Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر في مواجهة "عاصفة مكتملة"

تواجه قضية أمن قومي غرباً وشرقاً وقضية وجودية جنوباً وسط اضطراب الاقتصاد بالعالم

الإغلاق الذي فرضه كورونا أضر بخطط التنمية المستهدفة في مصر خلال 2020  (أ ف ب)

‏تواجه مصر أربع عواصف عاتية، تجعل الظرف الحالي في مسميات خبراء الأرصاد الجوية يصنف على أنه قريب من "العاصفة المكتملة"، لتعدد التحديات ومن اتجاهات مختلفة في آن واحد، بما لا يترك مساراً، أو مجالاً لتغير الطريق نحوه، ويفرض مواجهة المشكلات والتحديات مباشرة بحسم وحكمة للوصول إلى بر الأمان والاستقرار.

أول تلك العواصف هي انخفاض معدل نمو الاقتصاد العالمي وانكماش التبادل التجاري، وما لهما من تداعيات اقتصادية على المستثمرين والخدمات المرتبطة بانتقال السلع وتبادلها عبر الأسواق، ‏أو سفر السائحين من بلد لآخر، وجاءت تلك العاصفة في وقت كانت فيه مصر في أشد الحاجة لبدء طفرة اقتصادية بعد سنين عجاف اقتصادياً، ‏وبعد اتخاذها إجراءات اقتصادية صعبة على مواطنيها، من أجل خلق أرضية مناسبة للرواج الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، بخاصة حول منطقة قناة السويس وإعادة تنشيط أسواق مصر السياحية ‏والمرافق الخدمية لهذه الصناعة، بعد أن توقفت طويلاً نتيجة عدم الاستقرار السياسي والأمني المصاحب لظروف مصر من 2011 إلى 2013.

 وفجأة واجه العالم  فيروس كورونا، وفرض الجميع القيود على الحركة المجتمعية، بما لها من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي والمصري، ‏فتحول عام 2020 من بداية مرحلة انطلاق إلى مرحلة جديدة من الانكماش الاقتصادي، واضطرت مصر إلى الاقتراض مرة أخرى من صندوق النقد الدولي ‏مراعاة لظروف الطبقات الأقل ثراءً، فارتفعت المديونية الوطنية مرة أخرى، وهي تعمل على تطوير بنيتها ‏الأساسية من طرق واتصالات ومدن، أملاً في ‏طفرة اقتصادية سريعة مع تحسن الظروف في المستقبل القريب، مع بدء المجتمع الدولي استعادة عجلة الحياة الاقتصادية الطبيعية، علما بأن معدلات النمو الاقتصادي المستهدفة مصرياً حتى  قبل كورونا كانت طموحة وتقدر بـ8 في المئة ‏خلال العام على الأقل لمدة السنوات العشر المقبلة، بغية الحد من البطالة، واستيعاب الشباب الذي يدخل سوق العمل سنوياً في ظل معدلات نمو سكاني ارتفع إلى 3 في المئة سنوياً، إن لم تكن قد تجاوز ذلك، فقد تفاعلت الظروف الاقتصادية السلبية مع بعضها واحتدت العاصفة وأصبحت أكثر ذروة وخطورة.

