Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شواطئ العرب ساحة لإثبات الهيمنة التركية

غاز المتوسط ومياه دجلة والفرات نقطتا صراع ساخن بين الأتراك والدول العربية

أنشأت تركيا عدداً من السدود على نهري دجلة والفرات وأضرت بجيرانها العرب  (رويترز)

تشهد منطقة الشرق الأوسط توترات متصاعدة بين دول عربية وتركيا بشأن قضايا كبرى تتعلق بمصادر المياه، تختلط بشكل رئيسي بقضايا سياسية أخرى تزيد الخلافات بين الطرفين تعقيداً. فما بين قضية نهري دجلة والفرات الأقدم والنزاع الحديث حول غاز شرق المتوسط، تتعقد العلاقات العربية - التركية مخلفة مزيداً من العداء وتهديد السلام والاستقرار بدلاً من التعاون والازدهار الذي من المفترض أن تسهم الموارد الطبيعية في إرسائهما داخل دول المنطقة.

دجلة والفرات

تاريخياً، تأسست حضارة العراق على نهري دجلة والفرات، اللذين لعبا الدور المحوري في ازدهار وتطور الممالك المتعاقبة على بلاد الرافدين. لكن الواقع ليس هكذا اليوم، فالنهران ينبعان من بحيرة هزار في جبال طوروس في تركيا؛ يبلغ نهر الفرات حوالى 2330 كلم، يمتد نصفه تقريباً داخل العراق ويقع النصف الثاني داخل تركيا وسوريا، بينما يبلغ نهر دجلة حوالى 1718 كلم ويتوزع بين الدول الثلاث، وهو ما يعني أن النهرين ينطبق عليهما قواعد وقوانين الأنهار الدولية، لكن تعاملت تركيا مع النهرين باعتبارهما أنهاراً داخلية وأنشأت العديد من السدود التي أضرت بدورها بجيرانها العرب.

بحسب الدراسات، يتدفق 90 في المئة من مياه نهر الفرات من تركيا، ويتدفق من سوريا 10 في المئة، فيما تتدفق نحو نصف مياه دجلة من تركيا وخمسيها من العراق. وتعتمد كل من العراق وسوريا بشكل كبير على النهرين للحصول على إمدادات المياه؛ تبلغ نسبة اعتماد العراق على الأنهار الدولية 53.5 في المئة وتعتمد سوريا على 72.3 في المئة، بينما تعد تركيا الدولة الوحيدة في المنطقة التي لديها ما يكفي من المياه لسكانها.

وتقول دراسة صادرة عن معهد بروكينغز، بعنوان "تحديات المياه والاستجابة التعاونية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، شاركت في إعدادها مجموعة رفيعة من الباحثين لدى مؤسسات دولية بينهم باحثون أتراك، إنه في وقت مبكر من الخمسينيات، قررت تركيا تسخير مياه النهرين في دفع التنمية الوطنية وتعزيز إنتاج الطاقة، وبدأت في الثمانينيات بإطلاق مشروع سمي جنوب شرقي الأناضول (GAP) شمل خططاً لبناء 22 سداً و19 محطة للطاقة الكهرومائية.

مخاطر المشروعات التركية

بحسب الخبراء فإن المشروع قد ينطوي على استخدام ما يقرب من نصف تدفقات نهري دجلة والفرات عند تنفيذه بالكامل. إضافة إلى الآثار المتوقعة في المصب - لأن بعض المياه التي حولتها تركيا للري ستستنزف لاحقاً مياه الحقول – إذ توقع المحللون أن يلوث الجريان الزراعي 40 في المئة من التدفق الذي يدخل سوريا من تركيا و25 في المئة من مياه دجلة المتدفقة من تركيا إلى العراق. وبين عامي 2007 و2008، أجبر الجفاف السكان على التخلي عن حوالى 160 قرية في سوريا وعشرات القرى في العراق.

