Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاستمطار الصناعي هل ينهي حروب المياه بين الدول؟

حل متقدم لكن تكلفته مقابل الوساطات الدولية أعلى

من أسطول الطائرات الإماراتية المجهزة لعمليات الاستمطار الصناعي (اندبندنت عربية)

يؤكد عمق الخلاف الذي يسيطر على مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، أن تعاقب التسويات ومباحثات المياه بين الدول وديمومتها تشبهان إلى حد كبير الحاجة البشرية المستمرة لهذا المورد المحدود، فإلى جانب أهميته للشرب، تنظر الحكومات إليه من عين المصلحة التجارية المتمثلة على سبيل المثال في صيد الأسماك والزراعة والتصنيع، وغيرها من العوامل التي تبرر تطور مسرح النزاع، من الأنهار العذبة كأحد مصادر التوتر التاريخي بين الجماعات والأفراد، إلى البحار المالحة، وهو تحول يعكس البعد السياسي لهذه الصراعات المتّهمة بتصدير رغبات توسّعية تتصاعد بين الفينة والأخرى، ويمكن ربط قضايا متجذّرة، مثل الصراع القائم بين دول حوض النيل، ومعارك دارفور الدامية، بما يُعرف عالمياً بـ "حرب المياه".

الحل التقليدي لصراع أزليّ

صراعات المياه هي الوليد المشوّه لكل من ارتفاع الطلب على الموارد المائية في مقابل العرض، ونشوب النزاع بين أحد الأطراف المسيطرة على وصول وتوزيع المياه، وفي هذه الحالة يمارس الطرف النافذ ضغوطاً على نظرائه المتضررين الراغبين في الحصول على حصة أكبر من الموارد المشتركة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى توتر دبلوماسي أو خلاف علنيّ تنجم عنه اشتباكات عسكرية.

 

أزمة المناخ العالمية، وتزايد الكثافة السكانية، هما أيضاً عاملان محفزان على تنافس الدول على الموارد الطبيعية، ووفقاً للدراسات في هذا المجال، فإن 11 في المئة من سكان العالم ليس بمقدورهم الوصول إلى مصادر محسنة لمياه الشرب، تطول قائمة الأسباب، وعلى الرغم من إدراك النزاع القائم وخطورته، فإن الأخير ما زال يتشكل في مناوشات سياسية أو تحركات على الأرض لمنع الوصول إلى مجرى مياه ما باعتباره حدوداً دولية.

وتُفاقم الشركات منساقةً بمصالحها المتقاطعة الخلاف بين الدول، وتنقله إلى شكل آخر من أشكال النزاع يتمثل في المخاوف البيئية، مثلما حدث في بحيرة إيري في أميركا الشمالية، من تلوث سببته المصانع والمدن بدفن البقايا الكيماوية، وصبّ مياه المجاري القذرة في البحيرة، فكانت النتيجة تلوث البحيرات الأربع الكبرى المجاورة لها، ونفوق أعداد ضخمة من الأسماك، قبل أن يصدر كونغرس الولايات المتحدة قانون المياه النظيفة في عام 1972 أي بعد 12 عاماً من الكارثة البيئية التي عانت المجتمعات المحلية لفترة طويلة من تبعاتها.

ويشكّل تلوث المياه خطراً صحياً محدقاً، بخاصة في المناطق الصناعية المكتظة بالسكان، كما هو الحال في الصين أحد أقوى البلدان الاقتصادية التي تفتقر بعض مقاطعاتها إلى المياه الصالحة للشرب، ناهيك عن تبعات مخلفات المصانع التي اقتضت تمرير قانون يتيح عبور المياه الملوثة من طريق الحدود الدولية، وهو ما يدق ناقوس الخطر بشأن التأثيرات العالمية لعدد من أنهار البلد الآسيوي.

والحل التقليدي لهذا النزاع العابر للأزمنة هو معالجة الخلافات التجارية بين الدول من خلال منظمة التجارة العالمية، التي يندرج تحتها على سبيل المثال مركز الثروة السمكية الذي يوفر بروتوكولاً قضائياً موحداً، ومن الممكن أن تحرك جهود المنظمة الدولية إلى جانب المؤسسات المتخصصة التي تنبع أهميتها من دورها لتقريب وجهات النظر، والتوسط بين الدول، ساكناً في مشكلة تزداد خطورتها كلما زادت تقلبات المناخ، وارتفع عدد سكان العالم.

