Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل آن الأوان لتفكيك الشركات التكنولوجية الكبرى؟

يرى بن تشابمان في هذا المقال أن تفكيك الشركات التكنولوجية العملاقة لن يكون الطريقة الأكثر فاعلية للحد من سُلطتها وحماية الخدمات القيِّمة التي تُقدِّمها

مثل مارك زوكيربيرغ أمام الكونغرس الأميركي شأن غيره من المدراء التنفيذيين في شركات التكنولوجيا العملاقة (رويترز)

في وقت تَوَاجَه الرؤساء التنفيذيون للشركات التكنولوجية العملاقة مع الكونغرس الأميركي هذا الأسبوع، بَرَزَ سؤال: هل هذه الشركات: "فيسبوك"، و"غوغل"، و"أمازون"، و"أبل"، أكبر مما نتخيَّل؟

بالطبع يمكن للمُنتقدين أن يسوقوا إحصاءات كثيرة تدعم إجابتهم بنعم، فـلدى "فيسبوك" 2.4 مليار مُستخدم نَشِط شهرياً، أي نحو ثُلُث سكان العالم، كما تستحوذ "أمازون" على نحو 40 في المئة من الإنفاق على التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة، وبلغت عوائدها العام الماضي 296 مليار دولار، أي أكثر من الإنتاج الاقتصادي السنوي كله في تشيلي، أو اليونان، أو البرتغال.

وتتولى "غوغل" خارج الصين 92 في المئة من عمليات البحث عبر الإنترنت، وتستخدم منصَّتها لتوسيع هيمنتها، كي تشمل الأسواق الإلكترونية للإعلان، والتسوُّق، والسفر، وغير ذلك. وهذه بالطبع أرقام مُذهلة، لكن الحجم في حد ذاته ليس بالضرورة أمراً سلبياً، والأهم منه بكثير السلطان الذي يترتب عليه، وما إذا كانت هذه السُّلطة تُمارَس على نحو مسيء أو ضارٍّ.

وعلى رأس التُّهم المُتعددة المُوجَّهة إلى شركات التكنولوجيا الكُبرى أنها مارَسَت سُلطتها على البنية الرئيسية الخاصة بالتجارة الحديثة لسحق مُنافستها، وابتلاع كميات هائلة من البيانات الشخصية التي صُنعت بواسطتها منتجات جديدة لا يمكن للشركات الأخرى أن تصنع ما يُماثلها.

وتُعَدُّ التجارة عبر الإنترنت دليلاً على هذه المشكلة، فحين أطلقت "غوغل" خدمتها الخاصة للمُقارنة بين الأسعار، بدأت بوضع نتائجها الخاصة في الأعلى، قبل تلك الخاصة بشركات مُنافِسة، مثل "كيلكو". وسجَّلت الإحالات إلى مواقع أخرى انطلاقاً من نتائج البحث العضوي في "غوغل" تراجعاً كبيراً، ما خنق شركات، وعزَّز الموقع شبه الاحتكاري الخاص بـ"غوغل".

أما "أبل" فقد تعرَّضت لاتهامات خاصة بها تتعلق بالسلوك الاحتكاري وجَّهتها لها شركات مثل "سبوتيفاي" (وهي ليست ملاكاً منزهاً بدورها) التي ينبغي عليها أن تدفع رسوماً باهظة تبلغ 30 في المئة، لكي تبيع منتجاتها من خلال "آب ستور".

