Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جريدة النداء" رجع الصدى الذي خاله صدام نداءً

تأسست الصحيفة في أول أيام الغزو بالكويت بعد الاستيلاء على مطابع "القبس"

صورة ضوئية لأحد نسخ صحيفة النداء العراقية التي أسست في الكويت فترة الاحتلال (وثائق محنة وجهاد الشعب الكويتي تحت الاحتلال العراقي)

في مثل هذا اليوم منذ نحو 30 عاماً، الثاني من أغسطس (آب) 1990، اختار صدام حسين أن يحسم المفاوضات التي كانت تدور بينه وبين جارته الجنوبية الكويت حول خلافات حدودية وأخرى متعلقة بحقول النفط بالطريقة الصعبة. ففي ليلة مضيئة قبيل اكتمال القمر، زحف 55 ألف جندي عراقي خاضوا تدريبات قبلها بأشهر على التحرك الليلي، مصحوباً بأكثر من 400 دبابة و200 قطعة مدفعية ميدانية إلى الحدود الكويتية، منهين المفاوضات بالطريقة التي كان يفضلها الرئيس العراقي الأسبق.

هذا الاحتلال الذي استمر قرابة العام، حضّر أثناء وجوده في الكويت لبقاء طويل الأمد في "المحافظة الـ19" كما كان يسميها الديكتاتور العراقي، وبدأ بناءً على ذلك بإعادة تشغيل المؤسسات والشركات والقطاعات العامة والخدمية، وكان من ضمن ما أعاد تشغيله "الصحافة".

كانت الكويت حينها تزخر بعدد من المؤسسات الصحفية كالرأي والسياسة والأنباء والقبس، التي طالها الإغلاق بعد ساعات من بسط الاحتلال لسيطرته.

ليبدأ بعدها الاحتلال بتأسيس صحيفته المحلية العراقية، ناطقة باسم النظام الجديد بعد أسبوعٍ من إتمام عملية السيطرة على البلاد، في 11 أغسطس (آب)، باسم صحيفة النداء.

القبس تصدر النداء

رغم أن التحضّير للغزو دام على حدود الكويت لأشهر أمام مرأى الجميع، فإن أحداً لم يصدق أن يقدم صدام حسين فعلاً على إشعال حربٍ جديدة بعد فراغه للتو من حرب منهكةٍ مع إيران.

الحرب المفاجئة للجميع، لم تستثنِ الوسائل الإعلامية، التي سطّرت صفحاتها في الأول من أغسطس 1990 بعناوين معتادة وروتينية قبل إرسالها للمطبعة لنشرها في اليوم التالي "يوم الغزو"، لم تحمل بين صفحاتها أي رائحة للحرب، أو قلقٍ من احتمال وقوع البلد تحت التهديد العسكري.

كان على رأس تلك الصحف القبس، التي عنونت على صفحتها الأولى على أربعة أعمدة "مفاوضات متنقلة بين الكويت وبغداد".

 

 

إذ رجحت المادة الرئيسية استمرار الوسائل السلمية لإنهاء الأزمة بين البلدين الجارين.

في حين ما زالت تناقش تبعات حرب الخليج الأولى، حول طلب مشترك بين العراق وإيران لسحب ملف حرب الثماني سنوات من جدول أعمال القمة العربية التي كان يفترض أن تقام بعد أيام، وخبر عن حرب أخرى في مخيم عين الحلوة بلبنان، وخبر صغير يخص انقلاباً عسكرياً في ترينيداد، ولا شيء عن حرب مشابهة محتملة أو أجواء لها في الإمارة الخليجية.

في حين تضمنت الصفحة الثانية، والتي عادة ما تتضمن تفاصيل حكومية رئيسية، لأكثر المهام التي أنجزت الحكومة أهمية، صوراً وأخباراً عن جولات تفقدية حكومية في مناطق الفروانية وفيلكا في الكويت.

 

 

لتوزع هذه الطبعة في اليوم الذي لم يقرأها فيه أحد الأخبار، بينما كان جزء ممن هم في الكويت يستعدون لمغادرتها بعد انتشار أخبار الغزو أسرع من توزيع الجرائد.