لكن جدوى الخيار الدولي التوافقي تتوقف عند الصراعات الداخلية أو التي لا تتسم بطابع تجاري بحت ينسجم مع صلاحيات منظمة التجارة العالمية، وعلى الرغم من أن هذه التعقيدات تدفع البعض إلى القول إن الصراع على الموارد المائية أكثر احتداماً منه في سوق النفط، فإن العلم يزخر بوسائل لتخزين المياه، وتحليتها، وطرق لإنزال المطر أو "صناعته" بالمرادف الحرفي للعبارة الإنجليزية، التي تروّج لإستراتيجيات مازال يصاحبها جدل علمي، مثل تقنية تلقيح السحب، فهل يسهم تبنّيها على نطاق واسع في وضع حد لصراع الحكومات على الموارد الطبيعية؟

فكرتها

يُعرف الاستمطار الصناعي بأنه "نوع من تعديل الطقس، أو محاولة لتغيير كمية أو نوع هطول الأمطار من خلال نشر مواد معينة في الهواء تعمل كمكثفة للغيوم أو نواة جليدية، وتغير العمليات الميكرو فيزيائية للغيمة"، وتتعدد أغراض العملية بدءاً من زيادة هطول الأمطار وتساقط الثلوج، ومروراً بإذابة البرد ومنع تكثف الضباب، وهي ممارسات معمول بها بكثرة في المطارات.

طرح تكنولوجيا تلقيح السحب يضمن احترام سيادة الدول، وإجهاض أي أفكار توسعية، فإذا كان كل من شح الموارد والجفاف دافعين لتشييد سد واحتكار نهر، فتقنية متقدمة كهذه من شأنها حل أزمات متجذرة بين البلدان، غير أن عدم انفصال النزاع عن السياقات الأمنية، يعطّل مساعي الاستفادة من إستراتيجيات الاستمطار الصناعي، فبعد ثمانية عقود من اكتشافها مازال العالم من شرقه إلى غربه يضج بمحيطات وأنهار موتورة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تاريخها

تبدأ جذور تلقيح السحب من العام 1946 حين اُستخدمت لتجنب مواسم الجفاف، ومن أبرز روادها هو عالم الغلاف الجوي بيرنارد فونيغت، الذي اكتشف طريقة استمطار باستخدام مادة يوديد الفضة، وذلك بنشر ذرات وجزيئات تكثيف تتسبب في هطول الأمطار، الملفت أن هذه الطريقة لم تلقَ رواجاً إلا بعد عقدين تقريباً على يد القوات الأميركية التي استخدمتها في الحرب ضد فيتنام، في خطة ذكية لإطالة فترة هطول الأمطار على أحد أقاليم البلد الآسيوي، ما أدى إلى إعاقة مقاتلي الجبهة الوطنية الفيتنامية، جرّاء تكوّن الوحل والمستنقعات.

ويُقال إن أولى محاولات إسقاط الأمطار على هذا النحو تعود إلى القرن السابع عشر، حين حاول القائد الفرنسي نابليون بونابرت إطلاق القذائف نحو السحب، ولا يخلو تاريخ الاستمطار بمجمله من ممارسات وطقوس لدى الديانات السماوية، مثل صلاة الاستسقاء لدى المسلمين، وصلوات بعض المسيحيين من المزارعين طلباً للمطر خلال فترات الجفاف، وكذلك القداس اليهودي المعاصر الذي يضم صلاة استسقاء خلال منتصف الخريف إلى الربيع، وفصل الصيف، بالإضافة إلى رقصات المطر التي تؤديها بعض القبائل الأميركية الأصلية، ومثلها ممارسات في أفريقيا وأوروبا والصين.

إستراتيجياتها

في وقتنا الحالي، يمكن تنفيذ الاستمطار الصناعي باستخدام الطائرات أو الصواريخ لزرع المحفزات الكيماوية في الغيوم مع الثلج الجاف، أو يوديد الفضة، أو يوديد البوتاسيوم، أو البروبان السائل، لأغراض توفير مخزون المياه للزراعة، وتوليد الطاقة، وحل مشكلة الاحتباس الحراري.

