Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أبدع بيتهوفن أوبراه الوحيدة من رحم لؤم "دون جيوفاني"؟

"فيديليو" تصفي حساب الفنان مع موتسارت وبونابرت معاً!

من تقديم معاصر لأوبرا "فيديليو" (موقع المسرحية)

في واحدة من أجمل حلقات سلسلته التلفزيونية المميزة "الحضارة" التي افتتحت في بريطانيا، ولدى محطة "بي بي سي" تحديداً عالم البرامج الثقافية الكبرى في سبعينيات القرن العشرين، يتحدث الكاتب الإنجليزي كينيت كلارك عن "الدافع الأساس" الذي حدا بالموسيقي الألماني بيتهوفن، حين كان لا يزال بعد شاباً، إلى كتابة تلك الأوبرا التي لم يكتب سواها طوال حياته ومساره الفنيين، "فيديليو"، وإن كان ثمة من يعتقد أنها كانت واحدة من عملين أوبراليين أبدعهما باعتبار أن العمل الثاني هو "ليونور". والحقيقة أن "ليونور" ليس سوى العنوان الأول لـ"فيديليو" نفسها قبل أن يبدل بيتهوفن هذا العنوان إلى الأخير الذي استقر عليه، لا سيما بعد العرض الأول الذي أتى كارثياً لـ"ليونور".

الفرنسي الذي خيّب أمل الألمان

المهم أن حكاية كينيت كلارك التي لم تكن معروفة بما يكفي قبل أن يوردها، ولم تجد من يناقضها بعد ذلك، تقول إن بيتهوفن لم يكن في الأصل رجلاً يهتم بالسياسة أوائل القرن التاسع عشر، وكان بعد لا يزال في أواسط العشرينات من عمره، لكنه كان شديد الاهتمام بما يفعله الفرنسي بونابرت على خطى الثورة الفرنسية وأفكارها التحررية، ومن هنا لم يتردد بأن يكتب سيمفونية بأسرها للاحتفال بانتصارات بونابرت، ومجده الأوروبي الكبير سائراً في هذا على خطى اثنين من كبار زمنه، غوته، وهيغل اللذين رأيا في القائد الفرنسي محرراً حقيقياً للشعوب. ولكن، وكما كان الأمر مع هذين، سرعان ما تبين لهؤلاء الألمان أن الجنرال الفرنسي يسير في طريقه إلى الدكتاتورية، واستعباد الشعوب، وخوض الحروب، واقتراف المجازر، فتراجعوا عن تأييده. بل إن بيتهوفن كاد يمزق نوطات السيمفونية الثالثة التي كتبها لمجد "البطل" لكنه اكتفى – لحسن الحظ – بتبديل عنوانها بحيث لم تعد لها علاقة ببونابارت.

في الوقت نفسه قُيّض للموسيقي الألماني الشاب أن يشاهد في فيينا واحداً من العروض الأولى لأوبرا موتسارت "دون جيوفاني". وهو لئن كان أُعجب بالجانب الموسيقي من العمل الكبير، فإنه في الوقت نفسه شعر بغضب واستياء كبيرين إزاء ما اعتبره "الجانب اللاأخلاقي" في ما تحمله الأوبرا من لؤم. لقد صدم هذا الجانب أخلاقيات بيتهوفن، وبالتالي اتخذ قراره بأن يرد على أستاذه الكبير بعمل موسيقي يضاهي "دون جيوفاني" قوة، من الناحية الفنية، لكنه يناقضه تماماً من الناحية الأخلاقية، ومن هنا كما يقول كينيت كلارك ولدت أوبرا "ليونور" التي سيكون عنوانها بعد ذلك وإلى أبد الآبدين "فيديليو" وتُعتبر بالتالي العمل الأوبرالي الوحيد الذي لحنه بيتهوفن طوال حياته الخصبة.

