Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فرنسا "اللبنانية" ثابتة ولبنان "الفرنسي" متغير

البلاد "رهينة" لدى تركيبة حاكمة سطت على المال العام والخاص

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان (أ ف ب)

ماذا بعد الزيارة العاصفة والعاطفية التي قام بها وزير الخارجية الفرنسي إلى لبنان؟ جان إيف لودريان قال كلمته الصارمة وترك لنا أن نختار الإنقاذ أو إكمال الانهيار. والمسؤولون كرروا الوعود والسرديات المعروفة التي تجرفها سياسات التفنن في صنع الأزمات وممارسات الخوف من الحلول. الزائر الفرنسي شاء تلطيف الصورة بالقول، وهو يغادر بيروت، كموفد عربي ودولي، إن "لبنان بات على حافة الهاوية، والكل يعرف ما يجب فعله للإنقاذ، وفرنسا جاهزة مع وسائل الإنعاش شرط أن تتخذ السلطات السياسية القرارات". والمسؤولون المحكومون بالعقم السياسي والجشع المادي وعصا الوكيل الإقليمي، الذي جاء بهم، يتصورون أن الزمن مفتوح أمامهم لاستمرار التحايل على الناس في الداخل والذين نطلب مساعدتهم في الخارج.

والمفارقة كبيرة. فرنسا "اللبنانية" لم تتغير ولا تزال "الأم الحنون"، التي أعلنت ولادة لبنان الكبير بلسان الجنرال غورو عام 1920. لكن الدنيا تغيرت في لبنان "الفرنسي" ومن حوله، بحيث يبدو لبنان اليوم غريباً في مئوية لبنان الكبير. فليس فيه من لبنان الاستقلال الأول ولبنان الاستقلال الثاني سوى القليل. جوهر وجوده الذي هو التميز والحرية والعيش المشترك والانفتاح والثقافة وكل عناصر "القوة الناعمة" صار في نظر فريق من اللبنانيين "فائض القوة" في لعب دور أكبر منه على مسرح مشروع إقليمي في مواجهة مع العرب والغرب. وحين يتحدث بقية اللبنانيين والأشقاء العرب والأصدقاء الدوليون، فإنهم يبدون كمن يتحدث من الذاكرة والحنين إلى ما كان "سويسرا الشرق".

يقول العالم الفرنسي آلان مينك "لا أعرف إن كان التاريخ تراجيدياً، لكن علينا التصرف على هذا الأساس، لكي نحول دون أن يصبح تراجيدياً". وما يحاوله لودريان الذي يعرف أن أزمة لبنان المركبة أخطر من أي أزمة في تاريخه الحديث، هو الحؤول دون الاندفاع في فصول "التراجيديا اللبنانية". وهذا أيضاً ما يحاوله العرب والغرب. وليس أمراً بلا دلالات أن ينصح السفير الروسي ألكسندر زاسبكين المغادر بيروت بعد عشر سنين خليفته السفير ألكسندر روداكوف بأن "يدرك أهمية لبنان وتميزه الحضاري وتنوعه الطائفي والسياسي والعيش المشترك فيه". فالبلد ليس متروكاً من الأشقاء والأصدقاء، لكنه ممسوك بقبضة مافيا سياسية ومالية وميليشياوية متمسكة بمصالحها الضيقة، ومأخوذ بقوة السلاح إلى "محور الممانعة" وأقل ما نسمعه من المراهنين على العدد هو نعي "الميثاق الوطني" والصيغة التي بني عليها الاستقلال وأعيد تجديدها في "وثيقة الوفاق الوطني"، التي انتهى إليها اتفاق الطائف في السعودية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذلك أن لبنان "رهينة" لدى تركيبة حاكمة سطت على المال العام والخاص هي أيضاً "رهينة" لدى قوة متحكمة تحميها وتتركز أولوياتها على خدمة مشروع إيراني في مشكلة مع العرب والغرب. والإنقاذ المطلوب ليس فقط إخراجنا من عمق الأزمات النقدية والمالية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بل أيضاً إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي: "وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء". وما سمعناه من الوزير الفرنسي الزائر هو ما سمعناه من واشنطن ولندن وبرلين والرياض وأبو ظبي: ساعدوا أنفسكم، وساعدونا لكي نساعدكم.

لكن أكثر ما ينطبق على السلطة وأصحابها، هو الحديث عن القوم الذين "يقادون إلى الجنة بالسلاسل". فلا نحن عرفنا بالغباء أو بالقصد والتمسك بالمصالح الضيقة، كيف نفاوض صندوق النقد الدولي الذي هو الممر الإجباري للحصول على المال وتشجيع الآخرين على تقديم المساعدات. ولا المطلوب سوى إصلاحات جدية و"نأي بالنفس" عن صراع المحاور. وهذا ما جعل المسافة تتسع كثيراً بين التعاطف العربي والدولي مع لبنان وبين الغضب على المسؤولين فيه.

لكن من يدفع الثمن هو الشعب الذي صار على حافة الفقر، لا المسؤولون الذين يزدادون ثراء.

وليس من الممكن استمرار ذلك. فالمجال ضاق كثيراً. ومعادلة: لا إصلاحات، لا مساعدات هي عملياً: لا مساعدات، لا بلد.

المزيد من تحلیل