وداخل تركيا، تسببت مشروعات السدود في تشريد ما يقرب من 200 ألف شخص، معظمهم من الأكراد، بعد أن غمرت المياه ما يقرب من 400 قرية، بحسب مقال بحثي بعنوان "جغرافيا المياه والصراعات لمشروع جنوب شرقي الأناضول"، منشور بمجلة المجتمع والموارد الطبيعية، البريطانية، عام 2002. والواقع أن العديد من الخبراء يشككون في الجدوى السياسية والبيئية طويلة المدى لاستكمال المشروع.

بالتواصل مع البروفيسور حسين عميري، مدير قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون والعلوم في كلية كولورادو للمناجم، أمد "اندبندنت عربية" بمقال بحثي حديث كتبه بعنوان "المياه والنزاعات في الشرق الأوسط"، أشار إلى أنه بإتمام مشروعات السدود التركية وغيرها من الخطط في إطار مشروع جنوب شرقي الأناضول، يقل تدفق المياه للعراق بنسبة 80 في المئة ولسوريا بنسبة 40 في المئة.

سلاح سياسي

وبحسب عميري، فإن العرب طالما اعتبروا السدود التركية العديدة على نهري دجلة والفرات عملاً "عدائياً"؛ فسوريا تعتبر عدم استعداد تركيا للتفاوض أو توقيع معاهدة بشأن حصص المياه رغبة في تأكيد هيمنتها المطلقة على الماء. ويقول عميري إن سدود تركيا على النهرين تستخدم كأداة سياسية أو سلاح يمكن لأنقرة استخدامه لترويض السلوك السياسي لدول المصب العربية، وهو ما ينطوي على خزان سد أتاتورك الذي يستحضر للذهن المثل الأميركي "قبل كل شيء، احرص على أن تكون دائماً في وضعية المنبع وأعداؤك في اتجاه المصب".

وقبلاً لجأت كل من سوريا والعراق إلى روابط خارجية للتأثير في أنقرة. فسوريا، التي احتفظت بدعم طويل لحزب العمال الكردستاني وأنشطة ضد تركيا، استغلت علاقتها بالحزب الانفصالي كقوة موازية لقدرة أنقرة المحتملة على تقليص التدفقات في نهر الفرات. وفي عام 1987، على سبيل المثال، وقعت الدولتان بروتوكولين مزدوجين ضمنت تركيا بموجبهما لسوريا الحد الأدنى لمتوسط ​​التدفق السنوي 500 متر مكعب/ ثانية من مياه نهر الفرات لتوزيعها بين القطرين العراق وسوريا، بينما تعهدت دمشق بتقليص دعمها لحزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، فشلت تركيا في الامتثال لتعهداتها.

عقيدة السيادة المطلقة

على الرغم من الترتيبات الثنائية المختلفة بينهما، لا يوجد اتفاق ثلاثي يحكم تدفقات الأنهار أو تخصيص المياه بين الدول المتشاطئة الثلاثة. تدعي تركيا الحقوق المطلقة لاستخدام المياه التي تنشأ داخل حدودها، مؤكدة أنها تشترك في النهر مع جيرانها من دون أي التزام قانوني لاستيعابهم.

وعلى حد قول رئيس الوزراء آنذاك سليمان ديميريل عام 1990، فإنه "ليس لسوريا أو العراق أي حق في المياه التي تنبع من تركيا"، وأضاف "إن المياه تنبع من تركيا ولا يمكن لدول المجرى الأدنى أن تعلمنا كيفية استعمال ثرواتنا. هناك منابع نفط في كثير من البلدان العربية، ونحن لا نتدخل في كيفية استخدامها".

وبحسب كتاب "الموازنة المائية في العراق وأزمة المياه في العالم" يشير فؤاد قاسم الأمير، إلى تعليقات حكمت تشتين، وزير الخارجية التركي الأسبق، عند زيارته لإسرائيل عام 1992، عندما قال "إن تركيا تمتلك ثروة مائية على جانب كبير من الأهمية وإن من حقها بيع هذه الثروة لمن تريد"، وأضاف "أن من حق تركيا المتاجرة بالمياه مثلما يتاجر الآخرون بالنفط ويحتكرون عائداته. وأن تركيا على استعداد لتزويد إسرائيل بأية كمية تحتاج إليها من المياه من دون أن تعبأ بمعارضة الدول المستفيدة من مصادر المياه التركية".

