حصل معي إلا بعد رؤية الناس ملطخة بالدماء وبعضهم يساعد الآخر للذهاب إلى المستشفى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذهبتُ لأتفقد صديقي علي الذي كان ينتظرني، وهو يتألم من جروحه، ليوصلني بعدها إلى دراجتي التي طارت نتيجة ضغط الانفجار بعيداً عن المكان الذي ركنتها فيه. لحظتها، فقدت حاسة الشم والسمع، فكانت مشهدية الدم والجرحى المبعثرين في أرجاء المكان وحدها طاغية أمامي، ولكن على الرغم من كل شيء أحمد الله ألف مرة لأننا نجونا بأعجوبة".

مشاهد الحرب اللبنانية

خلال الجولة التفقدية على منطقة مار مخايل القريبة للمرفأ، والتي دُمِّرت أحياؤها وبيوتها بشكل مأساوي أعادنا إلى مشاهد الحرب اللبنانية. تحدَّث أحد سكان المنطقة صوما كرم عن سماع صوت طائرة قُبيل حدوث الانفجار الأول على علو منخفض. ويقول "ظننا الانفجار الأول للوهلة الأولى جدار صوت.

وبعد دقيقتين، انخفض صوت الطائرة واندلع الانفجار الثاني، وتطايرنا كلنا في المنزل بشكل عشوائي وتساقط الزجاج علينا. وعلى الرغم من أن الأضرار اقتصرت على الماديات، فإننا أفضل بكثير من غيرنا الذين فقدوا أقاربهم وأحبابهم". وعن رؤيته للطائرات، يقول كرم "لم أرَ الطائرات بأم العين، ولكن خلال تجربتنا في الحرب، بتنا نُميِّز أصوات الطيران".

من جهة ثانية، يروي شربل خوري الذي كان في البيت خلال الحادث، أنه سمع "صوتاً مُدويّاً وكأنه مُحرِّك لصاروخ، وليس لطائرة بسبب عمق الصوت الذي صدر، وفجأة يحدث الانفجار الثاني وأسقط على الأرض والزجاج يتكسر فوق رأسي"، مشيراً إلى أن "الصوت أعاده إلى محركات الصواريخ التي كانت تسمع خلال الحرب اللبنانية".

بطبيعة الحال، هناك كثير من الأشخاص الذين نجوا بأعجوبة، لكن هؤلاء حالتهم يُرثى لها في منطقة مار مخايل. فالسيدة العجوز التي تعيش مع ابنها في بيت تراثي غير مؤهل للسكن لا يبعد كثيراً عن مكان الانفجار، تشكو الحال الذي يعيشه اللبنانيون، وحالها بالذات بعدما تضرر منزلها. هرعنا إلى منزلها ففتح لنا ابنها الذي روى لنا تجربته مما حصل. ويقول "كنا في الغرفة عند السادسة مساءً عندما اندلع الانفجار الأول. ركضت إلى الشرفة وقد تهيَّأ لي أنه انفجار عادي، ولكن ما لبث أن اندلع الانفجار الثاني بعد دقائق، وكنتُ حينها واقفاً إلى جانب والدتي أمسكتها بشدة لكي لا نطير. لم نشعر بهزَّة أرضية، بل شعرت بقوَّة ضاغطة أرادت أن تُطيِّرنا جميعنا. وها أنا اليوم لا أشعر بأذنيَّ من شدَّة الضغط".

ورشة تنظيف

في اليوم الثاني من الحادث، هبَّ اللبنانيون من كل المناطق والطوائف مع الجمعيات والهيئات والأندية والكشافة والمجتمع المدني، لمساعدة المنكوبين ومتضرري الأحداث، وتنظيف مناطق الانفجار بمشهد يُحيي عظمة الشعب اللبناني وصموده في ظل غياب كامل للدولة ومؤسساتها.

وفي حديث إلى المديرة التنفيذية لاتحاد الجمعيات الإغاثية، جيهان قيسي، لفتت إلى رد فعل الشارع بداية المأساة الإنسانية، فتقول "نزلنا فوراً إلى الموقع وساعدنا بنقل الجرحى وأطلقنا حملة (موبايل كلينيك) لمساعدة المستشفيات، خصوصاً أن قُدرتها باتت ضئيلة على استيعاب المرضى. كما أننا قمنا بتوزيع الحصص الغذائية على السكان والعاملين في الدفاع المدني، وبدأنا أيضاً بحملة تنظيف الشوارع. ونعمل اليوم على ترميم المنازل لنؤوي الذين شُرِّدوا، بالإضافة إلى تأمين المستلزمات الطبية للناس والمساعدة عبر فريق الدعم النفسي، خصوصاً للأشخاص الذين فقدوا عائلاتهم".

"تروحي نلحقن؟"، تسأل إحدى الفتيات صديقتها في الشارع عند رؤية الشباب المتطوعين يتجهون نحو مار مخايل حاملين أدوات التنظيف لإزالة الخراب الذي خلّفه الانفجار. ومن دون تفكير تجاوبها "يلّا منروح". هذا الاندفاع والوطنية اللذان تلمَّستهما وأنا في الشارع، أكبر دليل على رفض اللبنانيين ثقافة الموت، والتشبث بالحياة أمام المحن والزلازل، بروح التضامن والمحبة. الشعب اللبناني بتعاطفه قادر على إزالة آثار "الزلزال النووي" التي ضرب العاصمة بيروت، ولكنه يتساءل "هل يُعقل أن يحدث انفجار كهذا ولا تتحرك السلطة ولم يُقدم أي مسؤول على الاستقالة؟ وهل يجوز أن تبقى مواد متفجرة مدة سبع سنوات في مرفأ بيروت، من دون حسيب أو رقيب؟ في وقت تنشغل فيه القوى السياسية البحث عن مكاسب سياسية ومالية بعيداً عن هموم الشارع.