وقد يرد البعض وعن حق، أن العالم كلة يواجه تلك المشكلات، وإنما تتضاعف وتتفاقم التحديات والمشكلات بالنسبة لمصر لأنها تواجه أيضاً عواصف أخرى في الوقت نفسه، وأعني بذلك المشهد السياسي والأمني الكارثي غرب البلاد في ليبيا، في غياب منظومة الدولة الليبية والمؤسسات ‏الوطنية، وانتشار المتطرفين والمرتزقة المنقولين من ساحات أخرى بخاصة من المشرق، في ظل سكون وإغفال دولي وعالمي، ‏فضلاً عن تبني تركيا أردوغان واليمين التركي نزعة وطنية وفلسفة أمن قومي بحرية جديدة حادة وخشنة، تحت مسمى "مافي فاتان أو الوطن الأزرق"، بطموحات واسعة في بحر إيجة والبحر الأسود وشرق البحر المتوسط، وتنطلق منه بقوة وبنظرة هجومية في شمال أفريقيا، بشكل موازٍ لما نشهده في المشرق العربي وشرق أفريقيا، سعياً للهيمنة على المنطقة، وتهدف في ليبيا إلى خلق المناخ السياسي والظروف الأمنية التي تشكل خطراً مباشراً على مصر، التي تحمّلها مسؤولية إفشال انتشار تيار الإسلام السياسي، فضلاً عن أنها نقطة الارتكاز الرئيس في منظومة الدولة الوطنية بالعالم العربي، التي تشكل عقبة أمام الجهود التركية لإعادة كتابة التاريخ واستعادة الأمجاد القديمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتلك العاصفة في الساحة الليبية تشكل خطراً على الأمن القومي المصري بشكل مباشر، مع الامتداد الطويل للحدود ‏الليبية المصرية والمخاطر الجمة من وجود دولة فاشلة في الجوار الجغرافي الغربي، كقاعدة انطلاق لجماعات مارقة ومعاديه لمصر، ‏مدعمه من دول مثل تركيا أو غيرها، وهي عاصفة إن لم يتم التصدي لها سريعاً وبعيداً عن الحدود المصرية تحمل في طياتها مشكلات وأخطار عديدة،‏ تجعل خيار التحرك ‏المبكر على غرار ما يتم مع الأمراض الخبيثة والقاتلة هو السبيل الفعال الوحيد، على أن يتم ذلك من خلال جهد سياسي ‏دولي يشمل روسيا وأوروبا وأميركا، بحيث تواصل مصر اتصالاتها مع تلك الأطراف الرئيسة، ومع الدول الدائمة في مجلس الأمن، وحدها أو في جهد مشترك مع ألمانيا أو حتى تنضم إليها الجزائر دولة الجوار الليبي والرئيس القادم لقمة الدول العربية، وذلك بغرض تحقيق الآتي:

1- وقف إطلاق للنار في المواقع الحالية.

2- تصوير المواقع من الأقمار الصناعية للدول العظمى كمرجعية لمجلس الأمن الأممي. 

3- تشكيل مجموعة مراقبين دوليين ومن الدول المجاورة لتأمين الحدود والسواحل والمطارات والموانئ لمنع تهريب السلاح والمرتزقة.

4- ترتيب مفاوضات للأطراف الليبية وفقاً لخلاصات قمة برلين وإعلان القاهرة.

والخيار السياسي هو الخيار الأفضل، وإنما يحتاج إلى تحرك سريع لأن استمرار الوضع على الأرض على ما هو عليه شبه مستحيل، مع تعدد الأطراف المارقة وغير المسؤولة في الساحة الليبية، والمتوقع أن تستغل التوتر الجيوبوليتيكي وتسعى لاستثماره لصالحها، مما سيفرض خيار العمل العسكري بكل مخاطره وحساباته الدقيقة كخيار أوحد، حفاظاً على الأمن القومي المصري.

والعاصفة الثالثة والكامنة لحظياً هي الواقعة شرق مصر، بتوقف عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وفي ظل مخاطر السعي للقضاء شبه الكامل على أمل حل الدولتين من خلال سياسات إسرائيلية لضم الأراضي  الفلسطينية، وهدم أسس عملية السلام، حيث من شأنها أن تزرع مرة أخرى بذرة الإحباط واليأس، وتولد سلسلة جديدة من العنف المتبادل الفلسطيني الإسرائيلي، تدفع ثمنها شعوب المنطقة لعقود طويلة مقبلة، بخاصة الفلسطينيين وفي الدول المجاورة لفلسطين وإسرائيل، وعلى رأسها الأردن ومصر وسوريا ولبنان، لذا أدعو لاجتماع قمة مصغر لمصر والأردن بحضور الرئيس الفلسطيني بالإضافة إلى من يرى الحضور من أعضاء جامعة الدول العربية لبحث ثلاث قضايا محددة ألا وهي:

1 - إجراء تقييم صريح وموضوعي لجدوى التمسك بالسعي لتحقيق حل الدولتين، أو وضع أسس جديدة للتحرك العربي حفاظاً على حق المواطن الفلسطيني في سياق الدولة الواحدة الفلسطينية الإسرائيلية، وإذا رأوا مواصلة السعي لحل الدولتين وضعوا خطة تحرك لمواجهة الجهود الإسرائيلية لضم الأراضي الفلسطينية وهدم أسس عملية السلام.

3 - بحث سبل إعادة الترويج لمبادرة السلام العربية لتكون أساس مفاوضات السلام إذا ما تم استئنافها.