الإستراتيجية الأولى في الغيوم متوسطة الارتفاع، تسمى الاستمطار بصورة ساكنة، تكون مبنية على اتزان ضغط البخار، إذ يسمح تشكيل جزيئات الثلج في الغيوم الفائقة التبريد لهذه الجزيئات بأن تكبر على حساب القطرات السائلة، وعندما تنمو الجزيئات بما فيه الكفاية، تصبح ثقيلة بصورة تمكنها من السقوط كأمطار.

وهناك إستراتيجية الاستمطار الديناميكي في المواسم الدافئة أو السحب الركامية الإستوائية التي تعمل على استغلال الحرارة الكامنة الصادرة عن التجمد، وتفترض بأن الزيادة في الحرارة الكامنة لها ثلاث وظائف هي تقوية التيارات الهوائية، وضمان مزيد من التقارب في المستويات المنخفضة، وإحداث نمو متسارع في الغيوم المختارة.

وتجري العملية الأكثر شيوعاً وتجريباً لنشر المواد الكيماوية باستخدام الطائرات، التي يمكنها رمي المشاعل الحرارية أثناء التحليق فوق السحاب، أو باستعمال المضادات الجوية للطائرات أو الصواريخ على الأرض، لإطلاق المواد في اتجاه الريح صعوداً بواسطة التيارات الهوائية.

عقبات وشكوك

إلى جانب كلفتها العالية، مازالت فاعلية الاستمطار الصناعي في زيادة معدل هطول الأمطار موضع جدل في الأوساط الأكاديمية، فعلى الرغم من مرور عقود على تجاربه، فإن الدليل على أن التقنية فعالة في نطاق الواقع، خارج تجارب السحب المصغرة التي تُنشأ في المختبرات مازال صعب المنال، بسبب عدم القدرة على قياس حجم قطرات الماء في السحب في الوقت الفعلي، ومن دون إدراك تام لكيفية تطور السحابة بعد التلقيح الكيماوي، ستبقى الأوساط العلمية رازحةً في حالة من عدم اليقين.

الجدل المتداول على نطاق أوسع قبل سنوات، يجسّده تقرير المجلس الوطني الأميركي للبحوث (NRC)، الذي صدر عام 2003، وتضمّن أن "العلم لا يمكنه تأكيد وجود آثار إيجابية لأي من هذه التقنيات"، وقبل نصف عقد، رأت جمعية الأرصاد الجوية الأميركية أن "هطول الأمطار من السحب الفائقة البرودة - التي تنشأ غالباً فوق الجبال - قد ازداد بشكل موسمي بنحو 10 في المئة، في إشارة علمية إلى أن نفع هذه التقنيات أكبر عندما تكون الغيوم باردة.

يقول جيف تيلي، أحد المسؤولين في معهد أبحاث الصحراء في مدينة رينو بولاية نيفادا، إن التكنولوجيا والأبحاث الجديدة أسفرت عن نتائج موثوقة تجعل من تلقيح السحب ممارسة موثوقة وبأسعار معقولة لإمدادات المياه في العديد من المناطق. وزعمت دراسة أجرتها جامعة تل أبيب عام 2010، أن الممارسة الشائعة المتمثلة في تلقيح الغيوم، بمواد مثل يوديد الفضة وثاني أكسيد الكربون المجمد، يبدو أن لها تأثيراً ضئيلاً إن وجد في رفع معدل هطول الأمطار.

وتقوم تجربة تقييم عمليات الاستمطار على تجميع حالات جوية عدة تشمل سحباً ركامية مطيعة للاستمطار لا يقل عددها عن 150 سحابة ركامية، ويتم استمطار هذه السحب بالطريقة المعروفة إحصائياً وهي ما تسمى الطريقة الإحصائية العشوائية، وبعد تجميع هذه الحالات، تجري دراسة التفاصيل والتغيرات الفيزيائية والديناميكية التي طرأت في السحابة قبل وبعد عملية الاستمطار من قبل خبراء مختصين.

