Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"النهار ليل والليل نهار" لجين هارلو الرواية التي تشرّدت على خطى كاتبتها

نسخة مبكرة من مارلين مونرو عاشت المآسي الهوليوودية و"انتقمت"

جين هارلو نجمة هوليوود الثلاثينات (موقع worldpress)

هي رواية بالكاد قرأها حفنة من الناس. وبالكاد احتفظ بعضهم بأية ذكريات عنها. وربما لم يتنبه معظمهم إلى أنها الرواية الوحيدة التي كتبتها مؤلفتها، على الرغم من أن لهذه الأخيرة شهرة هائلة في عالم الفن. والأدهى من هذا أن "النهار ليل والليل نهار" لم تنشر إلا بعد ربع قرن من موت المؤلفة، وحين نُشرت لم يهتم بها أحد. فهنا أيضاً خسرت جين هارلو معركتها غير المتكافئة مع مارلين مونرو. فهذه الأخيرة، حين جرى الكشف بعد ربع قرن من موتها عن أنها كاتبة بالإضافة إلى كونها نجمة النجمات، تبيّن أنها كاتبة موهوبة بالفعل، أما البائسة جين هارلو التي كانت في زمانها نجمة نجمات هوليوود أيضاً فكشفت أن كتابتها ضحلة إلى درجة أن زوج أمها حين حمل مخطوطة روايتها ودار بها من ستديو إلى آخر في هوليوود الثلاثينيات ليبيعها، لم يرض أي ستديو بنشرها. وكذلك حين راحت وريثة جين هارلو وصديقتها روث لويز هامب تعرض المخطوطة على الناشرين لإصدارها في كتاب لم يقبل أي ناشر تبنيها. والأدهى من ذلك كله أن الرواية حين نشرت أخيراً – مسلسلة في مجلة "مدموازيل" الأسبوعية، ثم في كتاب عام 1965- في محاولة للاستفادة الجدية من المكانة الطيبة التي جعلها لهارلو فيلم حُقق عن حياتها من بطولة الفاتنة كارول باكر، تمكنت الرواية من إفساد الأمر كله إذ حطّت بسرعة من قيمة الفنانة الراحلة، ولو من جراء الكتابات النقدية التي مسخت الرواية مسخاً، حتى وإن لم يفت بعض النقاد أن يقولوا إنهم "أحبوا الرواية على الرغم من كل شيء" كما فعلت الناقدة الإنجليزية كاساندرا باركين التي عبرت عن حبّها للرواية في مقال نشرته عام صدورها، ولكن بلغة ساخرة بيّنت طوال فقرات وفقرات ما في النصّ من "تهافت وافتقار إلى المنطق" مشيرة على أية حال إلى أن ما "أحببته في الرواية هو رغبة كاتبتها وهي في عزّ نجوميتها سنوات الثلاثين، في تمزيق سمعة هوليوود إرباً في نوع من تصفية حساب معها". ولقد سعت هارلو إلى ذلك من خلال حكاية روايتها التي تدور في هوليوود البدايات أي خلال سنوات العشرين في أوساط أرستقراطية صناعة السينما الفاحشة الثراء والمغمورة بالتفاهة في الوقت نفسها.

لو كان القلم قويّاً!

كان الموضوع جيداً، لكنه كان يحتاج إلى قلم قوي ولغة كانت هارلو تفتقر إليهما بالتأكيد. لكنها من ناحية أخرى، لم تكن تفتقر إلى العزيمة هي التي منذ العامين 1930 – 1931 كانت لا تكف عن إبداء رغبتها في الكتابة معلنة أنها حين تنجز روايتها ستكون قد أجهزت على تلك المدينة التي "تكاد تخنقني" بحسب ما كانت تقول خلال السنوات القليلة التي سبقت موتها في العام 1937، وكانت سنوات اشتغلت فيها بكل جدية على إنجاز الرواية التي لم ينجم عنوانها "النهار ليل والليل نهار" عن وصف حياة ليلية عاشتها النجمة – الكاتبة، بل عن مخادعة الزوجة بطلة الرواية لزوجها العجوز الأعمى بإقناعه أن الليل نهار والنهار ليل كي لا يعترض عليها حين تريد الخروج في أي وقت كي تعيش حياتها!

ضحيتان لهوليوود القاسية

مهما يكن لا بد من التذكير هنا بأن جين هارلو كانت خلال حياتها مالئة الدنيا وشاغلة الناس. مع أنها لم تكن حين رحلت عن عالمنا في يونيو (حزيران) 1937، قد تجاوزت السادسة والعشرين من عمرها، ومع ذلك فإن شهرتها طبقت الآفاق، وفاقت كثيراً شهرة الأفلام التي مثلت فيها. فبالنسبة إلى جين هارلو كانت حياتها ووجودها في هذا العالم هما السينما الحقيقية. أما السينما التي أدت فيها أدواراً، فلم تكن شيئاً بالقياس إلى تلك الحياة، إذ إنها لم تكن أفضل كثيراً من الرواية التي أرادت أن تنتقم بها من هوليوود. من هنا لم يكن من قبيل المصادفة، حين "انتحرت" مارلين مونرو، أن تستعاد ذكرى جين هارلو، ويجد الكثيرون أوجه تشابه كثيرة بين مصيرين لامرأتين كانتا، بشكل أو آخر، ضحـيتين من ضحايا هوليوود، وهنا في هذا السياق قد يكون من المنطق أيضاً أن نرى وجوه شبه كثيرة بين تينك النجمتين الشقراويتين الإستثنائيتين.

