Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسالة فرنسا إلى لبنان: ساعدوا أنفسكم لنساعدكم

لودريان يدعو المسؤولين إلى تجنب الأوهام

طالب لودريان المسؤولين اللبنانيين بإنجاز الإصلاحات (أ ف ب)

وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان، أول مسؤول غربي رفيع يزور لبنان منذ اندلاع  ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وتأزم الوضع الاقتصادي الذي دخل مرحلة الانهيار.

الزيارة إلى بيروت هي الثانية له بعد أولى لم تستمر إلا ساعات قليلة للمشاركة بمأتم البطريرك نصر الله بطرس صفير. أما زيارته هذه المرة فتأتي ضمن إطار جولة في المنطقة شملت العراق والكويت. وقد كشفت مصادر دبلوماسية لـ "اندبندنت عربية" أن الملف اللبناني حضر في محادثاته في الكويت حيث سأل عن إمكانية تقديم الكويت مساعدات إلى لبنان، لا سيما بعد ما كانت الحكومة الحالية بشرت بانفراجات وإيجابيات مرتقبة نتيجة التواصل مع العراق والكويت، فجاءه الجواب أن الكويت مثل فرنسا لا يمكن أن تقدم أي مساعدات قبل تنفيذ الإصلاحات.

تقصّد الزائر الفرنسي لقاء من هم في السلطة فحسب، لأن الرسالة القاسية التي حملها إلى لبنان والتي قال إنها ليست من فرنسا إنما من الأسرة الدولية بكاملها، كانت موجهة إلى من هم في موقع المسؤولية. وحده البطريرك الماروني كان الاستثناء. لودريان زار رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة حسان دياب ووزير الخارجية ناصيف حتي، وغابت أي لقاءات معلنة مع القيادات السياسية الحزبية الصديقة لفرنسا، بمن فيهم رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي اقتصر التواصل بينه وبين الضيف الفرنسي على اتصال هاتفي حصل ليل الأربعاء. وفيما خصّص لودريان، في دلالة لافتة، مساحة للمجتمع المدني كممثلين لثورة 17 تشرين، غاب السياسيون أيضاً عن مأدبة العشاء التي أقامها السفير الفرنسي في لبنان والتي حضرها بحسب المعلومات رجال أعمال يمثلون كبار الشركات الفرنسية في لبنان، إضافة إلى شخصيات من المجتمع المدني.

لودريان عن السلطة الحالية: لم تنفذ أياً من مطالب الشعب

من وزارة الخارجية التي كان اللقاء السياسي الأخير ضمن جولته على المسؤولين في السلطة، عكس خطاب وزير خارجية فرنسا المعلن عدم اقتناع بما سمعه من المسؤولين وثقة مفقودة بالسلطة الحالية. فلودريان لم يتردد باستخدام عبارات واضحة ومباشرة في توصيف الواقع اللبناني وتقاعس المسؤولين فيه. قال من الخارجية اللبنانية إنه سيقول الحقيقة لأن الروابط التاريخية التي تربط لبنان وفرنسا تفرض عليه ذلك. صارح اللبنانيين والمسؤولين بالقول إن فرنسا مستعدة لدعم لبنان، لكن يجب أن تنفذ إجراءات وإصلاحات مطلوبة ومعروفة منذ زمن. وفي ضربة قاضية للإنجازات التي لم تتوقف الحكومة الحالية على التذكير بإتمامها وآخرها تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، قال لودريان "نتطلع إلى الإصلاح في قطاع الكهرباء وما نفذ حتى الآن ليس مشجعاً على الإطلاق". وفي انتقاد غير مباشر للتشكيلات القضائية المعلقة أشار لودريان إلى استقلالية القضاء كشرط أساسي للإصلاح وتحدث عن تعزيز الشفافية وضرورة مكافحة الفساد، على الرغم من أن الرئيس عون كان قد تحدث أمامه بإسهاب عن جهوده في هذا المجال منذ توليه سدة رئاسة الجمهورية. وفي رسالة واضحة لدعم فرنسا التظاهرات التي انطلقت في 17 أكتوبر، لفت لودريان في كلامه المكتوب إلى أن اللبنانيين طالبوا بالتغيير وبمكافحة الفساد وبحكم سليم، لكن للأسف لم يتم تنفيذ أيٍ من هذه المطالب حتى الآن.