ومن غير المؤكد ما إذا كانت المواد الكيماوية التي تخترق السحب هي السبب في سقوط الأمطار، باعتبار أن استخدامها يحدث غالباً في الغيوم التي تظهر دلائل مبكرة على الهطول، وأظهرت دراسة سابقة أجريت في الإمارات عام 2004، أن عملية الاستمطار تحفز السحب بنسب متفاوتة، وذلك بحسب الظروف الجوية المحيطة، وإذا أردنا تقييم نجاحها فإن ذلك يتطلب عمليات إجرائية وإحصائية متقدمة، وهو ما يجدد الجدل حول ارتفاع التكلفة التي يقال إنها لا توازي فعالية التقنية، وهنا يتبدى مجدداً خيار تلقيح السحب لحل النزاع الدولي سابقاً لآوانه.

وعلى الرغم من الافتراضات العلمية المتضاربة، فهناك نماذج واقعية كان العالم بأجمعه، شاهداً فيها على استخدام الاستمطار الصناعي، كما حدث في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008 في بكين، حين أطلقت السلطات الصينية 1100 صاروخاً محملة بمادة يوديد الفضة لإنزال المطر من السحب قبل وصولها إلى المدينة الأولمبية، لتجنب تأجيل حفلَي الافتتاح والختام بسبب الظروف الجوية.

ولطالما شكل تلقيح السحب بسبب المراحل التي مر بها محور العديد من النظريات القائمة على الاعتقاد بأن الحكومات تتلاعب بالطقس من أجل السيطرة على الظروف المختلفة، بما في ذلك الاحتباس الحراري، والكثافة السكانية، واختبار الأسلحة العسكرية، والصحة العامة، والفيضانات.

مخاطر محتملة

ووسط اتجاه العالم إلى تبني برامج التلقيح، فإن هذه التقنيات من المحتمل أن تضر بالبيئة، وبخاصة النباتات والحيوانات، ويحذّر علماء من خطورة انبعاثات يوديد الفضة على البشر والثدييات الأخرى في حالة التعرض المكثف أو المزمن، لكن مع ذلك، أظهرت العديد من الدراسات عدم وجود آثار بيئية وصحية وافترضت أن سمية الفضة ومركباته منخفضة.

غير أن وكالتَي الخدمات الصحية وحماية البيئة في الولايات المتحدة اتجهت محملة بمخاوف مشابهة إلى إجراء دراسات تتعلق بمخاطر المركب الكيماوي على البيئة وصحة الناس بعد أن نُشر ما يقارب 3000 طن من الفضة في البيئة الأميركية عام 1978. وطبقت الوكالتان وغيرها من المنظمات الحكومية الأخرى قانون المياه النظيفة لعامي 1977 و1987 لفرض لوائح تسري على هذا النوع من التلوث.

ويُخشى أيضاً من أن تؤدي مساعي تعديل الطقس إلى انقلاب على الأنماط المناخية الموجودة على الأرض، أي أن المواقع الجغرافية الرطبة قد تواجه مغبة الجفاف بسبب انتشار المركبات الكيماوية في الغلاف الجوي، كما أن انبعاثاتها قد تسهم في تآكل طبقة الأوزون.

هذه المخاوف دفعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى مناقشة تقنيات تعديل الطقس وتأثيراتها، ودعت في تقرير لها عام 2015، إلى توخي الحذر أثناء الجهود العالمية لتطبيق إستراتيجيات تلقيح السحب، مشيرة إلى الصعوبات التاريخية في إثبات أسباب هذه التدخلات ونتائجها.

ومن مخاطر الاستمطار الصناعي أنه بمجرد إطلاق المواد الكيماوية في الغلاف الجوي، لن تكون هناك قدرة بشرية على التحكم بنوع الطقس الذي سيتشكل، لذلك من المحتمل أن تؤدي العملية إلى أمطار غزيرة تتسبب بفيضانات، كما حصل في الصين، وتصبح المسألة أكثر تعقيداً إذا تساقطت كميات هائلة من المطر على مناطق تفتقر بنيتها التحتية غير المتسقة مع مناخ ممطر، إلى نظام لاحتواء أزمات السيول والفيضانات، وبالتالي وقوع خسائر جسيمة في الممتلكات العامة والحقول الزراعية.

