Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استئناف مفاوضات سد النهضة رغم شروع إثيوبيا في الملء

مصر والسودان تتفقان على رفض الملء الإثيوبي المنفرد وتختلفان حول مشروعات النيل الأزرق

عودة المفاوضات مجدداً بعد مخالفة إثيوبيا لما اتفقت عليه دول النزاع منذ 2015  (أ ف ب)

عُقد يوم الاثنين الاجتماع الثاني للجولة الثانية للتفاوض بين مصر وإثيوبيا والسودان برعاية الاتحاد الأفريقي وبحضور المراقبين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وخبراء مفوضية الاتحاد الأفريقي وذلك استكمالاً للمفاوضات الثلاثية للوصول إلى اتفاق ملزم بخصوص ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، بعد أسبوع من توقف المفاوضات بناء على طلب السودان لإجراء مزيد من المشاورات.

وجاء استئناف المفاوضات بناء على مخرجات القمة الرئاسية الأفريقية المصغرة التي عُقدت في أواخر يوليو (تموز) الماضي، من أجل إنقاذ المفاوضات الوزارية المتعثرة بعد فشل اجتماعاتها الفنية والقانونية المنعقدة بحضور مراقبين دوليين على مدى 11 يوماً، في الوصول إلى اتفاق حول المشروع الضخم الذي شرعت أديس أبابا في تشغيله فعلياً من خلال حجز كمية تقدر بنحو 5 مليارات متر مكعب من مياه النيل بالتزامن مع استمرار المفاوضات التي كان هدفها الوصول إلى اتفاق قبل بدء الملء الأولي، فيما جددت مصر والسودان رفضهما للخطوة الأحادية، واعتبرا ذلك مخالفة لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في عام 2015. وفي المقابل، أكدت إثيوبيا التزامها بالعمل من أجل "نجاح المفاوضات بطريقة تفيد جميع الأطراف".

مصر والسودان يرفضان الملء المنفرد

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري اعتراض مصر على الإجراء الأحادي لملء سد النهضة من دون التشاور والتنسيق مع دول المصب مما يلقي بدلالات سلبية توضح عدم رغبة إثيوبيا في التوصل لإتفاق عادل كما أنه إجراء يتعارض مع اتفاق إعلان المبادئ، وأكد أهمية سرعة التوصل لاتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة بحيث يتم التوافق حول كل نقطة من النقاط الخلافية.

وشدد الوفد السوداني على أن "التحرك المنفرد قبل التوصل لاتفاق بين الدول الثلاث قد أعاد طرح المخاوف في حال تكرار مثل هذا التحرك في المستقبل وتحديداً في ما يتعلق بالتأثيرات البيئية والاجتماعية لسد النهضة في المزارعين على ضفاف النيل الأزرق وسلامتهم"، بحسب بيان لوزارة المياه السودانية. وقال ياسر عباس، وزير الري والموارد المائية، في خطابه الافتتاحي أمام الاجتماع إن "الوفد السوداني المفاوض أجرى مشاورات واسعة منذ نهاية الجولة الأخيرة للمفاوضات، خصوصاً بعد التداعيات السلبية لبدء ملء السد من دون تشاور مسبق".

فيما أشار خالد أبو زيد عضو المجلس العربي للمياه، إلى أن إعلان المبادئ يؤكد ضرورة الاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل السنوي للسد، وهناك مخالفة واضحة للاتفاق المبرم بين البلدان الثلاث، "فالبند ذي الصلة ينص على أن التفاوض يتم أثناء الإنشاء ولكن الجانب الإثيوبي يقرأ الأمر بطريقة غير سليمة، ويعتبر الملء جزءاً من الإنشاء، وهذا غير منصوص عليه في الاتفاق، ولذا جاء موقف كل من القاهرة والخرطوم بتسجيل الاعتراض على الخطوة الأحادية".