 

المماطلة واستغلال الانقسامات

ويشير الكاتب إلى أن تركيا، وفي جميع مفاوضاتها السابقة، حاولت ألا يوجد موقف موحد لسوريا والعراق ضدها، وذلك بخلق جو الريبة والشك بين العراق وسوريا حول المياه، ولقد ساعد في ذلك الجو السياسي "المشحون" جداً بين البلدين، خصوصاً في الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات من القرن الماضي. وكان توتر قديم نشب بين العراق وسوريا بشأن مياه النهرين عام 1973، عندما بدأت دمشق في تجميع المياه خلف سد الطبقة على نهر الفرات. إضافة لاستغلالها هذه الأجواء، فإن تركيا كانت تماطل دائماً في المفاوضات، لكسب الوقت لإكمال مشاريعها وخلق "الأمر الواقع".

بالإصرار على هذا الحق في السيادة الإقليمية، فإن تركيا تعتبر واحدة من ثلاث دول فقط صوتت ضد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997 (مقابل 103 أصوات لصالح الاتفاقية). وعلى النقيض من ذلك، يقول مقال بحثي منشور في مجلة دراسات الشرق الأوسط للباحثين علي جارك أوغلو وماين إيدر، إن مطالبات سوريا والعراق بمياه دجلة والفرات تستند إلى المبادئ العرفية في الاستخدام المنصف والمعقول والحقوق التاريخية المكتسبة. ويجادلون بأن ادعاءات تركيا للسيادة الإقليمية تنتهك الالتزام بعدم التسبب في الضرر للغير.

استمرار الخلاف

تؤكد الدراسات أن الاستقرار الاقتصادي للعراق وسوريا يعتمد بشكل أساسي على سياسات إدارة المياه في أنقرة وكذلك سياساتهم المائية الداخلية. فبحسب عميري فإن ندرة المياه في سوريا والعراق أصبحت أكثر سوءاً بسبب عوامل عدة تتضمن سوء إدارة موارد المياه ومشروعات تطوير مصادر المياه الأحادية غير المنسقة على طول نهري دجلة والفرات والاضطرابات السياسية والاجتماعية، جنباً إلى جنب مع الخلافات العرقية وعدم الثقة بين العرب والأتراك. إذ أسهمت كل هذه العوامل في تنامي الصراعات حول المياه بين الدول الثلاث.

كما أنه بحسب معهد بروكينغز، فإنه يجب على تركيا أيضاً أن تسير بحذر في منطقتها الجنوبية الشرقية الغنية بالمياه؛ فمن دون استشارة أو مشاركة كافية من القيادة الكردية في المنطقة، يمكن أن تؤدي التطورات الكهرومائية في المنطقة إلى إثارة الفصائل الكردية الانفصالية. ويشير إلى أنه لا يزال التوصل إلى اتفاق شامل حول حوض دجلة والفرات بعيد المنال، على الرغم من عقود عدة من التعاون الفني الواعد والاتفاقيات الثنائية بين الدول المتشاطئة الثلاثة.

على الرغم من أن أنقرة أعربت قبلاً عن نيتها تحسين علاقات تقاسم المياه، مشيرة إلى استعدادها للعمل مع دول المصب، لكنها لم تتخذ إجراءات جوهرية حتى الآن. وستؤدي جميع الضغوط الموضحة أعلاه إلى تعقيد علاقات تقاسم المياه بين البلدان الثلاثة ما لم يتم وضع أطر جديدة لتأخذ في الاعتبار التباين المتزايد في إمدادات المياه.