فالحال إن "مآسي" النجوم الكبرى، قبل مأساة جين هارلو، كانت مجرد حكايات الطلاق أو الموت أو فشل فيلم، أو الفشل في الوصول إلى تطلع ما. من هنا كانت صورة النجوم عند الناس العاديين صورة سادة الأولمب الكبار الذين لا يمكن لأي عنصر بشري أن يقلل من أهميتهم. أما الموت فإنه حين يأتي يزيد الأسطورة أسطورة فيظل النجم نجماً حتى بعد رحيله، تشهد على ذلك الحكايات المثارة عنه، وأفلامه، وإعجاب المعجبين به وتبجيلهم إياه. أما بالنسبة إلى جين هارلو فلقد اختلف الوضع تماماً، وأفاق الناس أمام مآسيها على واقع أن النجوم مهما علوا وحلّقوا هم بشر في نهاية الأمر، قد يموتون كالأساطير وقد يحققون نجاحات خرافية، لكنهم يمضون إن انكشف الستر عنهم حياة عادية ظالمة خاسرة توردهم موارد الهلاك مثلما يحدث لغيرهم من عباد الله الصالحين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتذكرونها في المآسي فقط

جين هارلو، بحياتها القصيرة وعلاقتها الساخنة بوالدتها المنتمية إلى طائفة مسيحية محظورة ومتعصبة، وبزوج والدتها السكير أبداً، جين هارلو بجمالها الصاخب الذي جعلها تلقب بـ "الشقراء البلاتينية"، ونجاحها السريع الذي أوصلها إلى قمة ما وهي بعد في النصف الأول من عشريناتها، وزيجاتها الثلاث، ثم بخاصة ما شاع عن علاقتها المباشرة بانتحار زوجها الثاني المنتج بول برن، الذي آثر أن يضع حداً لحياته بعد أسابيع من زواجه بها. وأخيراً جين هارلو بموتها وهي بعد في شرخ صباها من جراء تسمم بسيط آثرت والدتها بسبب جمود عقيدتها الدينية ألا تدع الأطباء ينقذونها منه مفضلة لها الموت على مشارح الأطباء. جين هارلو هذه، كانت أول نسف حقيقي لأسطورة النجومية في هوليوود. فهذه الفاتنة التي أحبها الملايين وراحوا يتدفقون على مشاهدة أفلامها، على الرغم من رداءة معظم تلك الأفلام وعلى الرغم من أن هارلو لم تكن ممثلة جيدة بأي حال من الأحوال، هذه الفاتنة تبين خلال سنوات حياتها الأخيرة وبعد موتها المفاجئ أنها تمثل النجمة - المضادة خير تمثيل، بخاصة أنها أسقطت مفهوم النجمة المكوكبة البعيدة، من عليائه. ولهذا ندر أن تذكّر أحد جين هارلو إلا حين تصيب هوليوود مأساة ما. ومن هنا االقول إنها كانت ستكون كاتبة أفضل لو اكتفت بسرد حياتها في سنواتها الأخيرة بدلاً من "اختراع" تلك الرواية البائسة.

يبقى أن نشير هنا إلى ظاهرة طريفة تتعلق بهارلو، وهي أن الفيلمين اللذين حققا عن حياتها أواسط الستينيات (وتحديداً بعدما عاد اسمها للظهور إثر رحيل مارلين مونرو) كانا أكثر شهرة ونجاحاً من الأفلام كافة التي مثلتها، إذ إن الناس حين يتذكرون جين هارلو، إنما يتذكرونها تحت ملامح الممثلة كارول بيكر التي مثلت دورها في الفيلم الأفضل بين ذينك الفيلمين، لا تحت ملامحها الحقيقية.

لا بد أن نذكر أخيراً أن جين هارلو كانت واحدة من أولى الممثلات الأميركيات غير "المستوردات"، وأنها ولدت العام 1911 في كانساس سيتي، ولعبت العديد من الأدوار الثانوية في أفلام شابلن ولوريل وهاردي ولوبيتش قبل أن يكتشفها هوارد هيوز ويوفر لها بطولة قادتها إلى العمل في أفلام كان من أبرزها "ملائكة الجحيم" (1930)، "عدو الشعب" (1931)، "الغبار الأحمر» (1932)، "العشاء في الثامنة" (1933)، "بحار الصين" (1935)، وكانت تقوم ببطولة فيلم "ساراتوغا" إلى جانب كلارك غايبل حين مرضت وماتت في 1937.

المزيد من ثقافة