وبدوره، قال المحلل السياسي السوداني حسين ملاسي في تصريحات خاصة لـ"اندبندنت عربية"، إن الرأي العام في مصر والسودان لا ينظر إلى المفاوضات القائمة بعين راضية في ظل إقدام إثيوبيا على الملء المنفرد، مضيفاً "المفاوضات استؤنفت والجميع زاهد عن متابعتها ليقينهم بأنها كسابقاتها وسابقات سابقاتها سوف لن تفضي لشيء، فهي لم تستأنف إلا ليقال إن هنالك تفاوضاً مستمراً، فالسنوات العشر الماضية أثبتت وبجلاء ألا طائل من ورائها، وما يعزز هذا الزعم أن إثيوبيا قد فرغت من الملء الابتدائي لبحيرة السد من دون موافقة مصر والسودان بل ومن دون إخطارهما ليتخذا الاحترازات اللازمة. وقرار الملء الابتدائي المنفرد وعدم قيام مصر والسودان بأي رد فعل أو أي إجراء مناهض سيشجع بالتأكيد إثيوبيا على انتهاج السياسة نفسها مستقبلاً".

 

 

السودان يطالب بضمان سلامة سدوده

وبعد يوم من انهيار سد "بوط" الصغير بولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان عقب سقوط أمطار غزيرة، مسفراً عن تدمير مئات المنازل، طالبت الخرطوم مجدداً بضرورة "التوقيع على اتفاق بين الدول الثلاث يؤمن سلامة سد "الروصيرص" وتبادل سلس للمعلومات في هذا المجال وبما يتماشى مع مقتضيات القانون الدولي"، كما أشار بيان وزارة الري السودانية إلى ضرورة أن يتضمن الاتفاق الساعين للوصول إليه اتفاقاً حول المشروعات المستقبلية على النيل الأزرق، في إشارة إلى سدود أخرى تعتزم إثيوبيا بناءها على الرافد الرئيسيّ لنهر النيل الذي ينبع من بحيرة تانا شمال غربي إثيوبيا وصولاً إلى العاصمة السودانية.

وفي مقابل مطالبة السودان بضرورة الاتفاق على المشروعات المستقبلية على النيل الأزرق، أشار وزيرالموارد المائية المصري محمد عبد العاطي الى اقتراح بلاده لآلية العمل خلال الاجتماعات الحالية التي ستُعقد لمدة أسبوعين، وأكد أنه بناء على القمة المصغرة لقادة الاتحاد الأفريقي "فإن التفاوض الحالي سيكون حول ملء سد النهضة وتشغيله فقط، وأن التفاوض حول المشروعات المستقبلية سيكون في مرحلة لاحقة بعد التوصل لاتفاق سد النهضة".

وأشار أبو زيد إلى وجود اختلاف في صياغة البيانين المصري والسوداني في ما يتعلق بعلاقة المفاوضات الراهنة بالمشروعات المستقبلية التي تنوي إثيوبيا بناءها على النيل الأزرق، حيث يقيم البلدان مشروعات على النيل الأزرق ومن ثم فإن السودان أكثر اهتماماً بهذا الموضوع، لكن مصر تريد تأجيل النقاش حول المشروعات المستقبلية لاتفاق لاحق، على أن يتم التركيز في هذا الاتفاق على عملية تشغيل مشروع سد النهضة وآلية ملء الخزان، أما السودان فهو يتحدث عن تضمين الاتفاق الراهن بنوداً حول المشروعات المستقبلية، وربما يزيد ذلك من تعقيد النقاط الخلافية، أو على الأقل يترك مساحة للغموض في قراءة الموقفين المصري والسوداني في ظل تباين الرؤى الصادرة في هذا الشأن.

وعلى الوجه المقابل، أكد بيان مقتضب لوزارة المياه والري والطاقة الإثيوبية التزام أديس أبابا العمل من أجل الانتهاء بنجاح من المفاوضات بطريقة تفيد جميع الأطراف بصورة منصفة ومعقولة.

دور أكبر للمراقبين ومهلة محددة

وطالب وزير الري السوداني ياسر عباس "بأن تكون الجولة الحالية من المفاوضات حاسمة عبر تحديد أجندة محددة لفترة الأسبوعين مع إعطاء دور أكبر للمراقبين في تقريب وجهات النظر والتركيز على القضايا المعلقة والالتزام بعدم عرض أي قضايا جديدة على المفاوضات، بغرض الوصول لاتفاق ملزم بشأن ملء سد النهضة وتشغيله متضمناً اتفاقاً حول المشاريع المستقبلية على النيل الأزرق"، بحسب بيان وزارة الري السودانية، الذي أكد ترحيب الخرطوم بالتقرير الإيجابي الذي قدمه الخبراء التابعون للاتحاد الأفريقي، معتبراً أن "مقترحات الحلول التي قدمها التقرير يمكن أن تمثل أساساً لاتفاق مرضي للأطراف الثلاثة".