غاز شرق المتوسط

لا يقتصر نزاع تركيا مع جيرانها العرب على المياه العذبة فقط، فالبحر المتوسط يشكل جبهة نزاع أكثر سخونة مع ما يصفه البعض "العثمانية الجديدة"، الساعية لتوسيع النفوذ التركي في المنطقة. فاستكشاف موارد الغاز الطبيعي البحرية على مدى العقد الماضي من قبل الدول المطلة على البحر المتوسط مصر وقبرص وإسرائيل والتعاون الواسع بينهم، إضافة إلى اليونان وإيطاليا ولبنان والأردن وفلسطين وصولاً إلى إعلان تشكيل ما يسمي "منتدي غاز شرق المتوسط" في يناير (كانون الثاني) 2019، أثار غيرة وغضب تركيا باعتبارها ليست طرفاً في هذا التعاون الإقليمي الجديد الذي يهدف لتصدير الغاز إلى أوروبا.

ويقول المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن غاز شرق البحر الأبيض المتوسط ​​مهم للغاية بالنسبة لدول المنطقة الساعية إلى تعزيز أمن الطاقة ودفع التنمية الاقتصادية، كما سيكون نعمة حقيقية لقبرص ولبنان التي تفتقر إلى السيولة النقدية. وتقدر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن حوض الشام - مياه قبرص ومصر وإسرائيل ولبنان وفلسطين - يحتوي على 122.4 تريليون قدم مكعبة من الغاز القابل للاستخراج تقنياً. حتى الآن، اكتشفت قبرص ومصر وإسرائيل وفلسطين الغاز - الذي حفز التعاون بينها.

نزاع قبرص وتركيا

وقعت مصر واليونان ولبنان وقبرص على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، والتي تحدد المناطق الاقتصادية الخالصة للدول على أنها تمتد 200 ميل من شواطئها. ومع ذلك، لم توقع قوى إقليمية أخرى بينها تركيا على الاتفاقية الأممية ولا تقبل أحكامها، ومن ثم تجادل بأن قبرص يحق لها فقط الحصول على 12 كلم من المنطقة الاقتصادية الخالصة حتى تصل إلى قرار بشأن وضع الجزيرة، التي تحتل تركيا الجزء الشمالي منها والذي تطلق عليه جمهورية شمال قبرص التركية، وتقول إن لها الحق في الاستكشاف في المياه القبرصية اليونانية. وللدفاع عن موقفها، نشرت تركيا سفن التنقيب والحفر في المياه القبرصية اليونانية وأرسلت السفن البحرية لمضايقة عمليات الشركات الدولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حديث لـ"اندبندنت عربية" قال الممثل الدائم لجمهورية قبرص لدى الأمم المتحدة، أندرياس مافرويانيس، إن تركيا تمثل حالة معقدة تعود لعقود، فلديهم مشكلات في المنطقة البحرية مع اليونان منذ أكثر من 45 عاماً وكذلك مع قبرص، إذ إنهم لا يعترفون بقانون البحار ولديهم تعريف خاص يختلف كلياً عن القانون الدولي، فهى الدولة الوحيدة التي لا تعترف بأن الجزر يمكنها الحصول على منطقة اقتصادية خالصة، ومن ثم فلديها مزاعم لا تستند إلى القانون الدولي في ما يتعلق بمنطقة بحرية تنتمى بوضوح إلى قبرص، ولهذا السبب استغلوا الجزء الشمالي المحتل من الجزيرة من أجل الطعن في الحقوق السيادية لجمهورية قبرص على مواردها الطبيعية.

وبحسب مركز وودرو ويلسون، مقره واشنطن، فإنه على الرغم من أنه وفقاً لما هو منصوص عليه في قانون البحار بأن موارد المنطقة الاقتصادية الخالصة تخص الدولة بأكملها وليس لأحد مجتمعاتها، لكن يمكن القول إنه طالما لم يتم التوصل إلى تسوية لمسألة قبرص واستمرار الاحتلال التركي، فإن موارد الجزيرة لا يمكن أن تفيد سوى السكان داخل المنطقة التي تسيطر عليها حكومة قبرص فعلياً. ورفض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ما أسماه "الانفصال المزعوم" للشمال، ودعا جميع الدول "إلى عدم الاعتراف بأي دولة قبرصية غير جمهورية قبرص".

