Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاستخبارات الغربية أمام تحدي التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية

بحسب مركز التقدم الأميركي "خلق انتشار وسائل التواصل الاجتماعي مكاناً جديداً لنشر المعلومات المضللة والأخبار المزيفة والدعاية"

روبرت مولر المحقق الخاص في قضية التدخل الروسي ومساعده آرون زيبلي خلال شهادتيهما أمام الكونغرس   (أ ب)

منذ انتهاء الانتخابات الأميركية أواخر عام 2016، لم يتوقف الضجيج بشأن التدخل الروسي في الانتخابات واتهامات خصوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الحزب الديمقراطي لحملته بالتنسيق مع موسكو لهزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وعلى الرغم من أن تحقيقاً مستقلاً موسعاً، استغرق أكثر من عامين برّأ ترمب من هذا الاتهام، لكنه أكد في الوقت نفسه التدخل الروسي بالعملية الانتخابية الأميركية. 

وفي يوليو (تموز) 2019، خلال شهادته أمام الكونغرس، قال روبرت مولر، المحقق الخاص في قضية التدخل الروسي بالانتخابات الرئاسية الأميركية، "انتهت تحقيقاتي إلى أن الحكومة الروسية تدخلت في انتخابات 2016 للرئاسة على نحو منظم"، لكنه حسم أمر تورط الرئيس ترمب مشيراً إلى أن التحقيقات لم تثبت أن حملة ترمب تآمرت مع روسيا.

تدخلات روسية واسعة

وخلص تقييم مجتمع الاستخبارات الأميركية لعام 2017، الذي أجرته وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي إلى أن الحكومة الروسية، بموجب أمر مباشر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حاولت التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 حتى يفوز المرشح الجمهوري دونالد ترمب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وقال التقييم، "كانت أهداف روسيا تقويض الثقة العامة في العملية الديمقراطية الأميركية وتشويه سمعة الوزيرة كلينتون وإلحاق الضرر بانتخابها ورئاستها المحتملة". وأضاف، "فيما كذلك تفضيل بوتين والحكومة الروسية الواضح للرئيس المنتخب ترمب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليس ذلك فحسب، فطيلة السنوات الأربع الماضية، سعت وسائل الإعلام الأميركية والساسة لإلقاء لوم الاضطرابات المجتمعية مثل المسيرات القومية التي قادها الفوقيون البيض ضد السود والعنف الذي اندلع بين الطرفين في مدينة تشارلوتزفيل بولاية فيرجينيا خلال 2017، على الدعاية الروسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وحتى في معالجتها لحادث إطلاق النار بمدرسة بفلوريدا، الذي أسفر عن مقتل 17 شخصاً بينهم طلاب في فبراير (شباط) 2018، سارعت صحيفة نيويورك تايمز للزعم بأن حسابات على تويتر، يشتبه أنها على صلات بروسيا، نشرت مئات التغريدات التي تشعل الجدل بشأن السيطرة على الأسلحة بالولايات المتحدة، وهي واحدة من القضايا الأكثر انقساماً داخل المجتمع الأميركي، حيث تقلب المدافعون عن التعديل الثاني للدستور ضد أنصار السيطرة على السلاح.

روسيا والصين وإيران

ومع اقتراب انتخابات الرئاسة الأميركية التي ستجري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تواصل الجدل وتصاعد بشأن التدخل الأجنبي في الانتخابات، ليس فقط من قبل روسيا ولكن أيضاً من قبل إيران والصين اللتين ترتبطان بعلاقات متوترة مع إدارة ترمب. ففي الخامس والعشرين من يوليو (تموز)، حذر وليام إيفانينا، مدير المركز الوطني لمكافحة التجسس في الاستخبارات الأميركية، في بيان عام، أن الخصوم من الدول الأجنبية، بما في ذلك روسيا والصين وإيران، تسعى للتأثير في الانتخابات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي تؤثر بدورها في اختيارات الناخب. وحثّ الأميركيين على التيقظ للنفوذ الأجنبي. 

وتضمنت تحذيرات الاستخبارات الأميركية، الإشارة إلى تقويض الثقة في العملية الانتخابية، ومن ثمّ الديمقراطية الأميركية ككل. فبالنسبة لإيران فإنها تبث حملات تضليل على الإنترنت تهدف لتقسيم البلاد قبل الانتخابات وتقويض المؤسسات الديمقراطية، وتستهدف الصين تشكيل البيئة السياسية بالولايات المتحدة والتأثير سلباً في الشخصيات السياسية التي ترى أنهم يعارضون مصالح بكين، بينما تستهدف روسيا إضعاف الولايات المتحدة عبر مواصلة نشر معلومات مضللة داخل البلاد.

وفي وقت سابق من يوليو الماضي، قال جو بايدن، المرشح المفترض للحزب الديمقراطي الأميركي في انتخابات الرئاسة، إنه تلقى تقارير من الاستخبارات وتم إبلاغه بأن روسيا تواصل محاولة التدخل بالعملية الانتخابية.وقال لأنصاره، خلال حملة عبر الإنترنت لجمع تبرعات، إن روسيا تقوم أيضاً بأنشطة "تهدف لجعلنا نفقد الثقة في نتيجة" انتخابات 2020.

