Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة إلى "أيام الإنسان السبعة" لعبدالحكيم قاسم في ذكراه الثلاثين

سيرة ذاتية ورواية طريق واحتفال أخاذ باللغة الصوفية المبهرة

من أحد الموالد الصوفية في مصر (croire - la croix)

إذا استثنينا شاعرية وجمال اللغة التي كتب بهما يحيى الطاهر عبدالله نصوصه القليلة، ولا سيما النصّان اللذان اقتبس منهما خيري بشارة فيلمه البديع "الطوق والإسورة"، من الصعب أن نجد في الأدب المصري الحديث نصوصاً تتسّم بالجمال والرهافة اللغويين اللذين طبعا أدب عبدالحكيم قاسم الذي تمر هذه الأيام الذكرى الثلاثون لرحيله. فالقارئ حين يمسك على سبيل المثال بين يديه رواية قاسم الأساسية والأولى، "أيام الإنسان السبعة"، سيجد نفسه أمام نصب يحتفي باللغة العربية، أمام تعبير شاعري مضبوط بدقة، فيقرأ الرواية وكأنه يقرأ قصيدة شعر حقيقية، ولكن دون أن يجد نفسه غارقاً في مثل تلك الثرثرة التي اعتادت أن تطبع هذا النوع من الكتابة، حيث لا يلبث الكاتب أن يغرق باللغة على حساب الموضوع فيضيع القارئ في متاهات جمال اللغة ويجد نفسه بعيداً عن النص في حد ذاته – كما يحدث مثلاً لدى قراءة بعض نصوص جمال الغيطاني. ليس ثمة شيء من هذا لدى عبدالحكيم قاسم، بل توازن بين هندسة لغوية صارمة وشاعرية طبيعية وتعامل مرن مع الموضوع والشخصيات. ومن المؤكد أن هذا ما جعل لصاحب "أيام الإنسان السبعة" خصوصيته. وربما علينا أن نضيف هنا أن موضوع الرواية في حدّ ذاته يستدعي تلك التوليفة، بحيث إن الفشل في إنجازها كان المآل الحتمي لتجربة كتابتها لو أن الكاتب لم يكن يملك تلك اللغة المدهشة التي كتبها بها.

رحلة حجّ طقوسية

فالموضوع هنا يدور من حول تلك الرحلة الطقوسية التي تقوم بها جماعة من المتصوفين الريفيين المصريين من أتباع أحد أكثر المذاهب الصوفية نقاء، لكن من يرصد تلك الرحلة التي تدوم سبعة أيام ليس سوى الفتى عبدالعزيز ابن كبير المجموعة، والذي يخوض هنا تجربته الطقوسية الأولى مندهشاً متحمساً متسائلاً غائصاً يوماً بعد يوم في تلك العوالم التي سيكتشف بالتدريج وسنكتشف معه أنها إنما هي مزيج في نهاية الأمر من اللغة نفسها التي لا يعود فيها فوارق بين ما هو يوميّ وما هو طقوسيّ منها، فتتسرب إلى أعماق إسماعيل، مندمجة على أي حال، في الأحداث التي يعيشها يوماً بيوم ناظراً إلى أبيه ورفاقه الحجاج نظرة جديدة تطوّر نظرته المعتادة إليهم.

مهما يكن من أمر هناك، كما قلنا في مناسبة أخرى، ثلاث سير في رواية عبدالحكيم قاسم هذه: سيرة الطريقة التصوفية التي تشكل رحلة الأيام السبعة التي تقوم بها إلى مقام السيد البدوي في طنطا، وارتباطها بوليّ محلي آخر أقلّ شأناً منه، وإطارها «الحدثي». ثم هناك سيرة السيد «زعيم الجماعة» ورائدها الفكري والأخلاقي، وهو والد الفتى عبدالعزيز، والذي يشكل حضوره ذلك الرابط بين هذا الأخير والجماعة وسيرتها. وهناك أخيراً سيرة عبدالعزيز نفسه، شخصية الرواية المحورية وراويها والذي لن نستغرق طويلاً قبل أن ندرك أنه يكاد يكون الأنا/ الآخر لعبدالحكيم قاسم نفسه، هو الذي سوف يعود بأعمار مختلفة وظروف مختلفة وأطر حياتية أخرى في نصوص لاحقة للكاتب. أما هنا، في هذه الرواية، فإننا نلتقيه فتيّاً راوياً لـ«الأحداث» التي تبدأ مع سهر رفاق الرحلة عشية الشروع فيها، لتنتهي مع وفاة الأب عند نهايتها.