سياسة حافة الهاوية

وتقول مليحة التونسي، باحثة غير مقيمة بمعهد الشرق الأوسط وأستاذة العلاقات الدولية في جامعة الشرق الأوسط التقنية (METU) في أنقرة، إن تركيا تعتبر البحر المتوسط ​​بحراً شبه مغلق، وحيث أن هناك ادعاءات متداخلة للسيادة، فإن تعيين الحدود البحرية يتطلب التعاون بين الدول الساحلية أو الإحالة إلى محكمة العدل الدولية وفقاً للقانون الدولي. وتزعم تركيا أنه ليس لجميع الجزر نفس الحقوق البحرية مثل البر الرئيسي، بخاصة في البحار شبه المغلقة.

ويقول جون بولوس، الباحث لدى مركز الطاقة والتنمية المستدامة في جامعة قادر هاس في إسطنبول، في مقال بحثي بموقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن تركيا مارست سياسة حافة الهاوية للدفاع عما تعتقد أنه حقوقها في إجراء استكشاف الغاز حول معظم جزيرة قبرص، على الرغم من أنها ستستفيد بالمثل من اكتشافات خاصة بمياهها.

ويضيف أن استكشاف الغاز في المياه المتنازع عليها تشكل خطاً أحمر لتركيا. فمنذ فقدان السيطرة على محافظة الموصل الغنية بالنفط في الحرب العالمية الأولى، لا ترغب تركيا في السماح للآخرين باستغلال النفط أو الغاز الذي تعتقد أنها تمتلك حقوقاً فيه. وفي أوائل عام 1974، بدأت اليونان في التنقيب عن النفط في بحر إيجة، مما أدى إلى تصعيد التوترات بشأن قبرص وبلغت ذروتها بالغزو العسكري التركي لشمال قبرص وإنشاء جمهورية شمال قبرص التركية. ومن ثم يشير بولوس إلى أن استعداد تركيا لفرض نفوذها في ساحة المعركة الليبية يرتبط بالأساس بالنزاع حول غاز شرق البحر الأبيض المتوسط.

ليبيا وغاز المتوسط قضية متشابكة

توفر خطوط الأنابيب أفضل اقتصاديات لتصدير الغاز، هذا هو السبب في دعم منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم سبع دول في المنطقة (مصر، إيطاليا، اليونان، قبرص، الأردن، إسرائيل، وفلسطين)، بناء خط أنابيب غاز يمتد من شرق البحر المتوسط ​​إلى إيطاليا ويمر عبر جزيرة كريت اليونانية تحت اسم "إيست ميد"، وهي الجهود التي تحظي بدعم أميركي كبير، حتى أن الولايات المتحدة مرشحة للانضمام إلى المنتدى بصفة مراقب. ولإحباط هذه الجهود، سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتوقيع اتفاق مع حليفه في ليبيا، فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي السابق في طرابلس، لتعيين حدودهما البحرية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، مما يؤدي بدوره إلى قطع مسار خط الأنابيب المقرر.

 

لكن تقول التونسي، "إن اتفاقية تركيا مع ليبيا أكثر تعقيداً، إذ إن الأخيرة في حالة حرب داخلية". وتضيف، "أن صفقة تركيا مع حكومة الوفاق جعلت من الأخيرة طرفاً مباشراً في الصراع. وترى أن مستقبل اتفاقية ترسيم الحدود التركية، التي أعطت أنقرة للمرة الأولى انتصاراً في المفاوضات حول سياسات الطاقة في شرق المتوسط، يتوقف على ما يحدث في ليبيا. علاوة على ذلك، فإنه يربط مرة أخرى سياسات الطاقة في شرق البحر المتوسط ​​بالصراع الجيوسياسي الأوسع في الشرق الأوسط".

