Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا وضعت القاهرة خطا أحمر في الجفرة الليبية لوقف التمدد التركي؟

تمتلك ثاني أكبر قاعدة عسكرية من حيث الأهمية في البلاد

تمتلك الجفرة أهمية عسكرية خصوصاً في النزاع الليبي الحالي (مواقع التواصل)

خطفت مدينة سرت الليبية الأضواء طوال الفترة الماضية من نظيرتها الجفرة، توأمها الاستراتيجي في الخطوط الحمر، إذ حددتهما مصر نقطتي أمان لأمنها القومي، ممنوع تجاوزهما أو الاقتراب منهما من قِبل تركيا وحكومة الوفاق.

واستحواذ سرت على النصيب الأكبر من الاهتمام على حساب الجفرة يرجع إلى أسباب عدة، فهي بوابة الهلال النفطي، أحد مراكز النزاع الليبي الرئيسة ومحرّكاته، وتقع في منتصف الطريق بين عاصمتي هذا النزاع، بنغازي وطرابلس، غير بعيد عن مصراتة، ما يجعلها مرشحة لتكون "ساحة المعركة الكبرى في ليبيا"، إضافة إلى سبب تاريخي متعلق بكونها مسقط رأس الرئيس السابق معمر القذافي، فيها ولد وقتل.

لكن، ما الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية للجفرة التي دفعت مصر إلى جعلها خطاً عسكريّاً فاصلاً، مستعدة للقتال دونه والدفاع عنه، وتصريح رئيسها عبد الفتاح السيسي بأنه لا تفريط فيها ولا تهاون مهما كان الثمن؟

أهمية جيوستراتيجية

الجفرة هي عاصمة إحدى أهم بلديات الجنوب الليبي، التي تحمل اسمها، وتتميز بمناخها الصحراوي، وتضم بلدية الجفرة إداريّاً عدداً من المدن المهمة، هي ودان وهون وسوكنة وزلة والفقهاء، وتسمية الجفرة حديثة، إذ إن الاسم القديم لها كان ودان، وسُميت في العهد العثماني باسم قضاء سوكنة، ومن ثمّ اكتسبت اسمها الحالي في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي.

وتقع الجفرة على بعد 300 كيلومتر جنوبي سرت، في اتجاه العمق الصحراوي للبلاد، ولموقعها الجغرافي ميزة خاصة، فهي نقطة تلاقٍ بين أقاليم ليبيا التاريخية الثلاثة برقة وفزان وطرابلس، عندها تنتهي حدود إقليم طرابلس ناحية الجنوب، وحدود برقة ناحية الجنوب الغربي، وخلفها مباشرة في الاتجاه ذاته يبدأ إقليم فزان.

والانطلاق منها في اتجاه الشرق يعني أنك وضعت قدمك داخل الإقليم البرقاوي، والأخير بكامل حدوده ومن أي اتجاه، تعتبره مصر العمق الاستراتيجي لأمنها، ولذلك رسمت أمام الجفرة خطها الأحمر، الذي بات معروفاً.

الأهمية العسكرية

تمتلك الجفرة أهمية عسكرية، خصوصاً في النزاع الليبي الحالي، فإضافة إلى مزاياها الاستراتيجية، من ناحية الموقع الجغرافي، تمتلك ثاني أكبر قاعدة عسكرية من حيث الأهمية في ليبيا، والسيطرة عليها تعني امتلاك سماء الجنوب الليبي، في اتجاه الشرق والغرب، ما يعني أن أي رتل بري متحرّك في الصحراء يمكن تحييده بسرعة، عبر غارات من المقاتلات الجوية التي تنطلق من القاعدة.

وتصدّرت هذه القاعدة عناوين الفترة الماضية، بعد اتهام القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، "أفريكوم"، روسيا باستخدام القاعدة عبر طائرات "الميغ والسوخوي"، التي قالت إنها نقلتها إلى ليبيا، انطلاقاً من سوريا، لدعم حليفها قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر.

وعن الأهمية العسكرية للجفرة، يقول عضو شعبة الإعلام الحربي محمد البرغثي، لـ"اندبندنت عربية"، "القاعدة هي الأهم في الجنوب الليبي، ويمكن استخدامها نقطة مركزية حيوية، للدعمَين العسكري واللوجيستي، وخط إمداد في ثلاثة اتجاهات، بسبب موقعها الجغرافي، ولذلك السيطرة عليها مهمة جدّاً لكل طرف".