واتفق المفاوضون على مواصلة المفاوضات على مستوى الخبراء على المسارين الفني والقانوني بالاستناد لتقرير خبراء الاتحاد الأفريقي والتقارير المقدمة من الدول الثلاث بنهاية الجولة السابقة من المفاوضات والعودة للمفاوضات يوم الخميس المقبل على المستوى الوزاري، وأشار بيان وزارة الموارد المائية المصرية إلى أن الوزراء اتفقوا على قيام اللجان الفنية والقانونية بمناقشة النقاط الخلافية خلال اليومين المقبلين في مسارين متوازيين وعرض المخرجات في الاجتماع الوزاري يوم الخميس.

وبنبرة متشائمة، أعرب خبير القانون الدولي والمياه عضو اللجنة السودانية المعنية بسد النهضة سابقاً أحمد المفتي عن خيبة أمله في وصول المفاوضين أو المراقبين وفريق الخبراء بالاتحاد الأفريقي إلى اتفاق حول البنود الخلافية خلال يومين من التفاوض وفقاً للجدول الزمني المُعلن من جانب الوزراء، موضحاً في تصريحات خاصة "أن القمة الأفريقية المصغرة الأولى منحت اللجان الفنية والوزراء مهلة أسبوعين كاملين تم خلالهما التفاوض يومياً ولم تنجح اللجان في مهامها، وتكرر ذلك خلال اجتماعات التفاوض برعاية سودانية قبل رعاية الاتحاد الأفريقي"، مضيفاً "فما الذي سيجعل اللجان الفنية والقانونية التي أخفقت سابقاً تنجح خلال 48 ساعة، ولا نعلم لماذا طالب السودان بمنح المراقبين دوراً أكبر على رغم أن المراقبين من الولايات المتحدة والبنك الدولي أيضاً شاركوا لشهور في المفاوضات ولم ينجحوا في تقريب وجهات النظر، وكأن الوصول إلى اتفاق أصبح مسؤولية المراقبين وليس الدول أطراف الأزمة"، واعتبر المفتي أن "الهدف من منح أدوار جديدة للمراقبين والوسطاء هو إطالة أمد المفاوضات لتجنب الحرج الذي بات فيه الوفدان التفاوضيان المصري والسوداني بعد تصرف إثيوبيا وفقاً لإرادتها المنفردة، قبل أن يتم إعلان فشل جولة المفاوضات كسابقتها".

ويرى المفتي أن البيان السوداني طالب بأن تكون الجولة الحالية "حاسمة" في الوصول إلى اتفاق حول ملء السد الإثيوبي وتشغيله، لكنه لم يتحدث عن أمان السد والأمن المائي والآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية وتعويض المتضررين من الآثار التي ستنتج منه، مضيفاً "الأهم من ذلك أنه على رغم رفض السودان للملء الأول بإرادة إثيوبية منفردة، إلا أنه لم يطالب بضمانات لمنع تكرار ذلك أو اتخاذ أي إجراء إزاءه".

