Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خسائر انفجار مرفأ بيروت لن يحتملها لبنان

الحادثة تنذر بمرحلة أصعب اقتصادياً قد تعيشها البلاد إذا لم يتم اجتراح بدائل والبدء بإصلاحات

70 في المئة من التبادلات التجارية اللبنانية مع الخارج تمر عبر مرفأ بيروت (اندبندنت عربية)

ضربة قاصمة تلقاها الاقتصاد اللبناني بفعل الانفجار الغامض الذي حوّل مرفأ بيروت إلى كتلة كبيرة من الركام. وبعيداً عن زحمة التحليلات ولعبة تحميل المسؤوليات، يشكل توقف هذا الشريان الحيوي والقلب النابض عبئاً على مستقبل الاقتصاد اللبناني.

خسائر هائلة

مزيج من الخوف والرجاء هو الذي يبعثه مشهد مرفأ بيروت المدمر. تستمر أعمدة الدخان بالظهور من داخل العنابر بعد مرور ثلاثة أيام على الانفجار، وعلى طول الجسر المؤدي إلى المرفأ، وعند بوابته نشر الجيش اللبناني عناصره لمنع الدخول إلى المنشأة الحيوية. فيما يبدو للعيان أن الدمار على مد النظر، ولا يمكن لأي كلام وصف ما جرى وكأننا أمام "زلزال مدمّر، لا يُبقي ولا يَذَر". ففي أحواض المرفأ، سفن جانحة وغارقة، وإلى جانبها مستودعات القمح المدمرة، وحاويات شبه ذائبة، ورافعات محطمة، وأكوام من الركام.

وألحق الانفجار خسائر هائلة بالمناطق المحيطة، فالمنطقة الممتدة من الكرنتينا إلى مار مخايل، الجميزة، الصيفي ووسط بيروت، شهدت تدميراً شبه تام لمبنى الجمارك، ومكاتب التخليص الجمركي، بالإضافة إلى الشركات والمنازل. ويقدّر شربل قرداحي المستشار الاقتصادي لرئيس الجمهورية لـ"اندبندنت عربية" أن تبلغ الخسائر نحو عشرة مليارات دولار، عبارة عن كلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمباني، إضافة إلى الخسائر البشرية والشركات والخسائر التي طالت الثقة الاقتصادية، نظراً إلى كون 70 في المئة من التبادلات التجارية اللبنانية مع الخارج تمر عبر مرفأ بيروت. ويلفت قرداحي إلى أن لبنان بحاجة إلى مساعدة عاجلة بقيمة 4 مليارات دولار، تُضاف إلى 10 مليارات دولار ضمن الحزمة المطلوبة في خطة الحكومة إلى صندوق النقد الدولي.

وإلى جانب الخسائر الناجمة عن الأضرار التي سببها الانفجار، والتي تُقدّر بمليارات الدولارات، فإن هناك تداعيات لانفجار مرفأ بيروت نظراً للدور المحوري الذي يقوم به خصوصاً عقب الأحداث السورية وإغلاق المعابر الحدودية واقتصار حركة الاستيراد والتصدير والترانزيت على المرافئ.

يقدّر عدد السفن التي ترسو في مرفأ بيروت بـ3100 سفينة سنوياً. وتمثل حركة البضائع الواردة عبره أكثر من 70 في المئة من البضائع التي تدخل لبنان، كما تشكل عائداته الجمركية نحو 77 في المئة من مجمل العائدات في المرافئ والمطار والمراكز الحدودية البرية، ويؤمن 83,3 في المئة من حاجات لبنان من القمح. ويضم المرفأ مخازن كبيرة للبضائع ولعمليات التجميع وللسيارات والآليات الثقيلة.

وفي هذا الصدد، يقول الخبير الاقتصادي أيمن عمر، إنه على الرغم من تطمينات وزير الاقتصاد على توفر القمح والطحين اللازم لمدة أشهر، لكن "أعتقد أننا سنقبل على أزمة في المرحلة المقبلة، وبخاصة أن مرفأ طرابلس وهو البديل المطروح لا يحتوي إهراءات لتخزين القمح، ناهيك عن إعلان روسيا وأوكرانيا المصدرين الأساسيين للقمح عن توقيف التصدير، وبالتالي لا يمكن تعويض ما تلف من القمح، بالإضافة إلى وضع المالية العامة واستنزاف احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة".

انفجار في الوقت الحرج

لم يكن ينقص لبنان انفجار المرفأ، لبدء الرثاء. فقد شهدت البلاد تدهوراً اقتصادياً ونقدياً غير مسبوقين خلال الأشهر القليلة الماضية. فقد وصل سعر صرف الدولار إلى سقوف استثنائية إذ بلغ 10 آلاف ليرة في السوق السوداء، بينما السعر الرسمي لا يزال 1517 ليرة لبنانية. وبدت القناعة لدى السلطة الحاكمة بأنه لا ملاذ ولا ملجأ للبلاد إلا إذا تمّ اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، ووصفاته الجاهزة من ترشيق القطاع العام ووقف التوظيف، وإعادة الهيكلة، ورفع الدعم، وتحرير سعر الصرف الرسمي للعملة.