ويضيف، "للقاعدة أهمية مزدوجة أخرى، عسكرية واقتصادية، إذ إنها تشكّل درعاً لحماية الحقول النفطية الأضخم في الجنوب، وعلى رأسها حقل الشرارة. وأعتقد أن هذه النقطة تستأثر من خلالها القاعدة بأهمية خاصة لتركيا وحكومة الوفاق، لرغبتهما المُلحة في ضخ النفط وبأسرع وقت".

سنوات حافلة بالمعارك

عاشت الجفرة سنوات حافلة بالمعارك والأحداث العسكرية الكبرى خلال العقد الماضي، بدأت مع اندلاع الثورة الليبية على نظام معمر القذافي، إذ تعرّضت في الـ25 من مارس (آذار) من العام 2011، لغارات من طرف المقاتلات الفرنسية، تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الدُّولي رقم 1973 لفرض حظر الطيران في الأجواء الليبية.

وأدّت تلك الضربات إلى تدمير أجزاء جوهرية وبالغة الأهمية في القاعدة، منها مركز القيادة الرئيسي ومستودعات للذخيرة ومنشآت صيانة، وفي الـ23 من سبتمبر (أيلول) من العام ذاته سقطت القاعدة ومدينة الجفرة كلها في أيدي الثوار الليبيين.

بقيت الجفرة سنوات طويلة، بعد ذلك التاريخ، في قبضة قوات مصراتة، التي نقلت منها كميات كبيرة من الأسلحة، من كل الأنواع إلى مدينتها، قبل أن تسقط في يد قوات الجيش عام 2016، حتى يومنا هذا.

وبعد أشهر من استعادتها، شهدت القاعدة هجوماً مباغتاً من قوات حكومة الوفاق، التي دخلت إليها، وأعدمت أكثر من 60 عسكريّاً تابعين للجيش في داخلها، قبل أن يستعيدها الأخير، وأحدثت هذه المجزرة صدمة وضجة كبيرتين في ليبيا، وقت حدوثها.

بحر من النفط

تمتلك الجفرة أهمية اقتصادية كبرى في الماضي والحاضر، فبعد أن كانت حتى منتصف القرن الماضي، منطقة تبادل تجاري بين شرق ليبيا وغربها وجنوبها، وواحدة من أكبر المناطق المصدِّرة التمور في ليبيا، إذ تنتج بعضاً من أجود أنواعه، أحدث اكتشاف النفط في البلاد، نهاية خمسينيات القرن الفائت، نقلة كبيرة في حياة السكان، واقتصاد هذه المنطقة.

وتحتوي منطقة الجفرة ومحيطها على مخزون ضخم من النفط، يشكّل جزءاً كبيراً من احتياطيات النفط الليبي، الأكبر في أفريقيا، إذ تفيد البيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسة النفط الليبية، بأنها تختزن في باطنها نحو 45 مليار برميل نفط، و52 تريليون قدم مكعب من الغاز.

ويعتبر الباحث والكاتب الليبي محمد العنيزي أن "بلدية الجفرة بكل مدنها تعتبر واحدة من أهم روافد الاقتصاد الليبي الريعي، المعتمد على النفط والغاز، على المديين القصير والبعيد".

ويقول، في حديث إلى "اندبندنت عربية"، "السيطرة على الجفرة تعني السيطرة على كنز اقتصادي بالنسبة إلى تركيا، فهي تدرك مخزونات الطاقة الضخمة فيها، وتعرف أهمية هذا المخزون كورقة اقتصادية وسياسية، ليس في ليبيا فقط، بل في المنطقة برمتها، ولأصحاب المصالح الكبرى في ليبيا بالقارة العجوز تحديداً".

في حين يعتقد الصحافي الليبي عبد المعز أبو خطوة، أن هناك طرفاً خفيّاً، مرجّحاً دخوله للصراع على الجفرة "تمثل هذه المنطقة لفرنسا أهمية كبرى، تاريخية واقتصادية، إذ كانت جزءاً من مناطق نفوذها في ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية، وأطماع فرنسا وطموحاتها في العودة إلى الجنوب الليبي أسالت كثيراً من الحبر خلال العقد الماضي".

ويتابع، في حديث إلى "اندبندنت عربية"، "لفرنسا أيضاً مصالح اقتصادية ضخمة، ومشروعات كبيرة عائدة إلى شركة توتال، ستسارع إلى الدفاع عنها، إذا تعرّضت للتهديد التركي في أي وقت. لذلك أعتقد أن الجفرة ستكون من النقاط التي ترفع درجة التوتر بين أنقرة وباريس، الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة أخيراً في مياه البحر الأبيض المتوسط، بسبب خلافات حول الملف الليبي بين الطرفين، التي يحرّكها التهديد التركي لمصالح باريس في ليبيا". 

المزيد من العالم العربي