ويرى إبراهيم ناصر، الباحث السوداني المختص بالشأن الأفريقي، في تصريح خاص، إنه على رغم تفضيل إثيوبيا للوساطة الأفريقية أو رعاية الاتحاد الأفريقي وجنوب أفريقيا للمفاوضات، إلا أنها لا تزال متحفظة على منح دور أكبر للمراقبين، "فمنذ مفاوضات واشنطن التي شاركت فيها الولايات المتحدة والبنك الدولي، ترى أديس أبابا أن المراقبين عبارة عن شهود فقط، من دون الإدلاء بأراء أو محاولة تقريب وجهات النظر أو إسناد المفاوضات بآراء وسطية لدعم الحل، ولكن إثيوبيا تعتبر أن دور المراقبين تشريفي وداعم فقط لاستمرار المفاوضات، السودان يرى أنه تعرض لخذلان من جانب إثيوبيا من خلال خطوة الملء الأولي التي أثرت في الوضع المائي في السودان كما شاهدنا حيث خرجت عدة محطات لمياه الشرب عن الخدمة وتأثرت خزانات السدود السودانية، وأثرت في الحكومة السودانية وموقف إدارتها للملف أمام الرأي العام، بالتالي مطلب السودان بدور أكبر للمراقبين يأتي في اطار انزعاجه من الخطوة الإثيوبية الانفرادية وتعتقد الخرطوم أنه من خلال إقحام المراقبين والخبراء بشكل أكبر ربما يتم دفع المفاوضات للأمام بصورة أكبر ويتم الوصول إلى اتفاق".

 

 

فشل المفاوضات سيعيد الملف إلى مجلس الأمن

من جانبه، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري في تصريحات متلفزة، قبل أيام عدّة، إن بلاده تأمل في عدم الاضطرار إلى إعادة ملف سدّ النهضة إلى مجلس الأمن، مؤكداً أن الجولة الماضية من المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي لم تحرز أي تقدم"، فيما توقع عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، عودة ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن حال فشل الأطراف في الوصول إلى اتفاق خلال الجولة الراهنة، معتبراً أن الاتحاد الأفريقي "مُنح الفرصة كاملة" للقيام بدوره وفقاً لتمسّك إثيوبيا خصوصاً وبقية المفاوضين بمبدأ الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية، وأشار إلى أنه بعد تمكّن إثيوبيا من تحقيق الملء الأولي، كان من المتوقع حدوث انفراجة في مواقف الدول الثلاث وهو ما يمكن التأكد منه خلال الاجتماعات المقبلة، بخاصة الاجتماع المقرر الخميس على مستوى وزراء المياه في الدول الثلاث.

وعلى الرغم من مشاركة الولايات المتحدة كمراقب، يتولّى الاتحاد الأفريقي رعاية المفاوضات الجارية بعد أشهر من رفض أديس أبابا الاستمرار في "مسار واشنطن" وانسحابها من الجلسة التي كانت مخصصة لتوقيع اتفاق تم التوصّل إليه بعد أربعة أشهر من التفاوض برعاية الإدارة الأميركية والبنك الدولي وإعلان وزارة الخارجية المصرية الأسبوع الماضي أن شكري أجرى عدداً من الاتصالات الهاتفية مع أعضاء في الكونغرس الأميركي بمجلسيْه النواب والشيوخ ومن الحزبَيْن الجمهوري والديمقراطي، وتناول معهم عدداً من القضايا كان على رأسها تطورات أزمة سدّ النهضة الإثيوبي الذي بات محوراً أساسياً في مباحثات القاهرة مع مختلف شركائها.

وقال الباحث السوداني إن إشراك الاتحاد الأفريقي كان خطوة لا بد منها لضمان التزام إثيوبيا بالمسار التفاوضي وتنويع الأطراف المشاركة في رعاية المفاوضات بعد اتهامها واشنطن في ختام اجتماعات فبراير (شباط) الماضي بالانحياز إلى مصر، مضيفاً "القمة المصغّرة أفرزت نتائج إيجابية ويجب أن يتم الوصول إلى اتفاق خلال الاجتماعات الوزارية، وأعتقد أن إثيوبيا ترى مدى الاستياء من الخطوة الأحادية سواء من جانب الأطراف أو المراقبين وخبراء الاتحاد الأفريقي المشاركين في المفاوضات، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة، ولكن تقاريرهم عكست شواغل مصر والسودان بدليل استناد البلدين إليها كمرجعية لاستئناف الجولة الثانية من المفاوضات برعاية أفريقية".

