Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف طوع "العرف القبلي" في الصراع العسكري والسياسي باليمن؟

"النكف" عرف يستجدي نخوة الرجال لنصرة قضية ما أو للتشاور بحثاً عن الخروج بقرار موحد

عناصر حوثية مسلحة في العاصمة اليمنية صنعاء (رويترز)

النكف القبلي عرف تقليدي في اليمن يستجدي نخوة رجال القبائل بنصرة أي قضية تتعلق بالشرف والعار والمظلومية، والدفاع عنها وتتداعى القبائل المعنية بالنكف إلى أماكن للتشاور والخروج بقرار موحد. غير أن هذا العرف جرى تسخيره كأداه في الصراع الواقع باليمن منذ أكثر من عشر سنوات، فحاولت ميليشيات الحوثي استدعاء نخوة القبيلة، وفي المقابل اتهمت القبائل المنكفة بالبيضاء وسط البلاد بأن قضيتهم سياسية وليست لها أي دخل في نصرة المظلومين.

وأخيراً شهد اليمن حالتي نكف قبلي؛ كانت الأولى في محافظة البيضاء عندما أطلق الزعيم القبلي الشيخ ياسر العواضي نكفاً للقصاص من قتلة السيدة جهاد الأصبحي، التي قتلتها مجموعة حوثية مسلحة تقول الميليشيات إنها كانت ضمن حملة أمنية لملاحقة مطلوبين أمنيين لها.

وتداعت قبائل البيضاء ورداع ويافع وشبوة ومأرب لتلبية النكف القبلي وتجمعت في مجموعات مسلحة، وظلت لمدة شهرين تطالب الحوثي بالعدالة من الجناة الذين اعتدوا على امرأة في منزلها وسفكوا دمها، ما يعد جريمة عار وشرف واعتداء.

قبائل البيضاء

وفي محاولة لاحتواء المشكلة حينها، قالت وسائل إعلام حوثية إن عبد الملك الحوثي، كلف لجنة لحل مشكلة مقتل امرأة من آل الأصبحي في مديرية الطفة بمحافظة البيضاء بتاريخ 27 أبريل (نيسان) الماضي.

وأوضح بيان، صادر عن اللجنة التي تضم عضو المكتب السياسي للحوثيين فضل أبو طالب، ونائب وزير الخارجية القيادي الحوثي حسين العزي، والمشرف الاجتماعي بمحافظة البيضاء عبد الله علي إدريس، أنها ذهبت إلى الشيخ الخضر عبد الرب الأصبحي، وتم الاتفاق على تشكيل لجنة للتحقق من ذلك، على أن يختار الشيخ الخضر الأصبحي من يمثله في اللجنة، وتم اللقاء في منزل عضو مجلس الشورى الشيخ مصلح علي أبو شعر، بحضور عدد من المسؤولين والمشايخ والشخصيات الاجتماعية.

وانطلاقاً من قناعة لدى قبائل البيضاء أن لجان الحوثي خطوة أولى لتمييع القضايا قرروا رفض هذه الوساطات التي لا تتبنى حلاً يتمثل في القصاص من القتلة، وبعد أن لمس الحوثيون هذا الموقف لجأوا إلى شيطنة المطالب القبلية وشن الإعلام الحوثي حملة على القبائل المتجمعة، وهو ما اعتبره مراقبون حينها تهيئة المناخ المناسب لاقتحام مناطق القبائل التي تداعت لتلبية النكف.

وكيل وزارة الإعلام اليمنية عبد الباسط القاعدي يؤكد أن اتهام ميليشيات الحوثي لنكف قبايل البيضاء لا يعتد به من حيث الأصل، وأي فعل من قبل الحوثي فهو مقدمة لعدوان ممنهج على اليمنيين وهو ما وقع لقبائل البيضاء.

وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن نكف قبائل البيضاء قام على قضية نصرة المظلوم ورفع الاعتداء الغاشم الذي نفذته الميليشيات ضد امرأة وراحت ضحيته وهو عادة قبائل اليمن الانتصار للقضايا العادلة والتضامن والتكاتف والتلاحم.

وبعد شهرين من الحشد القبلي والشحن والإعلامي الحوثي والتعبئة اقتحم مسلحو الحوثي والقوات المسلحة التابعة لهم مناطق القبائل وسيطروا عليها، ليستمروا في تطويع رجال القبائل وكسر جميع الأعراف القبلية.

ومع نهاية يونيو (حزيران) الماضي وقعت حادثة مشابهة حيث تعرضت أسرة آل سبيعان في مأرب لاعتداء من قبل القوات الحكومية، ما دعا الأسرة إلى إطلاق نكف قبلي للانتصار لمظلوميتهم، الأمر الذي سارعت الميليشيات لاستغلاله وتبنت النكف وحشدت له على تخوم مأرب، وهي المدينة التي تخوض حرباً على جبهاتها ضمن مساعيهم لاقتحام المحافظة النفطية الأهم في اليمن.

