Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تلاشت سيطرة الأعيان مع بروز النشطاء السياسيين جنوب الجزائر؟

يمثلون النخب التقليدية ودورهم في الواسطة وحلّ المشاكل بارز

لم تفلح مساعي سلطة الأعيان بالقدر الكافي في إخماد الاحتجاجات التي دامت أسابيع طويلة (رويترز)

يحظى الأعيان في الجزائر الذين يمثلون النخب التقليدية في مجتمعاتهم البعيدة من المدن بمكانة خاصة، فهم جزء مهم من الاستقرار السياسي، وتلجأ إليهم السلطة الحاكمة في كل مرة تشهد مناطقهم احتجاجات تطالب بالحق في التنمية، إلّا أنّ الوضع اختلف في السنوات الأخيرة، بحسب مراقبين.

ومع بروز جيل جديد من النشطاء في الجنوب الجزائري، بدأت سلطة الأعيان تتضاءل، وظهر ذلك بشكل واضح مع اندلاع احتجاجات الغاز الصخري، قبل حوالى خمس سنوات، عندما حاولت حكومة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة آنذاك تمرير المشروع، غير أن الرفض الشعبي كان قوياً ولافتاً.

ولم تفلح مساعي سلطة الأعيان بالقدر الكافي في إخماد الاحتجاجات التي دامت أسابيع طويلة، ما استدعى توقيف المشروع برمته لتفادي وقوع صدام مع الشارع المنتفض وقتها، والرافض تلويث بيئته، باستكشافات كانت ستشرف عليها شركات أجنبية، تستنزف ثروة هائلة من المياه الجوفية. ومنذ ذلك الوقت، يحاول شباب الجنوب إسماع صوتهم بكل حرية ومن دون أي واسطة في منطقة وعرة، قد يُتَّهم فيها مَن يرفعون مطالب اجتماعية بخدمة أجندات سياسية أو حزبية.

المجتمع تغير

ويربط البعض تراجع سلطة الأعيان مع تنامي مستوى الوعي السياسي والتعليمي لشباب المنطقة وبروز الكوادر الجديدة المؤثرة في المجتمع المحلي، فهم من الجيل الذي درس في الجامعات واحتكّ بالخبراء والمتعلمين والاختصاصيّين في الشمال.

في السياق ذاته، يعتقد الباحث في علم الاجتماع ناصر جابي، أن الجزائر تغيّرت بسرعة، ما أثّر في دور الأعيان الذي ضعف بشكل تدريجي من فترة الاستعمار الفرنسي وصولاً إلى استقلال البلاد، مضيفاً "لكن عندما يتأزّم النظام السياسي يلجأ إليهم في التواصل مع المجتمع، ويعيدهم إلى الواجهة من جديد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعزو جابي هذا التراجع في تصريح لـ"اندبندنت عربية" إلى "فقدان بعضهم المصداقية مع استفادتهم من مزايا السلطة ومناصبها من دون أن يكون لهم أي تأثير واضح لصالح التنمية محلياً، وعدم نقل معاناة الشباب والمجتمع إلى المسؤولين على الرغم من أنهم أدرى بمشكلات مجتمعاتهم النائية".

ويقول عبد الله الهامل، الكاتب والشاعر وأحد أبناء الجنوب من جهته إنّ تنظيم الأعيان مرتبط بالمجتمع الريفي الفلاحي القائم على تقديس العرف الاجتماعي والقبلي الذي يرتبط أكثر سوسيولوجياً مع الأسرة الكبيرة التي تخضع لسلطة الجد تحديداً أو شيخ القبيلة. ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "المجتمع تغيّر والأسرة الكبيرة تكاد تنقرض، سلطة الأعيان لا تصلح للمجتمع الحديث".

سادة وكبار القوم

والأعيان هم بالعادة سادة أو كبار أهل بلدة أو مدينة أو ولاية ما، ويتوسم ويلتمس فيهم العلم والحكمة، ويُرى في أعمالهم الصلاح. في الجانب الآخر، ووفق الأستاذ الجامعي والباحث خالد سعداوي، يعود إليهم، أهل بلدة معيّنة للأخذ بمشورتهم، كما يتوسّط هؤلاء أيضاً في حل المشكلات والخصومات التي تُعرض عليهم أو تقع في مجتمعاتهم، وهم بشكل من الأشكال أهل الحلّ والعقد، كما يُعدُّ هؤلاء مرآة ذلك المجتمع سواء ما تعلّق بإيصال كلمته إلى جهة معينة أو النيابة عنه في الرأي.

ويعتقد سعداوي في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن "كلمة الأعيان لا تزال مسموعة، بل لها الصدى القوي، خصوصاً في المجتمعات المحافظة، أو التي تتّبع طريقة مذهبية واحدة  كغرداية مثلاً"، مضيفاً "في هذه المنطقة على سبيل المثال، كل شيء مردّه إلى الأعيان. والرأي ما رأوا. ولا يمكن أن يكون هناك مَن يخرج عن رأيهم أو كلمتهم".

في المقابل، لا يكاد يجد المرء لكلمة الأعيان سمعاً في المدن الكبيرة، نظراً إلى الكثافة السكانية واختلاف أصل السكان الذين يأتون من ولايات مختلفة، وتتباين ثقافتهم. ويوضح سعداوي، "كلمة الأعيان ومدى الأخذ بها يرجع إلى الطبيعة التي نشأ عليها المجتمع والعلاقات الاجتماعية التي تربط بين أفراده. وكلّما كان مجتمع ما نسيجاً ولحمة واحدة كان من المحتمل جداً أن نجد كلمة الأعيان فيه مسموعة".

خدمة استقرار المجتمع

على الجهة الموازية، يعتبر القيادي في الحزب الحاكم سابقاً، جبهة التحرير الوطني، محمد لعماري أن "التطورات التي يعرفها المجتمع الجزائري بفضل الانتشار الواسع لتكنولوجيا المعلومات وانغماس الجيل الجديد فيها، قد أدت إلى المساس بعدد من القيم الاجتماعية، ومنها سلطة الأعيان داخل التجمعات المحلية أو العروشية، إلّا أنّ بعض التقاليد والأعراف لا تزال حاكمة ووازنة في الاعتبار الشعبي والاجتماعي العام".

ويردف في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، "لعل ما يعزّز سلطة الأعيان ويبقي على كلماتهم مسموعة، مرتبط أساساً بالاعتبار الديني الذي يقوم على تجذير الاحترام الشديد للكبير، الذي يرمز إلى الحكمة والعقل وحسن التدبير، كما أن السلطة السياسية في البلاد مكّنت هذه الفئة من التمدّد في النسيج الاجتماعي الداخلي، بما يخدم استقرار المجتمع وتفكيك الألغام التي تظهر بين الفينة والأخرى". ويضيف لعماري "وهذا ما عزّز حضور الأعيان الذين يتمتّع عدد منهم بنفوذ واضح لدى الباب العالي".