Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية مدينتين: بيروت النابضة بالحياة أصبحت الآن أشلاء متناثرة

مراسلة "إندبندنت" تروي كشاهدة كيف تغيرت عاصمة لبنان على نحو لا رجعة فيه نتيجة الانفجارين في مرفأها المدم

بعد الصدمة التي أحدثتها أصداء تطاير الألواح المعدنية وتحطمها، جلست امرأة ترتدي قناعاً طبياً على كرسي - إنه كرسي والدتها تحديداً - موجهة أنظارها إلى البحر من أمامها، فيما بدا من حولها المبنى المطل على مرفأ بيروت المدمر أشبه ببيوت دمى خالية ومحطمة ومشرعة الأبواب.

وسط هذا المشهد، لا يمكن للمرء إلا أن يلحظ داخل شقق المبنى أولئك الناجين المكروبين، وهم يلملمون بصمت حزين بقايا ذكرياتهم من كتب وأوراق وأغراض أخرى. وأمام المبنى، انهمك متطوعون تدفقوا من جميع أنحاء لبنان، لا يعرفون شيئاً عن سكان المحلة، للمساعدة في إزالة الأنقاض وكتل الركام التي خلفها الانفجار.

لكن في الشقة اليمنى من الطابق الأول للمبنى، لم تبرح تلك المرأة مكانها، وبقيت جالسة على كرسيها وهي شاخصة بنظراتها إلى البحر عبر الميناء الذي لا يزال الدخان منبعثاً من أرجائه رغم إخماد الحرائق فيه. ابنها راين البالغ من العمر 24 عاماً كان قد عقد خطوبته يوم السبت الفائت، وروى تفاصيل المأساة التي حلت بالعائلة مساء الثلاثاء.

قال راين مشيراً إلى الكرسي الذي تقبع عليه والدته المغمورة بالحزن والألم "كنا خارج بيروت في زيارة إلى منطقة جبلية، بينما كانت جدتي موجودة في المنزل هنا، ولم تحظ حتى بفرصة إخبارنا بأن انفجاراً قد حصل".

وبدا في اليوم التالي للانفجار المروع الذي وقع يوم الثلاثاء، كأن بيروت المدينة التي كانت دائماً موضع اعتزاز باعتبارها باريس الشرق الأوسط، قد فقدت رونقها وجمالها الساحر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما شارع أرمينيا المرصوف الذي يمتد إلى منطقة المرفأ، والذي عادة ما يضج بالحياة وصخب الحانات والمكاتب والمطاعم وواحات الاسترخاء، فظهر أشبه بأجزاء من قطاع غزة التي حطمتها حرب عام 2014.

في أحد نواحي الشارع، أخذت واجهتان لمبنيين في الانهيار إلى حد انصهرت معه بالأرض، ما تسبب في حال من الذعر والهلع في المكان.

وفي مشهد آخر، يحاول بعض الأشخاص في الشارع، إزالة كتلة ضخمة من حطامٍ ملتصق بالأرض لإحدى السيارات التي أذابتها النيران، فيما لم يعد أحد يبالي بمركز الحراسة الذي قذفته قوة الانفجار، وبقي جاثماً على متن إحدى الشاحنات.

المشهد الذي يتراءى للعيان بدا كما لو أن عملاقاً ما أطلق العنان لجموحه وعاث في الأرض فساداً.

هذا الخراب يزحف صعوداً نحو منطقتي الأشرفية والجعيتاوي المجاورتين، حيث تعرض أحد المستشفيات الرئيسية هناك لتدمير كبير.

ويقول أحد مديري المستشفى "الوضع بات مقبولاً الآن. فقد عملنا على مدى ساعات على إزالة الركام في أنحاء منطقة المبنى"، فيما كنت أنظر متسائلة عن أسباب هذا الدمار غير المعهود الذي طاول تلك الكراسي وأدى إلى هدم تلك الحجارة.

الكلمتان الطاغيتان على ألسن الناس في الأحياء المنكوبة عن أسباب الكارثة التي وقعت هما "الفساد واللامبالاة".

فليس للدمار تبرير أو هدف ما، يمكن أن يُعزى أحياناً إلى وقوع هجوم ما أو نشوب حرب. أما الخبراء فيقولون إن ذلك يعود على الأرجح إلى عدم الكفاءة وسوء في الإدارة، وإلى دولة فاسدة تغلغل العفن في داخلها حتى الصميم.

ويبدو أن النار قد اشتعلت في آلاف الأطنان من المواد المتفجّرة - نيترات الأمونيوم - التي تركت على مدى ستة أعوام لتتعفن في المرفأ الأكثر ازدحاماً في لبنان.

أحد سكان المنطقة قال لي إن السياسيين الذين أحرقوا اقتصاد البلاد، هم أنفسهم الذين أسهموا في إشعال عاصمتهم. وفيما يلقي راين باللوم على الحكومة، إلا أنه في المقابل، يلوم نفسه أيضاً على عدم قيامه بمزيد من الجهد للدفع في اتجاه إحداث تغيير، خلال الثورة التي انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

ويتحدّث آخرون في الحي المنكوب عن انتفاضة العام الماضي كما لو كانت حلماً راود شخصاً آخر.

لكن وسط كل هذا الدمار، ما زال هنالك بريق من الأمل.

فالمتطوعون المزودون بمكانس ومجارف ما زالوا يتدفقون إلى وسط بيروت للمساعدة في جهود الإنقاذ ورفع الأنقاض وتنظيف المدينة. وقد أطلق أحد الأفراد صفحة على "انستغرام" تستهدف البحث عن أحباء ما زالوا مفقودين تحت الركام.

أفراد آخرون استعانوا بخدمتي التواصل الاجتماعي "تويتر" و"فيسبوك" لعرض مساكنهم لاستضافة الأشخاص المنكوبين كي يتمكّنوا من المبيت فيها، وذلك باستخدام هاشتاغ #OurHomesAreOpen.

أما صفحة ThawraMap أو "خريطة الثورة" التي كانت أطلقت أساساً في العام الماضي لتحديد مواقع احتجاج المنتفضين على المسؤولين عن الفساد في البلاد، فقد شاركت أيضاً قائمة خاصة بها لإيواء المنكوبين على منصات تواصل اجتماعي مختلفة، إلى جانب خريطة تضم نحو 50 مكاناً أو أكثر للإقامة، سواء تلك العائدة إلى أشخاص لديهم أسرّة نوم إضافية في منازلهم، أو الفنادق التي تؤمن ما يصل إلى 40 غرفة.

أخيراً، يبقى القول إنه في وقت خيبت فيه النخبة الحاكمة في لبنان آمال الأمة، فإن الشعب هو الذي يقف مرةً أخرى لمواجهة المحنة.

© The Independent

المزيد من تقارير