عوائد اقتصادية وإنسانية

وعلى الرغم من الطبيعة المعقدة لنظام الطقس التي تجعل من فهم برامج تلقيح السحب التي تتبناها أكثر من 50 دولة حول العالم مهمة صعبة، فإن فوائد تقنيات تفريق الضباب، وتعزيز هطول الأمطار والثلوج، تبدو واضحة في المناطق الأكثر تأثراً بالجفاف، فالتحكم بالطقس من شأنه تقليل آثار التغير المناخي الذي يعد أحد أسباب المجاعة في العالم، إذ هناك أكثر من 800 مليون شخص يعاني من تدهور الوضع الغذائي بسبب قلة المياه وعدم صلاحية الأراضي للزراعة، فيما سيساعد الاستمطار الصناعي على إنتاج المزيد من المحاصيل وإحياء المناطق غير المؤهلة، بالإضافة إلى تقليل تلف المنتجات.

وسيكون بيع كميات وافرة من المحاصيل الزراعية ذات الجودة العالية نتيجة كثرة الأمطار أحد العوائد الاقتصادية، وعلى الصعيد السياحي، فستزداد المناطق المرغوبة للسكن أو للزيارة بفضل تقنيات تعديل الطقس التي ستلعب دوراً في جذب السياح، وزيادة تدفق العملات الأجنبية على البلدان النامية، وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان المحليين.

نماذج لزيادة الأمطار وتجنب الفيضانات

وتعتبر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الاستمطار الصناعي يساعد الدول على تحسين وضعها الاقتصادي، بزيادة مخزون المياه المستخدم في الزراعة، وأيضاً استخدامها في تعديل المناخ، وتستخدم تقنياته في دول كثيرة منها الصين التي تملك أكبر برنامج في العالم، والولايات المتحدة التي تنفرد بأدوات متطورة في المناطق الجافة، والهند التي تعاني من الجفاف وشح الموارد المائية، وبرزت أخيراً دولة الإمارات كإحدى البلدان العربية الرائدة في هذا المجال.

تاريخياً، لجأ جيش الاتحاد السوفياتي إلى توظيف الاستمطار الصناعي لمنع الجسيمات المشعة العالقة بالسحب من الوصول إلى موسكو، لتجنب تداعيات كارثة مفاعل تشرنوبيل النووي عام 1986، حين تم التضحية بـ 4000 ميل مربع من بيلاروسيا لضمان سلامة العاصمة الروسية، بحسب آلان فلاورز، عالم في جامعة بريطانية، يزعم أن تكنولوجيا الحرب الباردة استخدمت لتلقيح السحب وإنتاج أمطار ملوثة حتى لا ينتشر الإشعاع في موسكو.

وفي جاكرتا، استخدم الاستمطار الصناعي لتفريق الغيوم تحسباً لفيضانات شديدة في عام 2013، ومرة أخرى لمواجهة الجفاف وتزايد عدد السكان في منطقة صحراوية. واقتحمت الكويت قبل 4 سنوات ممثلة في الهيئة العامة للبيئة هذا المجال، وفي جعبتها 27 محطة رصد جوي حديثة، تحت إشراف المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، لزيادة معدل الأمطار، مدفوعةً بأمل في أن يقل الغبار في مناخها الصحراوي.

وآخر الدول الخليجية تطبيقاً للاستمطار الصناعي بشكل رسمي كانت السعودية، حيث وافقت الحكومة في فبراير (شباط) 2020، على برنامج بهذا الشأن تديره وزارة البيئة والمياه والزراعة، ونشرت القناة الإخبارية الرسمية، مقطع فيديو يوضح عملية الاستمطار، لافتة إلى أنها "لا تولد الأمطار وإنما تساعد في فرص هطولها"، في إشارة ضمنية إلى الجدل الديني حولها.

ومع ذلك، فإن السعودية المعروفة بطقسها الجاف، دخلها الاستمطار قبل نحو 30 عاماً، في تجربة نُفذت في منطقة عسير جنوب البلاد، وشاع المفهوم إعلامياً عام 2006، إبان البدء بالتجربة الأولى في مناطق الرياض والقصيم وحائل، وبحسب خبير الأرصاد عبد الله المسند، فإن مواقف الناس من التقنية آنذاك "جاءت متباينة ما بين قبول ورفض".

