Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"السياحة" الحصان السعودي الرابح في رهانات المستقبل

الطبيعة والتنوع والأمان عوامل تعزز سياسات القطاع الناهض

التكوينات الصخرية في مدينة العلا السعودية تلفت أنظار السياح (واس)

في وطأة الوباء العالمي وتأثيراته التي طالت استقرار أسعار النفط، لم تتوانَ السعودية في يونيو (حزيران) الماضي، عن تنفيذ نيتها التي أفصحت عنها قبل نحو تسعة أشهر، بتأسيس صندوق سياحي برأسمال 4 مليارات دولار، يعمل على تمويل المشروعات السياحية وجذب الاستثمارات، في خطوة جريئة، أكدت دور القطاع في خطة الحكومة لتنويع مصادر دخلها، وسط توقعات صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد الوطني بواقع 6.8 في المئة.

ويأتي تأسيس صندوق التنمية السياحي ضمن حزمة إجراءات سعودية سابقة تمثلت في فتح باب الاستثمار الأجنبي، وإطلاق التأشيرة السياحية أمام الزوار من مختلف بلدان العالم، وهي قرارات تهدف بشكل رئيس إلى رفع مساهمة القطاع السياحي بالاقتصاد الوطني من 3 في المئة بالوقت الراهن إلى نحو 10 في المئة بحلول عام 2030. كما يتواصل العمل على إنجاز عشرات من المشروعات في مناطق الدرعية ونيوم والقدية والعلا والبحر الأحمر وأمالا.

السياحة رهان المستقبل

وبحسب متخصصين سياحيين، بدأت أولى التجارب السعودية في تسويق المدن من الرياض، إبان تولي الملك سلمان بن عبد العزيز، الأمير آنذاك، مسؤوليات إمارة العاصمة لخمسة عقود، وفي عهده ملكاً للبلاد تصاعد الاهتمام بالكنوز الطبيعية المتناثرة، على وقع تأسيس المبادرات المذكورة آنفاً تحت إشراف جهات عليا ومجالس إدارة تزخر بالمتخصصين من مختلف أنحاء العالم، تؤكد الرغبة الحكومية في أن تكون السياحة قوة ناعمة، إن لم تساعد على تحسين الصورة الذهنية لدى الآخر، فعلى الأقل نقلها كما هي.

ويصف عضو مجلس الشورى السعودي، عبيد العبدلي، في حديثه لـ"اندبندنت عربية" تجارب بلاده في الماضي، بأنها لم تحدث أثراً إيجابياً ملموساً في تغيير الصورة الذهنية التي إما أن يصنعها صاحبها، أو يشكّلها الغير كما يشاء، مشدّدا على أهمية تغيير السياسات والاستراتيجيات السياحية، لا سيما أن الهدف الرئيس هو جذب المصطافين الأجانب. ويتابع، "المكتوب على الورق مبشر، وما زال الوقت مبكراً لرؤية مخرجات المبادرات التي أطلقتها وزارة السياحة".

ويقول الأكاديمي السابق، الذي يتبنى منذ سنوات مشروع "نحو ثقافة تسويقية"، إن معالم الآثار والأماكن التراثية في السعودية لو أُحسن استغلالها ستكون مناطق جذب عالمية، ويلفت النظر إلى أن تجربة السائح "حساسة" تتأثر بكل ما يلمسه وتراه عينه، بدءاً بالحجوزات، والتأشيرات، مروراً بالمطار، والنقل، وتصرفات الأفراد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من الجهود المبذولة من مؤسسات مختلفة لتصحيح الصورة الذهنية في الخارج فإن عدم تحقيقها نجاحاً ملموساً يعود إلى أنها لم تكن موحدة تحت استراتيجية عامة، وهي إشكالية ما زال الإعلام الرسمي متّهماً على نطاق واسع بالتقصير في حلها، وفي هذا الصدد، يطالب المتخصص السعودي بعلم التسويق، بإنشاء هيئة حكومية للتسويق، لدراسة إنشاء علامات خاصة بالمدن، تنطوي تحتها الخصائص الجمالية والشعبية التي تنفرد بها، والابتعاد عن جعل كل مدينة نسخة من الأخرى.