لا بديل من برنامج صندوق النقد

خلال لقاءاته المغلقة ردّد المسؤول الفرنسي عبارة الإصلاحات لبدء المساعدات ومن على منبر وزارة الخارجية قالها بالمباشر "لا تتوهموا لا بديل من برنامج صندوق النقد الدولي لإنهاء أزمة لبنان". بمعنى آخر إن أي مساعدات فرنسية وغربية ودولية ستبقى مرهونة بنجاح المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بما فيها مؤتمر سيدر ومساعدات مجموعة الدعم الدولية لأجل لبنان. صحيح أن لودريان حمل إلى لبنان مساعدات للقطاع التربوي ولأكثر من 52 مدرسة ناطقة باللغة الفرنسية، وقد شمل برنامج زياراته لقاءات مع مسؤولين عن المدارس وزيارة إلى إحداها في منطقة المشرف، إلا أنه تحدث أيضاً عن استعداد فرنسا دعم القطاع الصحي وتقديم مساعدات إنسانية، كاشفاً النقاب عن تقاعس إضافي للمسؤولين في لبنان، عندما قال إن فرنسا خصصت 50 مليون يورو للخدمات العامة والبنى الصحية، لكن يتعين على السلطات إيجاد شبكات أمان اجتماعي لا تزال حتى الآن مفقودة.

الراعي ولودريان وثالثهما الحياد

متمسكاً بدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية لتأمين الاستقرار في لبنان، تحدث وزير خارجية فرنسا عن أهمية بسط الدولة سيادتها على كامل أراضيها، مشدداً على أهمية احترام كل الأطراف في لبنان هذه المسألة. لم يذكر لودريان في كلامه حزب الله، وتجنب اتخاذ موقف معلن من الحياد مفضلاً استخدام صيغة النأي بالنفس المتفق عليها مع حزب الله في البيان الوزاري. لكن ما تجنب قوله لودريان قاله الوزير حتي الذي كان أول مسؤول لبناني يتحدث عن الإصلاح السياسي المطلوب إلى جانب الإصلاح الاقتصادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجنب لودريان أي إشارة إلى الحياد في تصريحاته المعلنة، لكن زيارته إلى بكركي حصلت، بحسب ما كشفت مصادر بكركي لـ "اندبندنت عربية"، بسبب اهتمام فرنسا بطرح البطريرك الراعي الداعي إلى الحياد. وشكّلت الزيارة اعترافاً فرنسياً بالدور الاستثنائي الذي يلعبه البطريرك الماروني في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان.

وفسّرت المصادر تجنب لودريان تأييد الحياد في موقف معلن، لضرورات الحوار والتواصل واستمرار فرنسا في لعب دور الجامع والمقرب في وجهات النظر مع حزب الله، خصوصاً أن للسفارة الفرنسية في لبنان علاقات مع حزب الله لم تنقطع.

في اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني ووزير خارجية فرنسا، شرح الراعي خلفيات طرحه الحياد، وقال "بعدما كان لبنان رمزاً للحياة والازدهار والانفتاح والتطور بات رمزاً للفقر والعوز، جربنا النأي بالنفس والتحييد ولم يمشِ الحال، نأمل في أن نلقى الدعم والمساعدة في تحقيق الحياد لا سيما أنه يعني كل اللبنانيين وليس فئة أو جهة واحدة". وشرح للضيف الفرنسي كيف أن طرحه لاقى دعم مجموعات من طوائف مختلفة.

في المقابل، لم يخفِ لودريان أمام البطريرك تخوّفه على لبنان، محذراً من خطر انهياره إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، كاشفاً للبطريرك الراعي أنه وجه كلاماً قاسياً في لقاءات مع مسؤولي السلطة وأنه حمّلهم مسؤولية تردي الأوضاع نتيجة تقاعسهم عن أي خطوات في اتجاه الإصلاح. أما عن الحياد فقال لودريان للبطريرك "نحن نعتبر من الأساس أن لبنان يجب أن يكون خارج الصراعات في المنطقة، وأن فرنسا تريد سيادة لبنان، وبالتالي لا سيادة من دون حياد".

ووصفت مصادر بكركي اللقاء بالإيجابي، ونقلت ارتياح البطريرك الراعي لنتائجه، مؤكدة أن اللقاء يُبنى عليه للاستمرار بالعمل لإنقاذ لبنان.    

غادر لودريان بيروت من دون تسليم رئيس الجمهورية ميشال عون رسالة جوابية على رسالة كان أرسلها عون إلى الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، يدعوه فيها إلى زيارة لبنان لمناسبة مئوية لبنان الكبير.

قد يكون غياب الجواب هو بحد ذاته جواباً، فيما كشفت مصادر في الإيليزيه لـ "اندبندنت عربية" أن ماكرون لا يزال يدرس قراره وهو يتجه إلى عدم تلبية دعوة عون، تفادياً لإعطاء بركة معنوية للسلطة الحالية التي أثبتت فشلها في نظر المجتمع الدولي.

المزيد من العالم العربي