هذه الجريدة بالتحديد "القبس" التي لم تتوقع نشوب الحرب وفقاً لطبعتها الأخيرة قبل الإيقاف، كانت أولى ضحاياها بعد أن تحولت مطابعها بالذات إلى مقر لإصدار الصحيفة العراقية الجديدة، في الوقت الذي لم يطل قريناتها سوى الإغلاق.

ويستنتج وزير الإعلام الكويتي الأسبق سعد بن طفلة العجمي سبب اختيار القبس لإصدار صحيفة الغزو، قائلاً: "لا أملك معلومة حول ذلك، لكن كان للقبس قبيل الغزو افتتاحية شهيرة عن ضرورة الإسراع بترسيم الحدود بين العراق والكويت، وهو ما رد عليه صدام قائلاً (حدود الكويت إلى زاخو)"، في رسالة مبطنة بأن الكويت جزء من العراق، وأن الحدود بينهما تبدأ من شمال العراق إلى جنوب الكويت.

وأضاف: "أيضاً لمكانة الصحيفة في الذهنية العراقية، فقد كان لها موقف إيجابي من صدام في فترة سابقة، فالقبس كانت صحيفة قومية ساندت القضايا العربية من ضمنها حرب صدام مع إيران وساندت مواقفه العربية"، مضيفاً "أيضاً يجب ألا ننسى جودة الصحيفة ومطابعها في ذلك الوقت وموقعها الاستراتيجي على شارع الصحافة".

وحول النداء الذي سمعه صدام وبواعث اختيار هذا الاسم للصحيفة يضيف: "العراق في ذلك الوقت كان معروفاً بلغوييه وبلاغته، فالمسميات التي تستدعي الماضي وتقدم صدام بصورة المنقذ كانت معتادة، فقبل النداء سميت الحرب (أم المعارك) ومعركة (الحواسم)، وحضر اسم القادسية أيضاً".

حرب الفقراء

لم يقف صدام بمفرده رغم محدودية داعميه، إلا أن دولاً في المنطقة وجماعات أصولية أعلنت دعمها الغزو الصدامي للجارة الصغيرة.

وأتى هذا الدعم في إطار صورة كان يحاول الغزاة رسمها للحرب، إذ عنونت إحدى افتتاحيات "النداء" بأن الحرب ثورة للفقراء على أغنياء العالم والإمبريالية الأميركية المتمثلة بنفوذها وحلفائها في المنطقة، وأن صدام هو قائدها.

 

 

ولقي هذا الخطاب قبولاً لدى بعض الشوارع العربية، التي اعتادت منذ فجر التاريخ العربي الحديث البحث عن المنقذ، والتأثر بالخطاب الذي تلوكه الديكتاتوريات المتعاقبة على أنظمتها، إلا أن الخطاب يؤتي أكله كل مرة، وكأن الناس تخدع به للمرأة الأولى، ويعلق العجمي على هذه الحالة قائلاً "هذه الحالة السياسية اللاواقعية هي التي تقود المنطقة من تراجع لتراجع، فنفس الخطاب الديماغوجي الفوضوي، يأخذ الناس إلى عالم غير عالمنا، يأخذهم إما للعيش في أحلام تاريخية أو إلى المجهول ومزيد من الانهيارات"، ويفسر حالة الانخداع العربي المتواصل بـ"أن منبعها عدة أشياء أهمها الاستبداد والبطش الذي يصل في حده الثقافي إلى منع الإنسان من التفكير، وبالتالي لا يريد أن يتغير، لذلك تجد نفس الخطاب الغوغائي الهلامي الذي قاله صدام حسين عن تحرير القدس موجودا في إيران عن فيلق القدس، وآخر في تركيا ينادي بنفس الكلام، وهو ما أدى إلى جمود الحالة العربية الفكرية وتراجع الحالة السياسية".

التطبيع على الاحتلال

كانت من ضمن سياسة الاحتلال في حينها والتي انعكست على الصحيفة، محاولة تطبيع من هم في الكويت على الحياة الجديدة في "المحافظة الـ19"، إذ تستعرض طبعاتها سير الحياة التعليمية في الكويت تحت الحكومة الجديدة بانتظام، وأخرى تعلن دعم النظامي المصرفي الكويتي من قبل المركزي العراقي لعودة البنوك للعمل وتأدية عملها.