لا شيء سوى الحياة وبعض الموت

ولعل أهم ما يحدث هنا هو ألا شيء يحدث بالفعل سوى الرحلة نفسها، ومن ثم موت الأب الذي سيطلق العنان للراوي - غالباً، إنما المرويّ عنه أحياناً في شكل يتميّز بتداخل لغوي بالغ القوة والنضج - في مسار الحياة. وبالتالي نجدنا هنا أمام نوع شديد الخصوصية من «الرواية التعليمية» التي تتابع مسار اكتساب الوعي لدى فرد معيّن (هو الفتى الراوي)، في جَبْهه من ناحية مع سياقه الحياتي الخاص (وعيه على الدين - الشعبي-  والجنس وبقية صنوف الحياة من حوله)، ومن ناحية ثانية، مع ذلك الامتلاء الأيديولوجي الذي يحيط به، والذي من الواضح في نهاية الأمر، أنه سيكشف في شكل مضمّر نوعاً من اللاتلاؤم بين نقائه المفترض وسلوكات الحياة التي انفتحت أبوابها من حوله، ولا سيما في مشاهد «الخبيز» في الفرن حيث عالم النساء وانطلاق الرغبات الجنسية وتعابيرها حين ينفرد عبدالعزيز بنساء العائلة، وقد انطلقن على سجيتهن ملبساً وكلاماً وتعبيراً لفظياً أو جسدياً. في البداية قد يبدو واضحاً لنا توازن العالمين في قدرتهما على إبهار عبدالعزيز، ولكن من المؤكد أن حضور الأب، بتسامحه ومرحه ونهله المتوازن من كل ما يحيط به، يكون الضامن لسلوك من الفتى يوازن بينهما كما فعل الأب. وهذا ما يضفي على الرواية، باشتغالها المدهش على اللغة، والتقدم في تدرّجها «الحدثي» وكمّ البوح الجميل فيها، قوة نقاء تكاد تجعلها واحدة من أجمل الروايات التي أُنتجت في مصر خلال العقود الأخيرة.

كما أشرنا إذاً، ربما لا يكون في هذه الرواية الاستثنائية قبل مشهدها النهائي – وقاسم عادة ما يترك مفاجأته والحدث الأكبر في نصوصه إلى المشهد الأخير، مما يشكل أحداثاً وحبكات حقيقية لكن فيها تلك اليوميات الاستثنائية ومسار الرحلة التي لا تعود رحلة في المكان بل في الزمان المنفلت من كل حدود، ولكن أيضاً وخاصة ذلك المسار التعليمي الذي يعيشه عبدالعزيز وهو يكاد يكون أنا/ آخر للكاتب نفسه مما يجعل من الرواية، بشكل أو بآخر نوعاً من السيرة الذاتية للطفل الذي كأنه الكاتب، ونوعاً من الكشف عن جانب فكري/ إيماني نادراً ما دنا الأدب المصري منه رغم وجوده المكثف، ولا سيما في الريف.