وكثفت ميليشيات الحوثي تحركاتهم بأوساط قبائل طوق صنعاء وذمار وإب والحديدة وعمران، للبحث عن مقاتلين، في إطار حشدهم لتلبية النكف القبلي الجديد.

وأفادت مصادرنا، أن ميليشيات الحوثي وجّهت بصرف مبلغ 50 ألف ريال يمني (80 دولاراً أميركياً)  لكل شخص ينخرط بصفوفهم تلبية للنكف القبلي في مأرب، وتوعدت الرافضين بأنها ستشن حملة اعتقالات إجبارية للشباب سواء من المساجد أو الشوارع العامة واقتيادهم إلى جبهات القتال.

رد حوثي

القيادي الحوثي محمد علوان قال في لقاء قبلي بصنعاء "إن ما حدث بحق آل سبيعيان جريمة تتنافى مع القيم الإنسانية والأعراف القبلية"، مشيراً إلى أنه يعد في العرف القبلي "عيباً أسودَ".

واعتبر هذه الممارسات من قِبل القوات الموالية لحكومة الشرعية اليمنية تهدف إلى إخضاع  القبائل التي لا تسير في ركبها، ولا تخدم إلا القوى الخارجية.

وقال القيادي الحوثي حسن مقبولي، الذي يعمل نائباً لرئيس الوزراء في حكومة الحوثيين بصنعاء، "إنه آن الأوان لتحرير محافظة مأرب وتطهيرها ممن سماهم بــ"المليشيات التكفيرية" بعد الجريمة الشنعاء التي ارتكبوها بحق أسرة آل سبيعيان".

وشدد مقبولي على وجوب قيام جميع قبائل اليمن بنصرة آل سبيعيان، داعياً من سمّاهم بجميع الشرفاء الأحرار في اليمن إلى اتخاذ موقف صارم وتحرك جاد لتطهير مدينة مأرب من القتلة حتى لا تتكرر جريمة آل سبيعيان.

وأكد قيادي حوثي أن علاقة ميليشياته بالقبيلة علاقة تعاضد لإعلاء مصالح اليمن العليا واستعادة كرامة اليمنيين، وسيادتهم وهذا يظهر على مدى أكثر من خمس سنوات من مساندة القبيلة للميليشيات في أكثر من جبهة من جبهات حروبها.

وأوضح لنا القيادي الحوثي، الذي رفض الكشف عن هويته كونه غير مخوّل للحديث إلى وسائل الإعلام، أن الميليشيات تحشد بقوة من جميع القبائل من أجل الاقتصاص من الجناة الذين ارتكبوا جريمة الاعتداء على آل سبيعيان في مأرب وتطهيرها كاملة.

نكف حوثي

بالمقابل يرى وكيل وزارة الإعلام عبد الباسط القاعدي، أن نكف ميليشيات الحوثي في مأرب آخر السهام بجراب الحاوي، فبعد أن فشلت كل مكايدهم ضد مأرب واحترقت حشودهم على حدود هذه المحافظة وتحولت إلى رماد، لجأ الحوثي لاستخدام ورقة النكف في قضية الخلية الحوثية التي ضبطت في مأرب، وهي ورقة خاسرة ومكيدة سخيفة لاستدراج القبائل في مناطق سيطرتهم وحشدهم ضد مأرب.

ويعتقد أن النكف الحوثي تأكيد على عجز الميليشيات عن مواصلة الكذب وتحشيد أبناء القبائل والزج بهم في معاركه العبثية.

استغلال الأخطاء

الكاتب السياسي اليمني سام الغباري يؤكد أن النكف القبلي جزءٌ من الأعراف القبلية التي تتداعى فيه القبيلة للذود عن عار أصابها، لكنه بات ضعيفاً في ظل التداخل السياسي والانقسامات الواضحة في بنية المجتمع.

ويرى الغباري أن القبيلة في اليمن لم تعد تلك التي تؤخذ بصيحة انقلابي، أو خدعة كاهن، فقط يستغل الحوثيون الفقر الذي أوسعوه في مناطق سيطرتهم ليتسنى لهم حشد من يستطيعون إقناعهم بالذهاب حيث الكنز والفرص.

واستدرك، "إن استخدام الحوثيين لهذا الغطاء إنما للدفع بمن استطاعوا من الرجال لغزو مدينة مهمة مثل مأرب، حيث وفرت لهم انتكاسة ياسر العواضي في ردمان البيضاء فرصة لجلب مزيد من المغرر بهم ليكوّنوا حالة الهجوم الأولى بقصد إنهاك الخصم، ثم التقدم بميليشياتهم المدربة لتحقيق ما أرادوه".

ما يجب أن نعلمه، والكلام للغباري، أن الحوثي يستغل التغريدات أو الخلافات بين مكونات الشرعية ويجهل منها وسيلة من وسائله الدعائية حيث يكثف دعايته لليمنيين في مناطق سيطرته.