وتكمن أهمية المحافظة على التنوع الجغرافي والثقافي بالسعودية في تعدد مشارب السياح، واختلاف اهتماماتهم، فعلى سبيل المثال، يبحث معظم الأميركيين والأوروبيين عن تجارب المغامرة والإثارة، التي يمكن أن تقدمها صحراء الربع الخالي ومرتفعات العلا الشاهقة، بينما تمثّل مدينتا أبها والطائف بمناظرهما الطبيعية الهادئة ملاذاً مفضلاً لمواطني الخليج العربي.

النجاح النسبي لبعض المبادرات في تحويل التراث إلى منتج قابل للانتشار عالمياً، دفع العبدلي إلى التأكيد على أن الارتقاء بالجهود الترويجية لهذا الموروث يعتمد على معرفة ماهية الرسالة الموجهة للآخر، وهوية الجمهور، سواء أكانت الأوساط الغربية، أو العالمين العربي والإسلامي. وإذا ما تم تعيين الشريحة المستهدفة، يمكن الاختيار حينها من التراث ما يناسبها على حد تعبيره. يضيف "في السابق لم ننظر إلى التسويق كأداة يمكن عبرها الدفاع عن البلد، أو تحسين صورتها الذهنية، لكن المسؤولين السعوديين الآن يؤيدون الانفتاح على العالم، ويؤكدون أن يكون التسويق جزءاً من أي استراتيجية حكومية".

أولويات سياحية جديدة

ووسط حالة الشلل التي صابت اقتصادات العالم، قررت الحكومة السعودية تخفيف الإجراءات الاحترازية في يونيو الماضي، وأطلقت فعاليات "تنفس"، وهو أضخم المواسم السياحية التي شملت معظم مدنها بعد مهرجانات مفردة استأثرت بها منطقتا الرياض والشرقية ومدن جدة والطائف والسودة، واتجهت العائلات بعد فك حظر التجول الجزئي والكلي الذي استمر نحو ثلاثة أشهر، إلى الاستفادة من فعاليات الموسم الصيفي، الذي وجد فيه كثيرون فرصة آمنة للتحرر من أعباء الفيروس.

وعلى الرغم من اقتصار المسار الترفيهي الجديد الذي يستمر حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، على شريحة المواطنين والمقيمين بطبيعة الحال، فإنه جعل أمامهم فرصة ذهبية لاستكشاف أماكن جديدة في البلاد التي ظنوا أنهم يألفون كل رقعة فيها، وعلى الصعيد التنظيمي، ظفرت وزارة السياحة المنشأة حديثاً، بدعاية مجانية لمفهوم السياحة الداخلية المرتكزة على مواقع طبيعية، وإرث تاريخي متنوع بالثقافات والفنون والرقصات الشعبية.

وأظهرت نتائج استطلاع أجرته وزارة السياحة بأن 80 في المئة من السعوديين سيتجنبون السفر إلى أوروبا وآسيا، و57 في المئة عبروا عن قلقهم من السفر بالطائرة. وكشفت الدراسة عن أن 81 في المئة من المواطنين يرغبون في السياحة الداخلية لسببين، الأول أنها أكثر أماناً للعائلة وفقا ل 38 في المئة من المشاركين، بينما 29 في المئة منهم يريدون مشاهدة المناظر الطبيعية الخلابة.