اتفاق أردوغان-السراج

ويعد اتفاق أردوغان والسراج مخالفاً للقانون الدولي. وكان أستاذ القانون الدولي الليبي محمد زبيدة أوضح في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن اتفاق أردوغان والسراج ينطوي على المناطق البحرية لقبرص واليونان، لأنه بموجب هذا الاتفاق قفز أردوغان من مضيق الدردنيل والبوسفور وبحر إيجة إلى الشواطئ الليبية ليضم المناطق البحرية الخاصة بالدول الأخرى.

ورسم الاتفاق المثير للجدل محوراً بحرياً افتراضياً بين "دالامان" الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي لتركيا و"درنة" الموجودة على الساحل الشمالي الشرقي لليبيا بعيداً من مجال السيطرة الفعلية لـ"حكومة الوفاق"، ومن وجهة نظر أردوغان، يتيح له هذا الخط اعتراض التكتل البحري الناشئ بين قبرص ومصر واليونان وإسرائيل.

وينص الدستور الليبي على وجوب تصديق مجلس النواب على المعاهدات والاتفاقات لتكون نافذة، كما ينص "اتفاق الصخيرات" الموقع في ديسمبر (كانون الأول) 2015 برعاية الأمم المتحدة، الذي تأسست بموجبة حكومة الوفاق، في المادة 8 على ضرورة توقيع البرلمان على الاتفاقات التي يعقدها المجلس الرئاسي، وهو ما يتماشى مع اتفاق فيينا لعام 1961. وفي يناير (كانون الثاني) 2020، رفض البرلمان الليبي التصديق على الاتفاق وأقر إحالة الموقعين على الاتفاقيات البحرية والأمنية مع تركيا إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى.

وفي يونيو (حزيران) 2020، وقّعت اليونان وإيطاليا اتفاقية لترسيم حدودهما البحرية تمتثل لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتؤكد اتفاقية الجرف القاري لعام 1977 بين البلدين وحق الجزر في امتلاك مناطق بحرية، وتمهد الطريق أمام اليونان وإيطاليا لاستكشاف الموارد البحرية واستغلالها، والتي بدورها تبطل اتفاق أردوغان والسراج.

تراجع تركي مؤقت

واتجهت تركيا إلى بعض الممارسات التي وصفتها اليونان والاتحاد الأوروبي بالاستفزازية، من خلال الإصرار على التنقيب عن الغاز في المياه المتنازع عليها مع قبرص واليونان، على الرغم من أن هذه الاستكشافات التركية لم تسفر عن أي اكتشافات للغاز. وبعد أشهر من التحذيرات الأوروبية والأميركية لأنقرة من استفزاز أثينا وفرض عقوبات، تراجعت تركيا وأعلن أردوغان وقف التنقيب مؤقتاً حتى يتم التفاوض على تلك القضية.

ويعتقد أنتوني سكينر، الخبير لدى شركة فيرسك مابليكروفت الاستشارية للمخاطر، أن تقديرات الانتخابات المحلية المتعلقة بأردوغان تسهم في تفسير سلوكه في المنطقة، فبعدما أثار حفيظة الجزء الأكبر من أكراد تركيا والليبراليين وقوّض دعائم قاعدته المتدينة، ازداد اعتماده على القومية للبقاء في الحكم. فبسط النفوذ في شرق المتوسط يخدم بشكل مباشر مجموعة كبيرة من الناخبين القوميين في تركيا كما يدعم رؤية أردوغان لتركيا كقوة إقليمية.

ويتوقع سكينر في مـقاله على موقع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن تؤجل شركات النفط العالمية خطط التنقيب في شرق المتوسط إلى أجل غير مسمى أو تتخلى عنها إذا استمر فائض عرض الغاز الطبيعي في السنوات المقبلة. وقد يضعف ذلك قدرة تركيا ويمنعها من الضغط على الدول المنافسة في المنطقة، ويضيف "لكننا ما زلنا نتوقع أن تستمر أنقرة في استعراض عضلاتها في المياه المتنازع عليها".

المزيد من تقارير