وتابع، أن النكف لن يجدي في ظل الثورة المعلوماتية ووسائل الاتصال، فالقبيلة التي تعرف أنها ستخسر أفرادها لن تجرؤ على القيام بمخاطرة غير محسوبة لسببين يتمثل الأول في أن الحوثي كميليشيات باتت مكروه، وتعاملهم معه هو تعامل المضطر، أما الأخير فيتعلق بأن كمية الضحايا الذين ترصدهم العائلات التي قدمت أولادهم تحفز القبيلة على عدم إرسال المزيد، فيما الحشود التي يجمعها الحوثي حشود مال وفير، ولن تقاتل إذا رأت حزماً وخسائر هائلة.

التناقض في التعامل

الكاتب والصحافي محمد العبسي يفسر طبيعة علاقة ميليشيات الحوثي بالقبيلة ويؤكد أنهم اعتمدوا على منهجيتين متناقضتين في تعاملهم مع القبيلة سواء في اليمن، أو سائر البلدان التي تشكل القبيلة الجزء الأهم من نسيجها الاجتماعي، حيث تقوم الأولى على إذلال القبيلة باسم الله بشكل طوعي، وتقوم الأخيرة على استغلال الأعراف والقيم القبلية في خدمة مشروع الميليشيات.

ويعتقد العبسي أن القبيلة في اليمن تشكل تحدياً للحوثيين وتقف عقبة أمام طموحاتهم في السيطرة والنفوذ. غير أنها لجأت بدايةً إلى استغلال العاطفة الدينية لدى القبائل وعملت طويلاً على غسل أدمغة أبناء القبائل وأفهامهم بأن الرضوخ لهم إنما طاعة لله وانتصار لدينه وأنهم أوصياء على الدين، الذي لا يكون صحيحاً إلا إن تولى زعيم الميليشيات الأمر.

وهذا هو المدخل الأول للتعالي على القبيلة وإذلالها باسم الله، بحسب ما ذهب إليه الصحافي العبسي، الذي أكد أن الميليشيات سعت إلى تشكيل تحالفات مع القبائل التي كانت تشعر بنوع من التهميش فيما يتعلق بالمصالح والنفوذ، وكان هذا أساس الحلف الذي عقدته مع الكثير من أبناء القبائل والدافع الأبرز لانضمامهم إليها، وشكّلوا لأجل ذلك مجلساً سموه مجلس التلاحم القبلي.

العرف القبلي

بطبيعة الحال، يرى العبسي أن ميليشيات الحوثي تلجأ إلى استغلال العرف القبلي لتحفيز أبناء القبائل على البذل دماً ومالاً وتستخدم كل الوسائل المتاحة لتزييف الحقائق لتحوير الوقائع وإضفاء الطابع القبلي عليها، بما يُوجِد الحافز لدى القبائل للتحرك لدعم مجهوداتهم.

وفي الوقت نفسه، والحديث للعبسي، فإن ممارسات الحوثي التي تمس القبائل وأبناءها يصورونها بأنها في إطار طاعة الله وأوليائه ونصرة للدين ودحر لأعدائه. فعلى سبيل المثال، ارتكب الحوثيون مئات الجرائم والانتهاكات بحق القبائل اليمنية؛ كهتك الأعراض، وانتهاك حرمات المساكن، ودور العبادة، وقتل النساء، ليس آخرها بالطبع اعتداءهم على جهاد الأصبحي وقتلها في منزلها.

ويؤكد أنه عندما تداعت القبائل وأعلنوا النكف، صوروا الأمر أن له علاقة بالحرب والصراع الدائر والتخندق مع أطرافه. مثل هذه الحوادث تكررت بمعظم أرجاء البلاد، خصوصاً في مناطق القبائل، بما في ذلك قيامهم بقتل مشايخ قبائل ووجهاء ممن ساندوهم في حروبهم، وفي أسوأ الأحوال، يضعون بنادق التحكيم، ويمضوا ولا ينصفوا أحداً من ضحاياهم.

ويعتقد أن الحوثيين اليوم، يستغلون النكف ويدعون له بناء على الأعراف القبلية ذاتها، ولكن بما يحقق مصالحهم. ويحشدون أبناء القبائل لدعم هجماتهم وحروبهم على أبناء القبائل الأخرى تحت العنوان نفسه الذي يستنكرون وينكرونه على القبائل كلما ارتكب متطرفوهم جرائم في حقهم.

وعلى الرغم من أن مقاتلي الحوثيين أكثرهم من أبناء القبائل، وبدونهم تصبح الميليشيات معزولة وضعيفة، فإن عدم إتاحة المجال لتوحيد القبائل وتوحيد الجبهات وإشعالها مرة واحدة، هو السبب الرئيس وراء بقاء الميليشيات واستمرارها. ودون إصلاح ذلك الخلل، بإزاحة من يُسهّلون لهم ذلك ممن يزعمون أنهم يقاتلون، فسيبقى الحال على ما هو عليه، حسبما ذهب العبسي.