وانعكس الإقبال على ارتياد المواقع الطبيعية في وسائل التواصل الاجتماعي التي تعطي صورة ناصعة للواقع السعودي، بعدما تنامى استخدامها خلال السنوات الماضية، حتى أصبحت تشكّل لشرائح من طبقات مختلفة جزءاً لا يستغنى عنه من حياتهم اليومية، ولم تعد بفضل التحولات نوافذ تعبير فقط، إنما أدوات لقياس رغبات المجتمع، فعلى سبيل المثال، فإن تطبيق "سناب شات" الذي يستخدمه ما لا يقل عن 8.2 مليون سعودي وفقاً لإحصاءات شركة "هايب"، ضج أخيراً بيوميات الشارع في مدن سياحية، على رأسها منطقة عسير الواقعة جنوب البلاد.

وخلال أسبوعين بعد إطلاق موسم "صيف تنفس" في أواخر يونيو الماضي، رصد مركز المعلومات والأبحاث السياحية "ماس"، ارتفاعاً في نسب الإشغال بالفنادق بلغت 36 في المئة، في الوجهات الـ10 المحددة، بدءاً من "مدينة تبوك أقصى الشمال وأوديتها ومناطقها الرملية، مروراً بسواحل مدينتي أملج وينبع، ثم مدينة الملك عبد الله الاقتصادية بشاطئها الخلاب وأنشطتها وفعالياتها الترفيهية، ومدينة جدة بتاريخها وجاذبيتها، وصعوداً عبر سلسلة جبال السروات في الطريق إلى الطائف".

لكن المدينتين التي هوت إليها أفئدة السعوديين بكثافة فور تخلصهم من قيود كورونا، كانتا عسير والباحة، الأولى تتميز بقممها الجبلية، والثانية تزهو بغاباتها الكثيفة الواقعة في غرب البلاد، حيث بلغ فيهما نسبة الإشغال الفندقي نحو 80 في المئة، وفق إحصاءات رسمية عكست تميز هاتين المنطقتين بأجوائها الباردة، وجسّدت رغبة الناس في الهرب من لهيب الصيف، في وقت سجلت مدينة الأحساء شرقاً، ثالث أعلى درجات الحرارة على مستوى العالم.

 

سؤال العام ونصف

بالنسبة للشاب ماجد الحربي، جاءت ترتيبات التعايش مع فيروس كورونا في السعودية، بمثابة الضوء الأخضر لاستكمال رحلةٍ كان قد بدأها بدافع الاستكشاف والمغامرة العام الماضي، حين غادر العاصمة الرياض، على متن سيارته، قاصداً عشرات المناطق المتنوعة بتضاريسها وتراثها، وفي ذهنه سؤال واحد: هل تسبب قصور التغطية الإعلامية باستبعاد مواطنيه مدنَ بلادهم من قائمة الوجهات السياحية الأولى؟

يخبرنا الشاب السعودي عن فحوى الإجابة التي توصل إليها بعد عام ونصف العام من استكشاف خريطة السعودية، "عندما كنت في أحد شواطئ مدينة أملج شمال البلاد، أبهرني جمال المكان وهدوئه، لا أبالغ إن قلت إنه يشابه تلك الصور لجزر المالديف التي نراها في كل مكان، الفرق الوحيد هو غياب التسويق وبعض الخدمات".

واستهّل الحربي وصف تجربته، من منطقة عسير جنوب السعودية، حيث استقبله مطارها بنقوش "القط العسيري"، وهو فن من فنون الزخرفة التقليدية على جدران المنازل اشتهرت النساء بالعناية به، وتم إدراجه في قائمة اليونسكو أخيراً، ثم وجَّه بوصلة ذكرياته إلى شمال غرب البلاد، تحديداً في محافظة العلا، التي تزينت العام الماضي للسياح بموسم شتاء طنطورة، الرامي إلى تعريفهم بتاريخ المدينة التاريخية، وآثار مدائن صالح وما تكتنزه من إرث حضاري طويل الأمد، واصفاً هذا التنوع في الجغرافية السعودية بين شرقها وغربها وشمالها وجنوبها بـ"المثير للاهتمام".