التلميذ يناقض أستاذه

على هذا النحو وُلد إذاً ذلك العمل الفني الذي جاء حقاً من الناحية الفكرية والسياسية نقيضاً لأوبرا موتسارت. فإذا كان بيتهوفن قد انطلق من رغبته في أن يكتب عملاً يناهض به "دون جيوفاني" من الواضح أن المناهضة كانت في المعنى لا في المبنى. فهنا ليس لدى بيتهوفن ثمة أدنى مكان للؤم أو السخرية أو تصوير الصراعات بين الأخلاق وضروب الفساد . ما لدينا هنا عمل عن الحرية والتضحية في سبيلها، ما يعني أن بيتهوفن، من خلال رغباته الفنية الأخلاقية الخالصة، عرف في الوقت نفسه كيف يصفي حسابه ليس فقط مع موتسارت، وإنما أيضاً مع الجنرال الفرنسي معبّراً عن خيبة أمله فيه. ففي الحقيقة، إن كل ما في هذا العمل الفني الكبير إنما يتناقض مع كل ما كان يمثله نابوليون بونابرت. وبهذا يكون بيتهوفن قد ضرب عصفورين، كبيرين بالتأكيد، بحجر واحد، فيما يكون الباحث الإنجليزي، وفي لحظة تلفزيونية نادرة في ذكائها، قد كشف السرّ الحقيقي الكامن في خلفية واحد من الأعمال الموسيقية الكبيرة التي حملت توقيع بيتهوفن، واعتبرها كثر العمل الذي مهّد في بعض لحظاته لتلك اللحظات الكبرى التي طبعت رائعة هذا الفنان نفسه "السيمفونية" التاسعة، التي أوصلت الموسيقى إلى ذروتها في ذلك الجزء الختامي منها الذي يمثله أوراتوريو "نشيد إلى الفرح" الذي لحنه بيتهوفن عن قصيدة شيلر الرائعة، واختاره الأوروبيون بعد ذلك بقرنين نشيداً جامعاً لهم.

موسيقى من أجل الحرية

بعيداً من المعاني السياسية، وحتى من موضوع تصفية الحسابات مع موسيقي معلّم أو مع عسكري فرنسي، وبصرف النظر عن فشل "ليونور" أو النجاح الجزئي الذي كان من نصيب "فيديليو" ليس ثمة ما يمنع من اعتبار هذه الأخيرة عملاً كبيراً، من الناحية الموسيقية. ومن الواضح أن بيتهوفن، في وضعه ألحان هذا العمل الاستثنائي، بدا وكأنه من ناحيةٍ يقدم جرد حساب بكل ما كان أنجزه من موسيقى حتى ذلك الحين، ومن ناحية ثانية، يمهد الطريق لإنجازاته المقبلة. والمهم هنا هو أن بيتهوفن لم يكن كتب قبل "فيديليو" سوى سيمفونيته الأولى، أما بعد "فيديليو" فإنه كتب السيمفونيات الباقية، وصولاً إلى "التاسعة.

لكن أحداث "فيديليو" ليست كثيرة، ولا هي شديدة التشابك. أما موضوعها الأساس فهو "الحرية". ومن هنا، لم يكن غريباً أن تدور أحداث "فيديليو" داخل السجن، وأن تنتهي بوصول شخصياتها إلى حريتهم، وبانتصار الحق على الظلم. صحيح أن "الحاكم العادل" هو الذي يحسم الأمور في النهاية، غير أن هذا الحسم ما كان يمكن له أن يكون، لولا النضالات الصغيرة التي يخوضها الناس البسطاء والطيبون مضحين بحياتهم وراحتهم من أجل حرية غيرهم وسعادتهم.