وبدورها، تُمارِس "أمازون" تحكُّماً مُشابها بسوقها الخاصة للتجارة الإلكترونية، التي تتحوَّل بسرعة إلى مركز التسوق للعالم الإلكتروني، بحكم الأمر الواقع. ودافعت الشركات كلها بقوة عن إجراءاتها مؤكدة باستمرار عدم ارتكابها أي مخالفة، لكن تضارب المصالح في كل حالة واضح، فمن خلال حيازة منصَّة تشهد كثيرًا من التجارة والتفاعل عبر الإنترنت، تضع الشركات قواعد اللعبة التي تؤدي فيها دوري اللاعب والحَكَم. وهذا يجب أن يتوقف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحين تبرز جهات منافسة تقدم فعلاً أشياءَ جديدة أو مبتكرة، سرعان ما يجري شراؤها قبل أن تشكل مشكلة كبيرة بالنسبة للشركات الرئيسية. وهكذا، يجب إخضاع استحواذات كهذه إلى تقييم أشد صرامة في المستقبل، ومن الضروري منعها حين تدعو الحاجة إلى ذلك.

ولقد تأخَّرت الجهات التنظيمية في فهم هذه المشكلات، وتُحاربها بأسلحة عفا عليها الزمن، وكانت قد صُمِّمت لإنهاء الممارسات المضادة للمنافسة في عصر انقضى.

وكانت مارغريت فيستاغر، المسؤولة عن السياسات الخاصة بالمنافسة في الاتحاد الأوروبي، هي الأنشط في مُساءلة الشركات التكنولوجية، إلا أن التجربة مع "غوغل" تدلُّ على أن الأسلحة الموجودة في جُعبة فيستاغر محدودة.

وغُرِّمت "غوغل" أكثر من ثمانية مليارات يورو (9.47 مليار دولار) منذ بدء التحقيقات الأوروبية في الاحتكار عام 2010، لكن المبلغ لا يتعدى الأرباح التي حققتها الشركة العملاقة في بضعة أشهر.

وفي هذه الأثناء، وبينما تواصلت التحقيقات لأكثر من عقد من الزمن، نمت "غوغل" وتوسَّعت بسرعة في الوقت الذي خُنِقت فيه شركات منافسة مُحتملة لا تُعَد ولا تُحصَى، أو جرى شراؤها، أو مُنِعت من دخول حلبة التنافس منذ البداية، لذلك يقضي المنطق التجاري الصحيح أن تتصرف الشركات التكنولوجية الكبرى على هواها، فتنمو بسرعة، وتدفع الغرامات باعتبارها مجرد تكاليف للقيام بالأعمال، وهي أكبر وأقوى وأغنى من أن تُنظَّم.

فما الذي يجب فعله؟

يُعَدُّ التفكيك القسري للشركات بمثابة الملاذ الأخير، وهو مطروح حالياً بقوة. ويسهل فهم السبب الذي جعل السياسيين يتبنّونه كسياسة، فهو إجراء لافت للنظر، ويسهل فهمه، وينطوي على إحساس بالصرامة، غير أنه يجب ألا يكون ضرورياً، وهو في حد ذاته ليس الطريقة الأكثر فاعلية لكبح سلوك الشركات التكنولوجية الذي يتمخّض عن القدر الأكبر من الضرر.

وتمتلك كل من "أمازون" و"أبل" حصة سوقية ضخمة في المجال الخاص بهما، وعليهما الإجابة عن أسئلة مشروعة حول كيفية الاستفادة من هذه الحصة لتقليص المنافسة. ويجب النظر في دور كل منهما المُزدوج كمالكة لمنصة تستخدمها أيضاً للبيع إلى جانب منافسين آخرين، لكن "غوغل" و"فيسبوك" بشكل خاص، يمثلان تحدياً مختلفاً من شأنه أن يبين كيف أن القواعد الحالية قد صارت بائتة، فهي تصلح لعقود خلت.