ويرى أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أنه في حال فشل الاتحاد الأفريقي في الوصول إلى اتفاق، بالتالي العودة إلى الشكاوى المصرية والسودانية في مجلس الأمن، يمكن التحرّك من جديد لبحث الأمر تحت البند السابع والعمل على الخروج بقرار ملزم يمنع مواصلة ملء السدّ باعتباره تهديداً للأمن والسلم الدوليين، مضيفاً أن مصر والسودان ساعيتان إلى الوصول إلى اتفاق ملزم وقانوني وشامل حول سدّ النهضة، وهو هدف مشترك يصرّ عليه البلدان، بخاصة في ظل ما نشهده من تعنّت إثيوبي واتخاذ إجراء الملء المنفرد الذي تسبّب في ضرر فوري في السودان. واعتبر أن التنسيق بين البلدين مطلوب وضروري أن يستمر لمنع إثيوبيا من اتخاذ مسار منفرد، وأن "الخرطوم أدركت أن كثيراً من مزايا السدّ تحوّلت إلى مخاطر بعدما قامت إثيوبيا بالملء الأول، ولدى البلدين الآن عام قبل أن يحدث الملء في العام الثاني، واليوم مصر والسودان في حاجة إلى كسب الوقت في مفاوضات جادة وليس التسرّع في الوصول إلى اتفاق يمسّ حقوقهما المائية، وهناك اتفاق واضح على رفض الخطوة الأحادية الإثيوبية أو أي تحرّكات منفردة أخرى أو حتى الوصول إلى مجرد قواعد استرشادية كما تريد أديس أبابا، بل اتفاق ملزم".

ودعا شبانة إلى التفكير "خارج الصندوق" لإنجاح المفاوضات، من خلال حلول خلاقة للتعاون بين البلدان الثلاثة، إضافة إلى استمرار المسار التفاوضي، مثل النظر في مبادرات التكامل بين ملفَّيْ الطاقة والمياه، ومشاريع البنية التحتية والخدمات اللوجيستية المشتركة وغيرها من الفرص التجارية المربحة للدول الثلاث، من أجل العمل على تعزيز المصالح المشتركة وتجاوز الخلاف الراهن بصورة تحقّق الربح للجميع.

احتفالات في إثيوبيا وتبرّعات للمشروع القومي

وبعد أسابيع قليلة عمّت خلالها تظاهرات دموية اندلعت في البلاد وسط أعمال العنف على إثر مقتل المغني الأورومي المعارض وكاتب الأغاني الشهير هاشالو هونديسا، تشهد إثيوبيا احتفالات عارمة على مدار الأيام الماضية بعد إعلان رئيس الوزراء آبي أحمد نجاح بلاده في ملء خزان سدّ النهضة بالكمية المقرّرة للعام الأول، وسط حملات شعبية للتبرع لاستكمال المشروع المنتظر الانتهاء من جميع مراحله بحلول عام 2023. ودعا ديميكي ميكونين، نائب رئيس الوزراء، الشعب إلى الخروج في مسيرات تأييد لدعم السدّ وإتمام بنائه، مؤكداً أن الإثيوبيين أسهموا بصورة كبيرة في بناء المشروع.

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن نائب رئيس الوزراء قوله "لقد أظهرنا للعالم كيف أننا أقوياء وقادرون على تحقيق رغباتنا من دون أي دعم من الخارج. هذا السدّ هو دليلنا على الوحدة والعمل الجماعي. نحن نسعى جاهدين إلى أن نكمل معاً ما بدأناه معاً".

وعشية استئناف المفاوضات، وتحت شعار "صوتنا للسدّ"، نزل آلاف الإثيوبيين يوم الأحد إلى شوارع العاصمة أديس أبابا للاحتفال بالمشروع القومي الذي تقول الحكومة إنه سينتشل الملايين من الفقر ويوفّر الكهرباء لنحو 60 مليون إثيوبي، فيما شهد عدد من عواصم العالم احتفالات محدودة بمشاركة الجاليات وطواقم البعثات الدبلوماسية الإثيوبية في الخارج. وقالت وسائل الإعلام المحلية إن المكتب الخاص بالمجلس الوطني لتنسيق المشاركة العامة، نظّم حملة عالمية لإسماع الأصوات الإثيوبية إلى العالم، من أجل أن يبعث "رسالة إلى المجتمع الدولي حول واقع السدّ الإثيوبي الذي يقوم على مبدأ الاستخدام العادل للموارد لمكافحة الفقر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدورها، دعت جمعية المغتربين الإثيوبية جميع المواطنين المقيمين في الخارج إلى تعزيز دعمهم لسدّ النهضة من خلال أشكال مختلفة من المساعدة بما في ذلك الجهود المالية والدبلوماسية. وقال المدير التنفيذي للجمعية أبراهام سيوم إنه يجب على الإثيوبيين في الخارج شراء سندات السدّ والمشاركة في حملات الضغط والتأييد من أجل دعم الاستخدام العادل للنيل الأزرق إقليمياً ودولياً، مشيراً إلى أن الشتات الإثيوبي أسهم بأكثر من مليار بر (العملية الإثيوبية المحلية) من أجل سدّ النهضة. وذكرت الوكالة الإثيوبية الرسمية أنه "منذ بدء بنائه، دعم الشعب الإثيوبي بأكثر من 13.6 مليار بر لهذا الغرض".