بدءاً من حكاية حب

يدور الفصل الأول في باحة السجن في إسبانيا، حيث تبدأ الأحداث بحكاية غزل ورفض بين مارسيلين ابنة السجان روكو، والحارس ياكوينو. ترفض مارسيلين حب هذا الأخير لها لأنها مغرمة بفيديليو، الموظف الجديد الذي عيّنه أبوها في السجن. وفي زنزانة في السجن نفسه يقبع سجين هو فلورستان ضحية ظلم الحاكم بيتزارو. والحاكم يطلب من روكو ذات يوم أن يقتل فلورستان، لكن روكو يرفض، فيقرر بيتزارو أن يقتل فلورستان بنفسه. فيديليو ينصت إلى الحديث بين الرجلين، ويعرف بما يدبره بيتزارو. أما نحن، المتفرجين، فسرعان ما نعرف أن فيديليو ما هو في الحقيقة إلاّ زوجة فلورستان الوفية ليونور، التي تتنكر في زي رجل لكي تحاول إنقاذ زوجها. وهذا ما نكتشفه في مشهد غنائي رائع تعبر فيه ليونور عن خوفها وغضبها ولكن أيضاً عن ثقتها بالعناية الإلهية. وإذ ينضم السجناء إلى ليونور في الباحة، وهي من يأسها تغني أغنية وداع الحرية، يردد السجناء صدى أغنيتها في كريشندو مريع يُختتم الفصل الأول. وهنا، بعد فاصل موسيقي وضع فيه بيتهوفن جزءاً كبيراً من حساسيته الموسيقية، ينتقل بنا الفصل الثاني إلى زنزانة فلورستان الذي يتأهب لاستقبال الموت، وتدخل عليه ليونور في ثياب فيديليو، وروكو ليحفرا قبره.

وبين فلورستان وزوجته تدور أغنية ثنائية، سرعان ما ينضم إليهما روكو، وتتخذ الأغنية طابعاً تراجيدياً مريعاً، لكنه لا يخلو من التعبير عن الكرامة الإنسانية. وإذ تصل هذه الأغنية إلى ذروتها، يصل الحاكم بيتزارو، وقد قرر أن يقتل السجين بنفسه. وهنا تكشف ليونور عن حقيقة شخصيتها، وتشهر مسدسها في وجه الحاكم مهددة إياه، في اللحظة التي ترتفع في الخارج أصوات الأبواق معلنة وصول الوزير الذي يأتي ليتفقد أحوال السجناء. ويضطر بيتزارو إلى الخروج مع روكو لاستقباله، فيما ينشد فلورستان وفيديليو نشيد الحب والحرية، معاً. وفي الباحة، في اللوحة الأخيرة، يخرج السجناء يحيّون الوزير، فيما روكو يروي إلى هذا الأخير ما فعلته ليونور من أجل زوجها الذي هو صديق الوزير. وفيما يقاد بيتزارو في اللحظات الأخيرة إلى حيث سيلقى عقابه، تنطلق في الأفق أصوات جماعية تنشد من حول ليونور وفلورستان نشيد الحب الزوجي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الثالثة ثابتة

على رغم أن المؤرخين والباحثين يقرون لهذا العمل بروعته – الموسيقية - اليوم، فإن استقبال هذه الأوبرا من الجمهور كان سيئاً حين عرضت باسم "ليونور" للمرة الأولى في العام 1805. وبيتهوفن استند في كتابة العمل إلى نص من تأليف بويي كان سبق لموسيقيَّيْن قبله أن لحناه. سوء استقبال الجمهور لأوبرا "ليونور" دفع بيتهوفن إلى تعديلها مرتين، بمساعدة بروتنغ مرة وبمساعدة تيتشكي مرة أخرى. وفي المرة الأخيرة أُعطيت اسم "فيديليو" فحققت حين عرضت نجاحاً كبيراً. ومن المعروف أن بيتهوفن كان كتب لهذه الأوبرا ثلاث افتتاحيات، ثم أضاف رابعة حين حملت الأوبرا عنوان "فيديليو".

عندما كتب بيتهوفن "فيديليو" كان في الخامسة والثلاثين من عمره وكان بدأ يحقق نجاحاً كبيراً في فيينا حيث قاد بنفسه سيمفونيته الأولى فاستقبلها الناس بتصفيق شديد. لكن الرجل بدأ في الوقت ذاته يسأم المجتمع، إذ أخذ يستبد به الصمم، وتبين له أن حاله ستتدهور أكثر. وقد كتب بيتهوفن، على هامش "فيديليو" بعض أروع أعماله مثل "الكونشرتو الرابع" و"الكونشرتو الخامس" للبيانو، و"كونشرتو الكمان" الذي يعتبر حتى اليوم من أجمل ما كتب في هذا المجال. ويمكن بالطبع للمستمع إلى "فيديليو" أن يعثر على أصداء هذه الأعمال كلها في ثناياها.

المزيد من ثقافة