فالقوانين الخاصة بالمنافسة صُمِّمَت على نحو مناسب للسلع المادية. والغاية منها هي ضمان ألّا تحمل الممارسات المجحفة الناس على دفع ثمن لمنتج ما يفوق سعره في معزل عنها، لكننا لم نعُد في عصر "ستاندرد أويل" لمالكها جون دي روكفلر، التي فكَّكتها سُلطات مكافحة الاحتكار قبل قرن من الزمن. والسلعة التي باتت الأكبر قيمة في العالم ليست النفط، بل البيانات الشخصية. وتوفر "غوغل" خدماتها الشعبية جداً والمفيدة بشكل لا يمكن إنكاره في مجال الخرائط والبريد الإلكتروني والبحث مجاناً. فكيف يمكن القول إنها تتسبَّب بالضرر للأشخاص الذين يستخدمون هذه الخدمات؟

هذا الكلام لا يصح إلا إذا اعتبرنا أن بياناتنا الشخصية لا قيمة لها. وتؤكد الأرصدة المصرفية لشركات التكنولوجيا أن الحصول على هذه البيانات مجاناً وبيعها للمُعلنين هما في الحقيقة عمليتان مُربحتان للغاية.

وبالطبع، لا نستخدم في الواقع خدمة الإنترنت مجاناً. فبدلاً من ذلك، نبرم صفقة، نكاد دائماً لا نفكر بها بشكل فعلي، وتنص على أننا سنسلم لقاء الخدمة معلومات حول موقعنا، وما بحثنا عنه، ومكان إقامتنا، والأشياء التي نشتريها، والأشخاص الذين نتحدث إليهم، والأمور التي تثير قلقنا إلى شركة ستبيعها لكي تحقق أرباحاً.

وفي ضوء انتشار المنتجات "المجانية" كهذه في كل مكان، والميل الطبيعي للإنسان لارتكاب أخطاء، هل من الممكن على الإطلاق اعتبار صفقة كهذه صفقةً عادلةً؟

وإذا كان "فيسبوك" أو "إنستغرام" شائعين في وسطنا الاجتماعي كوسيلتين للتواصل، يُصبح من الصعب ألّا نشارك، حتى ولو اضطرنا ذلك إلى تسليم كثير من المعلومات الشخصية. فالصفقة، المعروضة في عشرات الصفحات من الشروط والأحكام، تفتقر بشكل كبير للتوازن، وهي أيضاً العنصر المركزي للسُّلطة التي تتمتع بها الشركات التكنولوجية الكبرى، فكلما تعاظم حجم البيانات التي في حوزتها، ازداد استهداف منتجاتها للزبائن المحتملين، وازدادت صعوبة منافستها من قبل الشركات الأخرى.

فكيف يمكن لشركة منافسة في مجال البحث أن توفر نتائج بجودة نتائج "غوغل" حين تمتلك الأخيرة بيانات من الغالبية الساحقة من عمليات البحث السابقة؟

وقد يكون النهج الأكثر فاعلية من تفكيك الشركات التكنولوجية، والذي يحظى بدعم متزايد، هو إجراء تقييم مناسب لبياناتنا، وجعل الشركات تدفع ثمناً لها، والإقرار بأن التحكم المُفرط بالبيانات أمر سيء لنا جميعاً.

وعلى الجهات التنظيمية التركيز بقدر أكبر بكثير على ما إذا كانت الشركات تجمع من البيانات ما يزيد على الحاجة الفعلية المحضة، أو تستخدمها بطرق تتَّسم بالتطفُّل.

وحين يكون هدف اللعبة توجيه المنتجات للزبائن المُحتملين استناداً إلى آلاف البيانات التي تتعلق بهم، فإن تحديد كمية البيانات التي يمكن للشركات جمعها يؤدي إلى كبح سُلطتها، وسيُفضي ذلك إلى الحدِّ من تخزين السلعة القيِّمة بغرض السماح لبعض الشركات أن تبني حول نفسها سوراً لا يمكن اختراقه.

ويجب ألا يكون الهدف تفكيك الشركات التكنولوجية العملاقة، بل لا بد أن نسوي الملعب لتُنافس شركات أخرى، وجعل المباراة بينها مُتكافئةً.

© The Independent

المزيد من تحلیل