التدخل في الشأن البريطاني

 ليس في الولايات المتحدة فقط، ففي المملكة المتحدة أصدرت لجنة الاستخبارات والأمن بالبرلمان تقريراً، أواخر يوليو الماضي، يؤكد أن بريطانيا كانت أحد الأهداف الرئيسة للاستخبارات الروسية. 

وقالت اللجنة إن موسكو تسعى لبث الشقاق ونشر معلومات مضللة. وأشار إلى أن هناك أدلة "موثوقة" على أن موسكو حاولت التأثير في نتيجة استفتاء الاستقلال الاسكتلندي في 2014، ولكن بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قالت لجنة المخابرات والأمن إنها لم تقدم أي دليل على أن الكرملين سعى للتأثير في تصويت عام 2016. وفي الوقت ذاته، وُجهت اتهامات للحكومة البريطانية بالفشل في إجراء أي تحقيق رسمي في مثل هذه المزاعم حيث طالب مركز الدراسات الدولي بإجراء تحقيق موسع في حملة استفتاء الاتحاد الأوروبي.

والأسبوع الماضي، في أعقاب الإعلان عن تعيين ريتشارد مور، رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية (إم آي 6)، تحدثت مصادر حكومية للصحافة البريطانية عن تركيز المدير الجديد لاستخدام التكنولوجيا للحصول على المعلومات، حيث أصبح النهج التقليدي بزرع عملاء سريين في بلد أجنبي أكثر صعوبة في عصر لا يحتاج الأمر أكثر من دقائق من تحريك الأصابع على لوحة مفاتيح جهاز الكمبيوتر للحصول على خلفية شخص ما. 

حروب المعلومات والسوشيال ميديا

وبحسب مركز التقدم الأميركي، مركز أبحاث سياسية، فإنه في حين أن عمليات التأثير ليست جديدة، وحرب المعلومات قديمة قدم الحرب نفسها، فقد حدث أخيراً تطور مهم سمح لهذه العمليات بأن تكون أكثر فعالية، وهو التقدم في تكنولوجيا المعلومات. فلقد خلق انتشار وسائل التواصل الاجتماعي مكاناً جديداً لنشر المعلومات المضللة والأخبار المزيفة والدعاية. كما خلق الاعتماد الحديث على الاتصالات الرقمية ثغرة جديدة للمرشحين وتحديات للأمن التشغيلي للحملات، حيث تحتفظ الحملات بمجموعة كبيرة من المعلومات التي يمكن للمتسللين المدعومين من دول أجنبية سرقتها واستخدامها بالطريقة التي يرونها مناسبة للتأثير، بما في ذلك عرضها للجمهور أو للحملات المنافسة. 

وتتهم دراسة أعدّها جيمس لاموند، المستشار الكبير لدى مركز التقدم الأميركي، وتاليا ديزل، الباحثة بالمركز، الرئيس الروسي بإدارة استراتيجية أوسع تستهدف الدول الغربية. وتقول إنه في أنحاء أوروبا، كان بوتين يقدم الدعم بطريقة أو بأخرى للحركات والأحزاب التي تتوافق برامجها السياسية مع أهداف الكرملين. وتزعم أن هناك أدلة على دعم روسيا للتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة. 

ويؤكد مركز برينان للعدالة في واشنطن على وجود دلائل بشأن استخدام روسيا تكتيكات مشابهة لتلك التي استخدمتها بالانتخابات الرئاسية الأميركية الماضية، للتأثير في انتخابات 2020. وبحسب بحث أجراه المركز أخيراً، فإن وكالة أبحاث الإنترنت، الشركة المدعومة من الكرملين التي تتهمها الولايات المتحدة بالوقوف مباشرة وراء التدخل في انتخابات 2016، بدأت بالفعل حملتها الرقمية للتدخل بنتخابات نوفمبر المقبل، بتكتيكات أكثر تطوراً. 

وبحسب فريق البحث في المركز، فإن الشركة اتبعت بعض استراتيجيات وتكتيكات التدخل السابقة عبر عشرات الحسابات المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تظاهر المتصيدون في روسيا أنهم أميركيون، بمن في ذلك الجماعات السياسية والمرشحون. وحاول المتصيدون زرع الانقسام من خلال استهداف كل من اليسار واليمين بمنشورات لإثارة الغضب والخوف والعداء. وتقول إن على ما يبدو أن الكثير من أنشطتهم مصمم لإثناء بعض الأشخاص عن التصويت حيث ركزوا دعاياتهم على الولايات المتأرجحة.

تضيف، إن نهج شركة أبحاث الإنترنت آخذ في التطور، إذ أصبح المتصيدون أفضل في انتحال الهويات، ومحاكاة شعارات الحملات الرسمية بشكل أوثق. كما ابتعدوا عن إنشاء مجموعات دفاع وهمية خاصة بهم وذهبوا لمحاكاة واستخدام أسماء الجماعات الأميركية الفعلية. وقد زادوا من استخدامهم للمحتوى غير السياسي والحسابات التجارية على ما يبدو، لإخفاء محاولاتهم لبناء شبكات نفوذ.