ويعتبر الفوارق الثقافية في مجتمعه المترامي سلاح بحوزة البلد، مبدياً إعجابه بحيوية الألوان التي يحملها الزي التراثي بقرية "رجال ألمع" التي تنافس لدخول قائمة التراث العالمي بمنظمة اليونسكو، ودهشته حين صادف أحد ساكنيها، وهو يشرح بلهجته الجنوبية للسياح عن تاريخ الزي، وكيف اعتنق أهل هذه المنطقة الفنون، ليس فقط في بنيانهم أو متاحفهم الشخصية بل حتى في لباسهم.

وعن تأثيرات جائحة كورونا، يقول إن "أولويات السائح تغيرت، إذ أصبح إعطاء المناطق السياحية داخل السعودية نصيبها من الزيارة أكبر مما كان عليه في السابق"، مستشهداً باكتظاظ الطرق الجبلية الضيقة بسيارات السياح المحملة بالحقائب، أثناء صعودهم إلى "مرتفعات السودة"، للاستمتاع بمنتجعاتها المطلة على المدرجات الخضراء، ملتزمين بالإجراءات الوقائية للحد من انتشار مرض (كوفيد – 19)، الذي أصاب أكثر من 262 ألف شخصا.

طفرة لا تخلو من معوقات

ولا يلغي الانتعاش الحالي عقوداً من معاناة السياحة الداخلية أمام التنافسية العالية في جذب السائح السعودي للخارج، تلك المساعي التي تهدد واحداً من أبرز أهداف استراتيجية التجهيز لمستقبل ما بعد النفط، المتمثلة في تقليل تصدير الأموال، الأمر الذي يقتضي، بحسب المتخصص في إدارة السياحة والضيافة علي الألمعي، دراسة العوامل الجاذبة للمسافرين خارج السعودية سنوياً، والعمل على توفيرها لهم داخلها، وتقع على رأس الخدمات التي تستهويهم مدن الألعاب، والمنتجعات البحرية، والفنادق العالمية، بالإضافة إلى شتى أنواع المطاعم، ومولات التسوق".

ويلقي الألمعي في حديثه الضوء على "مشروع القدية" الواقع على 330 ألف كيلو مربع، بما يعادل ثلاث أضعاف ديزني لاند، وهو مشروع ترفيهي ضخم تعد شركة "Six Flags"، أحد مشغليه، حيث استحوذت على 90 ألف متر مربع، لافتاً النظر إلى أن قطاع السياحة يترقب اكتمال مشروعات الدولة العملاقة، خصوصاً المندرجة تحت الصندوق السيادي، مثل مدن نيوم والبحر الأحمر وأمالا، التي من المتوقع أن تعطي السعودية قيمة تنافسية عالية، بتوفير ساحل بحري يتعدى 1800 متر، مليء بالمنتجعات والفنادق وخدمات الترفيه العالمية.

أمان وعادات سفر صحية

وتقف المؤشرات السياحية المتخصصة بقياس مناطق الجذب العالمية في صالح السعودية، حيث حصلت في مايو (أيار) الماضي، على ما يعرف بـ"ختم السفر الآمن"، بناءً على تقرير المجلس العالمي للسفر والسياحة، الذي ينظر إلى جوانب الأمان والعادات الصحية، غير أن هذه المعطيات الإيجابية تصطدم مع اعتقاد المتخصصين بأن السياحة عالمياً ستعاني على المدى الاقتصادي الطويل من جائحة كورونا التي من المتوقع أن يكون تأثيرها عشرة أضعاف تأثير هجمات 11 سبتمبر.

ويشكل انتشار الأوبئة إلى جانب الحروب، والإرهاب، والكوارث الطبيعية، أكبر التهديدات التي تواجه السياحة، الأمر الذي يحتم على الدول تغيير استراتيجياتها ومواءمتها لتجاوز هذه الأحداث في المستقبل، كون إيرادات القطاع تشكّل 10 في المئة من الناتج المحلي العالمي، بما يقارب 1.6 تريليون دولار سنوياً.

المزيد من سياحة و سفر