ويقول عمر "منذ عدة أشهر والاقتصاد اللبناني في حالة انهيار والمالية العامة في وضع التعثّر والعجز مع تدهور دراماتيكي لسعر صرف الليرة اللبنانية، ليأتي هذا الحدث الكارثي بكل ما للكلمة من معنى ليسقط النموذج الاقتصادي اللبناني بالضربة القاضية"، مؤكداً أنه "نسف كل الخطط المالية والاقتصادية الموضوعة مسبقاً من قبل السلطات الرسمية للخروج من الأزمة، فأعادت خلط الأوراق بل وبعثرتها".

الخوف من المستقبل

ينذر الانفجار بمرحلة أصعب اقتصادياً قد يعيشها لبنان إذا لم يتم اجتراح بدائل والبدء بإصلاحات. ومن جهته يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة اللويزة حسن علي حمادة أن "ما قبل الانفجار ليس كما بعده"، مضيفاً أنه في المرحلة السابقة لم تكن الأمور واضحة لدى الطبقة السياسية، وكان هناك خلاف على تقدير الخسائر والجهة التي يجب أن تتحملها، في ظل ما يمر به لبنان من أزمة المالية العامة وأزمة مصرفية سببها غياب الشفافية والثقة بالنظام. لكن انفجار المرفأ فرض نفسه ضيفاً ثقيلاً على الاقتصاد اللبناني المترنح، والشركات المتمركزة في العاصمة التي كانت تُعاني أصلاً في ظل الأزمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتحدث عمر عن خسائر غير مباشرة توازي في أهميتها الخسائر المباشرة التي نجمت عن تدمير المرفأ، فتوقفه يؤدي إلى حرمان الخزينة من مبلغ يتراوح بين 240 و300 مليار دولار من الموارد المالية والرسوم المتأتية عنه بغض النظر عن التهرّب الجمركي الذي يصل إلى نحو المليار دولار سنوياً. كما أن هناك خسارة بسبب الحرمان من تحصيل القيمة المضافة بحدود 50 مليون دولار، وأجور الموظفين الثابتين وغير الثابتين في المرفأ والاقتطاعات الضريبية.

يجزم حمادة أنه "إذا لم تأتِ مساعدات قريبة جداً سنكون أمام أزمة مالية وأخرى غذائية خطيرة خلال أسابيع"، بسبب عدم وجود القدرة الاستيعابية الكافية للقمح في طرابلس وصيدا، ولأن لبنان لا يمكنه العيش من دون مرفأ بيروت الذي يؤمن معظم تجارته.

إعادة الإعمار ضرورة محلية ودولية

لا تتوقف أهمية مرفأ بيروت على الشق الداخلي وتأمين الحاجات لبنان، إنما تتجاوزه إلى موقعه في التجارة الدولية، فهو يحتل المرتبة 73 على مستوى التجارة الدولية، والتاسعة على مستوى المنطقة. ويتحدث حمادة عن ميزات تنافسية هائلة لمرفأ بيروت، إلى جانب أهمية موقعه الجغرافي وتوفر التجهيزات اللوجيستية، وسهولة دخول وخروج السفن منه، مما يجعله في موقع أهم من مرفأ حيفا بفعل مقاطعة العرب لإسرائيل، ومرفأ طرطوس في ظل الحصار على شواطئ سوريا.

أمام هذا الواقع، تتطلب إعادة إعمار المرفأ الإسراع في جلاء حقيقة ما حصل، حصر الخسائر، ورفع الركام. لذلك يرفض حمادة تقديم رقم أولي للمبلغ الذي يحتاجه لبنان لإعادة تشغيل المرفأ، وتخفيف "خنقة الاقتصاد" من خلال مساعدات خارجية. لذلك فهو يقول إن "هذه المأساة قد تفتح باباً لأمل جديد"، شرط بدء الشق الداخلي بمحاربة الفساد في الكهرباء والإدارة العامة، والتزام الشفافية وفق مطلب "ساعدونا لنساعدكم".

عقود الـBOT الحل؟

يقف لبنان مكبّل اليدين في ظل عدم القدرة على تمويل إعادة إعمار مرفأ بيروت. لذلك يمكن أن تكون عقود الـBOT (بناء-إدارة - نقل الحيازة إلى الدولة) هي الحل في ظل غياب الشفافية لدى السلطة اللبنانية.

وفي ذات الشأن يؤكد حمادة أن هناك عدداً كبيراً من الشركات الأميركية والأوروبية والصينية التي يمكن أن تسهم بهذا الأمر وعلى نحو سريع.