التجربة الإماراتية

نظراً إلى التكاليف الباهظة لتحلية المياه، اتجهت السلطات الإماراتية إلى إستراتيجيات تلقيح السحب كبديل مثالي منخفض التكلفة، وتُعتبر الإمارات اليوم واحدة من أوائل الدول الخليجية التي تستخدمها على نطاق واسع، إذ يشكّل شحّ المياه فيها تحدّياً كبيراً في ظل انخفاض إمدادات المياه الجوفية التي يبلغ عمرها 10 آلاف عام، ومن المتوقع أن يتضاعف الطلب على المياه في السنوات القليلة المقبلة، وفقاً لتقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

ونجح المشروع الذي بدأ في يوليو (تموز) 2010 بتكلفة 11 مليون دولار، في صناعة عواصف ممطرة في صحارى دبي وأبوظبي، وأُطلقت قبل عقدين ونصف العقد جائزة الإمارات للتميز في تطوير علم وممارسة تعديل الطقس بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وأدرجت الجائزة لاحقاً في برنامج البحث الدولي لعلوم تعزيز المطر.

وتستقطب مبادرة علوم تعزيز المطر التي أسست عام 2015 برأسمال 5 مليارات دولار، باحثين ومؤسسات عالمية متخصصة بهذا المجال، تحت إشراف المركز الوطني للأرصاد الجوية في الإمارات، ومن بين أهدافها الرئيسية، تعزيز البحث في تحسين الأمطار في جميع أنحاء العالم، وزيادة هطول الأمطار في المناطق القاحلة وشبه القاحلة الأخرى، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمارات في تمويل البحوث والشراكات البحثية.

يقول عبد الله المندوس، رئيس الاتحاد الآسيوي للأرصاد الجوية، في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إن تشجيع الإمارات للبحث والابتكار في التقنيات الجديدة يأتي لمواجهة تحديات شحّ المياه، إذ يبلغ معدل هطول الأمطار السنوي نحو 100 ملم سنوياً، ويؤكد بأن الهدف الرئيس من عملية زيادة كميات الهطول السنوية هو زيادة المخزون الإستراتيجي من المياه الجوفية.

وأوضح المندوس، الذي يدير مركز الأرصاد بدولة الإمارات، أن الاستمطار كغيره من المجالات الناشئة التي مازالت بحاجة إلى الكثير من البحث والتطوير، مبيناً أن برنامج علوم الاستمطار المائي، ساهم في تأسيس أرضية جديدة بفضل جهود باحثين، حصلوا على منحة البرنامج، وخرجوا بمنهجيات علمية وتكنولوجية مبتكرة يمكن تطبيقها في المناطق المعرضة لشحّ المياه حول العالم.

وبدأ العمل المتطور يأخذ مجراه بالفعل مع إدخال خوارزميات ومفاهيم جديدة تحسن فهم هطول الأمطار، واتجهت السلطات أيضاً إلى استخدام تقنيات النانو لتحسين عمليات التكثف داخل السحب، وتحليل عمليات تشكل البلورات الثلجية في السحب الركامية، إضافة إلى تعديل الخصائص الكهربائية للسحب، ودراسة دور الجسيمات الدقيقة في تحسين هطول الأمطار. كما اجتاحت الطائرات من دون طيار عالم الاستمطار في عمليات تتطلب إجراء اختبارات على السحب وتحديد المناسب منها، ضمن مشروعات أخرى في التعامل مع اختبار صنع تيارات عمودية لتكوين السحب الممطرة، واعتماد المناهج التجريبية الرقمية المتقدمة.

ونفذت الإمارات خلال النصف الأول من العام 2019، 219 طلعة جوية لتلقيح السحب شملت أغلب مناطق الدولة موظفةً ومستفيدةً خلالها من الأبحاث والحلول المتطورة في مجال الاستمطار التي قدمها الحاصلون على منحة البرنامج، ويستند المركز الوطني للأرصاد في عمليات الاستمطار الصناعي التي ينفذها إلى شبكة رادارات جوية متطورة ترصد أجواء البلاد على مدار الساعة، تتبعها غرفة عمليات متخصصة ومرتبطة بفريق تنفيذي مكون من طيارين وفنيين قادرين على التجاوب السريع مع معطيات السحب القابلة للاستمطار وتنفيذ العمليات بدقة وكفاءة.