Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تصاعد التوتر في الأزمة الليبية إقليميا وحالة الاستنفار العسكري

مصر لجأت إلى تقنين التفويض العسكري عبر مجلس النواب لضمان موقف المجتمع الدولي

انتهاك حقوق الملاحة بـ"البحر المتوسط" ومصالح الطاقة وراء تحرك المجتمع الدولي  (رويترز)

يعد تفويض مجلس النواب المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي بالتدخل العسكري في ليبيا موافقة سياسية ضمنية بهذا الشأن، وهو أمر له العديد من التبعات سواء كان ذلك على مستوى الداخل المصري أو التحركات الإقليمية.

الداخل المصري

أولاً، مجلس النواب المصري منذ انتخابه لم يكن له دور كبير في ملفات السياسة الخارجية، ولكن ما حدث من تفويض بالتدخل العسكري في ليبيا ليس له علاقة بالدور السياسي لمجلس النواب، على قدر ما له علاقة بحالة التصعيد بين مصر وتركيا على أرضية الأزمة الليبية. فمصر وتركيا، وفقاً للمعطيات الموجودة على أرض الواقع لا يرغبان في الدخول بمعارك مباشرة جنوب المتوسط، ولكن تسعى كل دولة لحشد دعم سياسي لتحركاتها العسكرية. وهنا نتحدث عن صناعة موقف سياسي في دول مؤسسية، وليس الحاجة إلى التدخل العسكري.

ثانياً، قلّ ما تلجأ القوات المسلحة المصرية إلى تفويض من المؤسسات السياسية، كونها معنية برعاية الأمن القومي المصري في المقام الأول. وبالتالي يجب أن نسأل، لماذا لجأت القوات المسلحة المصرية للحصول على تفويض من مجلس النواب في هذا الوقت تحديداً؟ والإجابة هي ضرورة التنسيق بين ما هو سياسي وما هو عسكري بالمشهد الليبي في الوقت الحالي. فالإدارة السياسية في مصر ترى أن الحصول على موافقة المجتمع الدولي أحد أهم أسس شرعية النظام، ولذا، يجب أن يكون هناك شكل سياسي للتدخل العسكري يعلن دعماً شعبياً بشكل ديمقراطي، وبالتالي كان اللجوء لتفويض من مجلس النواب نوعاً من رعاية المصالح المصرية بشكل لا يعترض عليه المجتمع الدولي، ولا يصل للرأي العام أن مصر تنتهك ما يصدر عن المجتمع الدولي من قرارات، حيث إن الدولة المصرية غير راغبة في ذلك.

التواصل مع أوروبا

بدأت مصر في التواصل مع الفاعلين بمنطقة المتوسط الرافضين للتدخل التركي، وعلى رأسها قبرص واليونان وفرنسا، وبدأ التوتر مع أنقرة يزداد من خلال حلف الناتو، وتقديم شكوى من قبل باريس في الاتحاد الأوروبي. كما صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن فرنسا لن تصمت على التدخلات التركية في المتوسط، وهذا بعد اجتماع مع الرئيس القبرصي.

هنا يمكن الإشارة إلى أن مصر من خلال جهودها الدبلوماسية نجحت في خلق أرضية جديدة للتحرك الدولي بشأن الأزمة الليبية. فما حرك المجتمع الدولي، بخاصة الدول الأوروبية، فرنسا واليونان وإيطاليا وقبرص وألمانيا، لم يكن الملف الليبي أو الأمن الحدودي الذي تهتم به مصر كثيراً، بل كان انتهاك حقوق الملاحة في البحر المتوسط من قبل تركيا، وهو ما يرتبط أساساً بالمصالح المتعلقة بالطاقة في المنطقة، خصوصاً الغاز الطبيعي الذي يُعد المتوسط أحد المواقع الغنية به.

رد الفعل التركي والولايات المتحدة الأميركية

رد الفعل التركي كالعادة لم يعبأ بحجم التصعيد في المجتمع الدولي، ولا يزال يعول على دعم ومساندة الولايات المتحدة كون تركيا حليفاً لها بالمنطقة. وكان رد الفعل التركي هو إرسال سفينة للتنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية بسواحل ليبيا الغربية، واستمرار الإمدادات العسكرية لقوات حكومة الوفاق، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً لقرارات مجلس الأمن، والاستعداد أو الاقتراب العسكري من الخط الفاصل بمدينة سرت، وهي المدخل للهلال النفطي في ليبيا.