 

 

ومن مطالعتنا لنسخ "النداء"، يتضح أن الجريدة سعت إلى ألا تكون إعلام حرب فقط، إذ كانت تخصص مساحات للفن والحوارات مع المشاهير، والشعر والرسومات الكاريكاتيرية، وصفحات لصحة الطفل وضرورة حمايته من مشاهدة الرسوم المتحركة التي تعزز العنف، لبث جو من الاستقرار وإخفاء مزاج الحرب الذي كان يحوم حول الكويت من أذهان ساكنيها من المقيمين أو الكويتيين الذين آثروا البقاء.

 

 

ومن ضمن ما تضمنته الصحيفة من أدبيات الغزو، قصائد لشعراء عراقيين تعزز الخاطب العربي الطلائعي كما في قصيدة "دعوة وطلائع" لشاعر يدعى أبو العبد.

 

أو أخرى تعزز الخطاب القومي المقاومي الذي يعلن تحدي "الحصار" وإفشاله.

صحيفة "لا أحد"

لم يكن مفاجئاً أن الصحيفة لم تحظَ باحترام ومصداقية قارئيها ممن كانوا في الكويت، إذ كان جلياً لمتصفحها منذ الطبعة الأولى أنها صحيفة دعائية تفرد صفحتها الأولى لصور صدام حسين، ثم لداعميه.

إلا أن المفاجئ أن الصحيفة لم تكن تحظى باحترام الغزاة أنفسهم، ففي وثيقة نشرتها "دار سعاد الصباح" تتضمن خطاباً أرسله نوري المرسومي وكيل وزارة الثقافة والإعلام العراقية آنذاك، إلى القيادة القطرية في الكويت، يشتكي فيه عدم تعاون قوات الاحتلال والقيادات السياسية والعسكرية المنتدبة إلى الكويت مع صحيفة الاحتلال "النداء" ويطلب منها التوجيه بمساعدة المنصة الإعلامية في تغطية الأنشطة.

 

وهو ما تفاعلت معه القيادة، بخطاب ثان من ذات المصدر يكشف التوجيه الذي عمم على جميع القيادات والدوائر، الذي يطالبهم بالتعاون معها في تغطية الأنشطة المهمة. 

 

 

النداء الأخير

استمرت صحيفة النداء في الطباعة طيلة فترة الغزو، حتى مطلع يناير (كانون الثاني) 1991، أي قبل شهر من انسحاب الجيش العراقي وتحرير الكويت، إذ يبدو أن النداء الذي سمعه صدام كان رجع صدى لصوته الذي خاله نداءً قادماً من مياه الخليج، الذي كان يعج بالصراعات السياسية وارتفاع صوت المعارضة عقب تعطيل الدستور، والتي التفت على عكس ما توقعته بغداد حول شرعيتها وانتقلت معها إلى جدة.

ورغم أن مطابع القبس تحررت قبل البلاد بشهر، فإنها احتاجت لشهرين إضافيين حتى تعاود عملها، فبحسب ما نشرت القبس في افتتاحية العدد الأول بعد الغزو عن قصة احتلال الدار، أوضحت أن مطابعها ومقراتها تعرضت أسوة بمقار المؤسسات والدوائر الحكومية الأخرى إلى النهب والتخريب من قبل الجيش العراقي قبل انسحابه، مما أخر عودة الصحيفة التي عانت بدورها من الاحتلال.

 

 

وكما هو الحال صبيحة الغزو، فقد بدت الطبعة الأولى بعد 320 يوماً من التوقف أكثر بروداً من الأوضاع التي تفرضها بقايا الحرب في الذاكرة والمزاج الكويتي، إذ لم تتجاوز أخبار الحرب وتبعاتها على عنوانها الرئيسي سوى خبر عن احتواء انتشار السلاح وتسربه الذي شاع في البلد الخليجي فترة الاحتلال وبعده، فيما أفردت بقية الصفحة لأخبار عربية أخرى.