نفي وسخرية روسية

وعلى الرغم من التزامها الصمت طويلاً لكن دائماً ما تنفي روسيا وتسخر من هذه الاتهامات التي تثير التساؤلات بشأن قدرة جحافل وكالات الاستخبارات التي تتمتع بها الولايات المتحدة على مواجهة المؤامرات الخارجية المزعومة. وهو ما يدفع بالتساؤل نفسه الذي طرحته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، على حسابها الرسمي بـ"فيسبوك" قبل عامين قائلة، "13 شخصاً تدخلوا في الانتخابات الأميركية؟! 13 في مقابل أجهزة مخابرات لها ميزانيات بالمليارات؟".

وارتبطت تعليقات زاخاروفا وقتها بإعلان المحقق الخاص روبرت مولر، اتهامات لـ13 روسيا باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير قانوني لزرع الخلافات السياسية داخل الولايات المتحدة. وقال مولر، إن الأفراد تآمروا منذ عام 2014، وعملوا كناشطين سياسيين أميركيين وركزوا جهودهم حول النقاط الساخنة الخاصة بالهجرة والدين والعرق.

ومنذ مطلع العام الماضي، نفت موسكو مراراً هذه المزاعم. وفي فبراير (شباط) أكدت أنه لا يوجد أدلة على سعي من جانبها للتأثير في سير العملية الانتخابية بالولايات المتحدة. وفي مارس (آذار) من العام نفسه تعليقاً على تقرير المحقق الأميركي الخاص، وصف المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، الاتهامات بالتدخل في الشئون الانتخابية الأميركية بأنه "لا أساس لها". واستشهد بحكمة فيلسوف صيني، مشيراً إلى أن الأمر اشبه بمن "يبحث عن قط أسود في غرفة معتمة لا قطط فيها أصلاً".

والشهر الماضي، علق بيسكوف على التقرير البريطاني بشأن التدخل الروسي في الحياة السياسية بالمملكة المتحدة، قائلا، إن "هذا التقرير يبرر 100 في المئة التوقعات السلبية، ولم يأت بجديد". وقبلا قال المسئول الروسي إنه إذا كانت هناك أي اتهامات في تقرير البريطانيين بشأن "تدخل" روسيا، فإنها لا أساس لها من الصحة، لأن "روسيا لم تتدخل قط في العمليات الانتخابية بأي دولة من دول العالم". وخلال الشهر ذاته قال تعليقاً على اتهامات أخرى بالتدخل في الانتخابات التشريعية البريطانية التي أجريت العام الماضي، إن بلاده لا علاقة لها بهذه المحاولات "نحن لا نقبل مثل هذه الاتهامات ولا المزاعم الأخيرة الواهية حول التدخل بانتخابات2019". 

تدخلات أميركية بنوايا مختلفة

وفي حين لا يمكن إنكار أن حروب المعلومات أمر معروف وتكتيك قديم تقر به الدول الكبرى، وهو ما لا ينفي قيام روسيا بأنشطتها الخاصة مثلما تفعل الولايات المتحدة أيضاً تجاه الدول الأخرى. وقد أقر ستيفن هول، المسئول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، في 17 فبراير 2018، مشيراً إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ما انفكت تتدخل منذ تأسيسها في انتخابات الدول حول العالم.

وبحسب كتاب صدر حديثاً بعنوان "تزوير: أميركا وروسيا و100 عام من التدخل الانتخابي السري"، ناقش الكاتب الأميركي ديفيد شيمر، "نوايا" العمليات السرية الأميركية في دول مختلفة، بما في ذلك تدخل بلاده خلال السبعينيات من القرن الماضي في تشيلي وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، مقابل تدخلات الاتحاد السوفياتي (روسيا لاحقاً). ويرى الكاتب أنه عندما تتدخل الولايات المتحدة في الانتخابات بالدول الأخرى، فيكون ذلك في صالح تعزيز الديمقراطية بتلك الدول"، ولكن عندما تفعل موسكو ذلك يكون في مصلحة "تعزيز أيديولوجية". 

ويجادل شيمر بأنه في حين أن هناك بالتأكيد أوجه تشابه بين الجانبين تتعلق بمساعدة "مرشحين مفضلين" للفوز، فإن الولايات المتحدة كانت تعتقد أنها كانت تقوم بذلك لإنقاذ الديمقراطية، بينما كان "الهدف السوفياتي جلب الشيوعيين إلى السلطة. وهؤلاء الشيوعيون، كما هو الحال في أوروبا الشرقية، سيتوقفون عن إجراء الانتخابات". ويشير إلى أن "الاختلاف الثاني هو أنه في فترة ما بعد الحرب الباردة، ضاعفت روسيا من استخدام هذا السلاح، في حين أن أميركا ابتعدت عنه". 

المزيد من سياسة