4 - تنشيط جهود المصالحة الفلسطينية دعماً للموقف التفاوضي الفلسطيني

وأرى أن العاصفة الرابعة، هي المعضلة الخاصة بمفاوضات سد النهضة الأثيوبي، إزاء التعثر في إيجاد حلول تفاوضية ترضي مصر والسودان وإثيوبيا بعد مفاوضات مباشرة امتدت إلى ما يقرب من عقد كامل من الزمن، رغم عدم اعتراض مصر ‏أو السودان على طموحات إثيوبيا التنموية، ووجود وفرة في المياه بمنطقة دول المصب، ‏بما يكفي لتغطية الاحتياجات المائية لها جميعاً وغيرها، بخاصة إذا نُظر لمسألة المياه ومصادرها بشكل كامل، وتم الاحترام الكامل للقوانين الدولية المنظمة لاستغلال الأنهار العابرة للحدود.

وقد وصلنا إلى هذه النقطة الفارقة رغم التوقيع على إعلان مبادئ عام 2015، الذي ‏اعتبره البعض نقطة التقاء وانفراجه في المفاوضات، ‏وإنما للأسف أثبتت الأحداث والتطورات غير ذلك، وظلت الاختلافات ‏عالقة، نتيجة لتمسك إثيوبيا بمواقفها وقيامها ‏بممارسات تعكس أن الخلاف ليس حول جوانب فنية فحسب، أو حتى حول معدلات مرور المياه عبر السد، وإنما تقع أساساً حول تمسك إثيوبيا بأن تكون لها اليد العليا والوحيدة على النيل، لذا تتمسك بأن يترك الاتفاق الذي يتم التفاوض حولة حق التفسير والتعديل حسب الظروف لإثيوبيا وحدها، بخاصة بالنسبة لمعدلات تدفق المياه عبر السد، مما يخلق سابقة أولى في إدارة الأنهار عابره الحدود بأن يكون لدولة واحدة القرار السيادي والمستقل، ‏وغرض إثيوبيا في ذلك يتجاوز سد النهضة ويرتبط بمشروعات لبناء سدود أخرى.

وعقدت في الأيام الأخيرة مفاوضات تحت رعاية جنوب أفريقيا الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، وصدرت تصريحات وأقوال مختلفة ومتباينة وأحياناً من الأطراف المختلفة فتحدثت مصر والسودان عن أن هناك موافقة على أن يكون  للاتفاق المستقبلي طبيعة إلزامية، وتحدث السودان عن آلية فض المنازعات، واقتراح قدمه يفتح الباب لإثيوبيا لبناء المزيد من السدود طالما تم الالتزام في ذلك بقواعد القانون الدولي المنظمة، بما في ذلك الحصول على موافقة الأطراف الأخرى، بينما استمرت إثيوبيا في سياسة فرض الأمر الواقع، وأعلنت صراحة إنهاء الملء الأول للسد خلال المفاوضات ودون استئذان أي من الأطراف الأخرى، تأكيداً على حريتها في اتخاذ ما تراه من قرارات. وأضافت أن المياه أصبحت لها، وتجنبت التعرض لما اتفق عليه من عدمه، عدا أنه تقرر استئناف المفاوضات بين الأطراف المعنية، وكان لافتاً للنظر أنها اختارت في هذا التوقيت بالذات تبادل الزيارات مع دول علاقاتها متوترة مع مصر.

وسبق لي أن اقترحت في مقالات سابقة آلية متدرجة لإدارة السد، وأخرى لحل المنازعات من خلال إنشاء آلية تحكيم ثابتة تحسم في الاختلافات بشكل سريع وملزم، سعياً للتوصل إلى حلول توافقية من خلال التفاوض السياسي، إلا أنه من متابعة المواقف والتحركات الأخيرة أجد من الصعب الاطمئنان إلى أننا في الطريق إلى انفراجه. ولا أخفي قلقي من أن سياسة فرض الأمر الواقع الإثيوبية ما زالت هي الحاكمة لتحركها، وآمل أن تثبت الأحداث خطأ تقديراتي، لأنه في غياب حلول ترضي الجميع ‏من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة توتراً وتصعيداً بين مصر وإثيوبيا على مستويات عدة، ‏ويكون لها تداعيات واسعة وبالغة الخطورة على المدى الطويل، في ظل حساسية هذه المشكلة بالنسبة لمصر، التي تعتبرها قضية وجودية  لمستقبل البلاد واحتياجات مواطنيها.

تواجه مصر قضية أمن قومي حساسة غرباً وشرقاً وقضية وجودية جنوباً، في مناخ من الاضطراب والضباب الاقتصادي والمجتمعي العالمي، "عاصفة متكاملة" بكل معاني الكلمة، تفرض قرارات صعبة، وحسابات دقيقة، وعلى مصر مواجهتها جميعا بتوازن دقيق بين "الحكمة والحسم".

المزيد من آراء