كل شيء أبكر

لقد اعترف النقد الجديّ بعبدالحكيم قاسم باكراً، ولكن كل ما كان يفعل هذا الكاتب الفذ كان يأتي باكراً، حتى موته جاء باكراً ومفاجئاً في خريف عام 1990. ولئن كان ذلك الموت مفاجئاً لقراء قاسم الذين لم يكونوا يعرفونه عن قرب، فإن المحيطين به كانوا يعلمون أنه سيموت عما قريب، إذ إن حالة صاحب «أيام الإنسان السبعة» كانت قد تبدت يائسة منذ ربيع 1987 حين أصيب بجلطة في الدماغ خلال انهماكه في الحملة الانتخابية حين رشح نفسه لشغل مقعد في مجلس الشعب. يومها لم تقض الجلطة على عبدالحكيم قاسم، لكنها أشّرت إلى موته القريب. وبالفعل ما مرت ثلاث سنوات ونيف حتى كان يودع الحياة بعد معاناة في المستشفى، وبعد شهور عذاب لم يتوقف خلالها، على أي حال، عن الكتابة، حيث تطالعنا في آخر كتاب صدر له بعنوان «الديوان الأخير» مجموعة قصص قصيرة تحمل كتابتها تواريخ الشهور الأخيرة من حياة ذلك الكاتب الذي لم تتوقف حياته، منذ ظهر في الحياة الأدبية في 1969، عن أن تكون سلسلة من ضروب المجد والنفي والسجن متتابعة. لقد كانت حياة عبدالحكيم قاسم، في حد ذاتها، رواية قائمة بذاتها، هي في نهاية المطاف، حكاية ذلك الجيل الستيني الذي كان لا بد له في نهاية الأمر من أن يكون جيلاً انفصامياً، هو الذي ضاع بين بنوته للثورة الناصرية وانتمائه إليها من جهة، وكونه ضحيتها الأولى من جهة ثانية. غير أن عبدالحكيم قاسم كان أكثر من هذا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشكلة من الداخل

كان عبدالحكيم قاسم واحداً من أبرز أبناء جيله، إن لم يكن في كافة أعماله، فعلى الأقل في اثنين منها: روايته القصيرة «المهدي» ذات الصبغة التنبؤية المدهشة، ثم خاصة «أيام الإنسان السبعة» التي تنبع أهميتها، حسب الناقد محمد البدوي (في كتابه الملفت «الرواية الجديدة في مصر») من عدة أسباب «منها توقيت صدورها المبكر نسبياً، ومعالجتها لموضوع جديد، وما تحقق فيها من إنجاز فني تمثل في حدة تشكيليّة، على نحو جعلها تلفت إبان صدورها الأنظار إليها وإلى موهبة صاحبها». أما الناقد عبدالمحسن طه بدر، فيرى في نفس الرواية «رؤية معاصرة للقرية يكتبها روائي شاب معاصر ولعل أهم ما يميز رؤياه التحام الذات والموضوع، فالمؤلف في هذه الرواية لا يفرض على القرية مشكلة من خارجها هي مشكلته لا مشكلة القرية، وهو لا يجعل من القرية ضحية لتصور فكري أو مجرد أداة للتبشير بفكرة من الأفكار، ولكنه يحاول مخلصاً أن يرى القرية في واقعها وأن يستشف أعماقها».

بين 1969 الذي صدرت فيه روايته الأولى و1990 الذي صدر فيه آخر كتاب لعبدالحكيم قاسم خلال حياته، صدرت له في بيروت كما في القاهرة عدة روايات قصيرة ومجموعات قصصية منها «قدر الغرف المقبضة» (1982)، و«الأخت لأب وسطور من دفتر الأحوال» (1983)، و«الأشواق والأسى» (1984)، و«المهدي وطرف من خبر الآخرة» (1985)، و«محاولة للخروج» (1987)، وهي رواية متوسطة الطول يصور فيها عودة الراوي إلى قريته بعد غياب.

تميزت كتابة عبدالحكيم قاسم إذاً، بقوتها اللغوية وبرصدها للتفاصيل، ولكن كذلك بطابع تنبوئي لا يخلو من جرأة ميزت رواية «المهدي» التي تصور محاولة لشعبة الإخوان المسلمين في قرية مصرية دفع مسيحي فقير مشرد إلى اعتناق الاسلام واعتباره مهدياً منتظراً. كما ميز بشكل خاص، روايته الكبرى «أيام الانسان السبعة».

المزيد من ثقافة