الجدير بالذكر، أن أغلب الأسلحة التي أرسلتها تركيا إلى ليبيا أميركية الصنع. وعلى الرغم من أن تركيا دولة تقوم بتصنيع السلاح، فإنها تعد أحد أكبر عملاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وهو من الممكن أن يدفع لوبي تجارة السلاح بالداخل الأميركي لدعم تركيا في مواقفها، بخاصة في ظل كونه لوبياً قوياً بالداخل الأميركي، واقتراب الولايات المتحدة من انتخابات رئاسية جديدة في إطار التضارب الداخلي القائم بالحزبين الديمقراطي والجمهوري.

الاستعدادات العسكرية

في ظل هذه الأجواء من التوترات السياسية المتصاعدة، هناك حالة من التأهب لمواجهة عسكرية محتملة، ولكن تظل الأدوات السياسية هي الفاعل الرئيس في الوقت الحالي. على الرغم من التنسيق الكبير بين كل من مصر وفرنسا وقبرص واليونان في إجراء مناورات عسكرية ملاحية جنوب وشرق المتوسط، الذي من المفترض أن يستمر في المنطقة خلال الفترة المقبلة. فوضع الأزمة الليبية والتدخل التركي بها على أرضية أمن منطقة المتوسط جعل العديد من القوى الدولية يبدأ في الاهتمام بالشأن الليبي، وعلى رأسها برلين على سبيل المثال وليس الحصر. ألمانيا طالما كانت مهتمة بالتحولات السياسية في الملف الليبي نظراً لسياستها الداخلية للتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي تدفع برلين ثمنها سياسياً خلال الآونة الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بالملف السوري، وأيضاً ملف التحول الديمقراطي في الدول التي تتعاون معها ألمانيا. وبالتالي باتت الأخيرة تساند الموقف الفرنسي ضد التدخل التركي في ليبيا، على الرغم من أنها ليست من دول المتوسط وليست لديها مصالح مباشرة بالداخل الليبي، ولكنها مهتمة بموقعها في التوازنات الدولية.

وبالرغم من تلويح مصر بقدراتها العسكرية من خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للقاعدة العسكرية التي تقع على الحدود الغربية أقصى شمال غرب مصر، لكنه من غير الممكن الجزم بأن مصر تستعد لتدخل عسكري مباشر على الأراضي الليبية، ولكنها تحشد قدراتها العسكرية لأسباب سياسية خلال المرحلة الحالية. هناك أيضاً حالة من الحشد العسكري تشهدها دول المتوسط مثل اليونان وفرنسا، وهذا لا يعني بالضرورة نية التدخل، ولكنه يعبر بقوة عن المشهد السياسي في الوقت الراهن فيما يتعلق بالملف الليبي. خصوصاً أن الجيش الوطني الليبي في المنطقة الشرقية يقوم هو الآخر بمرحلة استعداد عسكرية، وعلى التوازي، تفعل قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا المثل في الغرب الليبي. وبالتالي، من الممكن تلخيص المشهد الحالي في ليبيا كحالة من الاستنفار العسكري بانتظار قرار سياسي للتقدم، وهو ما لا يزال حوله الكثير من الجدل بين الدول المعنية.

غموض الموقف الروسي

هناك حالة من عدم اليقين في المجتمع الدولي بخصوص التحركات بالمشهد الليبي، على الأصعدة السياسية والعسكرية. ولا تزال مواقف كل من الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، غير واضحة بشأن الملف، فهناك الكثير من الحسابات التي يجب الرجوع قبل إليها قبل أن تتحرك هذه الدول سياسياً وعسكرياً، بينها معضلة صدام مصر مع تركيا. فمصر وتركيا من داعمي مصالح الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، فهما حليفان على مستوى استراتيجي. وروسيا لها العديد من المصالح المشتركة مع مصر، مثل الاستثمارات الاقتصادية والتسليح، ولكن لها أيضاً مصالح مع تركيا، وبالتحديد في توترات منطقة البلقان. وبين هذا الموقف وذاك، يمر المجتمع الدولي بحالة من البطء في صنع القرار، وهي حالة وفقاً للمعطيات، لن تنتهي قريباً. النقطة الأكثر أهمية هي ضرورة تذكر الخلاف السياسي بين النظام المصري والتركي منذ عام 2013، وهو ما يؤدي إلى المزيد من التأجيج للوضع المشتعل في ليبيا. وفي النهاية، يظل الشعب الليبي هو الخاسر الأكبر في سياق تلك الحالة من التصعيد السياسي والاحتدام العسكري.

المزيد من تحلیل