وخلال لقاء مشترك مع وزير المياه والري والطاقة سيليشي بيكيلي ودبلوماسيين إثيوبيين، دعا وزير الخارجية جيدو أندارجاشيو الدبلوماسيين إلى تعزيز جهودهم في دعم سياسة البلاد المنصفة والمعقولة في ما يتعلّق بسدّ النهضة الإثيوبي الكبير. ونقلت وكالة الصحافة الإثيوبية يوم الاثنين عن الوزير قوله "لا يزال الجهد الدبلوماسي منخفضاً في تغيير الوضع الراهن في حوض النيل بشكل فعال والكشف عن هيمنة مصر والدعاية الكاذبة ضد حق إثيوبيا في استخدام المياه".

وقال المحلل السياسي الإثيوبي المقيم في السويد ياسين أحمد بعقاي في تصريحات خاصة، إن بلاده تعمل على استكمال بناء السدّ الذي وصلت نسبة إنشاءاته المنفذة إلى 74.8 في المئة من إجمالي المشروع، مؤكداً دعم الجاليات الإثيوبية في الخارج وعملها كذراع مكمّلة لدور الدبلوماسية الرسمية من أجل مساندة "المشروع القومي لكل الإثيوبيين"، وموضحاً أن التمويل يتم بالكامل من خلال الإثيوبيين الذين نجحوا في تدشين حملة تبرّعات جمعت ما يزيد على 3.5 مليار دولار لدعم المشروع الذي تبلغ تكلفته 4.8 مليار دولار أميركي. وقال بعقاي إن قيام إثيوبيا ببدء ملء سدّ النهضة يتفق مع القانون الدولي واتفاق إعلان المبادئ الذي ينصّ على استكمال عملية بنائه، بالتوازي مع المفاوضات حول الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد ملء وتشغيل السدّ سنوياً، ويمكن لإثيوبيا بصفتها البلد المالك للسدّ مراجعة تلك القواعد من وقت إلى آخر، مضيفاً "الدول الثلاث متّفقة على التفاهم المشترك والمنفعة المشتركة والتفاوض بحسن نية وتحقيق المكاسب للجميع وعدم الإضرار"، وهذا ما يضمن نجاح المشروع الإثيوبي في تحقيق مصالح مصر والسودان وإثيوبيا وضمان الاستخدام العادل لمياه النهر.

واعتبر الأستاذ في جامعة أديس أبابا كوستانتينوس بيرهي أن مصر والسودان سيستفيدان أكثر من استكمال سدّ النهضة الإثيوبي الكبير. ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عنه قوله إن "بناء السدّ يعطي مثالاً على كيفية تعاون البلدان الثلاثة مع بعضها بعضاً في استخدام المياه"، داعياً القاهرة والخرطوم إلى المساهمة في الحفاظ على البيئة وتقليل المفقود من المياه في وادي النيل الأزرق لزيادة مياه النهر، ومعتبراً أن "اكتمال مشروع السدّ سيزيد وفرة المياه التي يمكن أن يحصل عليها السودان وكذلك مصر". وقال إن الاتحاد الأفريقي يقوم بالدور الرئيس في تقريب وجهات النظر بين أديس أبابا والقاهرة، معتبراً منح شرعية هذا الدور للمنظمة يعني "تمسّك الأفارقة بحلّ المشكلات التي تواجههم بأنفسهم".

المزيد من متابعات