Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإيموجي غيرت لغتنا في التواصل على مدار 10 سنوات

أسيء فهمها بوصفها أشياء يستخدمها المراهقون في مراسلاتهم ❤

من يجهل تلك الإشارات التي ترافقنا منذ عشر سنوات، لكن كيف أثرت علينا؟ (آي ستوك)

بينما كان العالم التكنولوجي منشغلاً في عامي 1998 و1999 بمشكلة صيغة إدخال التواريخ إلى الحواسيب مع حلول الألفية الجديدة، انهمك مهندس في السابعة والعشرين من العمر يعمل في شركة "إن تي تي دوكومو" اليابانية للهواتف NTT Docomo، بمشروع كان سيرسم ملامح الحقبة التالية من التواصل الرقمي. مع أنه لم يكن يدري ذلك حينها.

كان شيجيتاكا كوريتا Shigetaka Kurita يحاول من مكتبه في مقاطعة جيفو ابتكار طريقة تسمح للمستخدمين التواصل عبر الأيقونات. وكانت شركته قد حقّقت نجاحاً لسنوات في بيع أجهزة الإخطار "بايجر" pagers للمراهقين في اليابان، وتبين أن قرارها بإضافة رمز القلب لأحد أجهزتها قد لقي استحساناً واسعاً. لكن حين بدأت الشركات المنافسة بابتكار ميزات مماثلة بسرعة، أدرك كوريتا أن "دوكومو" تحتاج المزيد.

وكانت النتيجة مجموعة من 176 أيقونة بدقة 12 X 12 بيكسل، وأطلق عليها كوريتا اسم "إيموجي" emoji، وهي مفردة مركبة من كلمتين يابانيتين: "إي" التي تعني صورة، و "موجي" وتعني شخصية. ومن خلال استخدامه رسومات قصص المانغا اليابانية المصورة، والشخصيات الصينية، إلى جانب الإشارات العالمية للحمامات، شمل عمل كوريتا كل شيء: من الطقس إلى المرور وأنماط وسائل النقل. وتعد رموزه في يومنا هذا جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية لدرجة أنها عرضت في متحف نيويورك للفن المعاصر.

معروف أن استخدام الرموز في الكتابة قد وجد قبل وقت طويل من تقديم كوريتا ابتكاره هذا: إذ اشتهر الأوروبيون الأوائل بالكتابة على جدران الكهوف Paleolithic Age، مثل حصان شوفيه Chauvet في فرنسا أو ثور البيسون ألتاميرا Altamira في إسبانيا. وفي عدد صادر عام 1881 من مجلة "باك" Puck رسم صحافيون أربعة وجوهاً بسيطة أطلقوا عليها اسم "فن التصوير بالطباعة". وفي ثمانينيات القرن الماضي، اقترح البرفيسور سكوت إي فالمان من جامعة كارنيغي ميلون في بنسلفانيا أن يستعمل مستخدمو سبورة الرسائل في المدرسة رمز :-) للإشارة إلى ما إذا كانوا يمزحون أم لا (على كل حال، احتاج أن يعلّمهم أولاً قراءة الرمز بشكل جانبي).

ستكون رموز فالمان التعبيرية مألوفة لأي شخص استخدم البريد الإلكتروني والرسائل النصية القصيرة أو غرف الدردشة قبل عام 2009 عندما لم تكن أبجدية الإيموجي العالمية معروفة بعد. وراء الكواليس، كانت غوغل تتزعم منذ عام 2007 حملة في محاولة لجعل شركة "يونيكود كونسورتيوم" (وهي شركة غير ربحية تحافظ على معايير النصوص عبر أجهزة الكمبيوتر) تعترف بالإيموجي. وفي عام 2009، قدمت شركة آبل مقترحاً كذلك. لكن "يونيكود" لم تدرك حتى عام 2010 أنها لم تعد قادرة على الرفض.

يقول فيفان إيفنس، أستاذ علوم اللغة السابق في جامعة بانغور، ويلز، لـ "لاندبندنت" موضحاً أن "جميع رسائلنا الرقمية المختزلة كانت تفتقر إلى بعض وظائف التواصل حتى الوقت الذي باتت فيه الإيموجي عالمية". وتتباين التقديرات حول مدى استخدام الإيموجي: إذ قدّر بحث أجرته شركة توك توك TalkTalk للاتصالات عام 2015 أن 80 في المئة من البريطانيين يستعملونها بانتظام، وهو رقم نفترض أنه قد ارتفع خلال السنوات الخمس الماضية. وقد اختيرت "إيموجي" لتكون كلمة العام لقاموس أوكسفورد سنة 2015، ما يظهر سرعة تحولها إلى مفهوم مألوف.

على الرغم من استعمال الإيموجي على نطاق واسع، غالباً ما تعتبرها التعليقات المعاصرة نزعة مراهقة وشكلاً دون المستوى المتوسط للمحادثة. استنتجت دراسة أجرتها شركة يوتيوب عام 2108 أن الإيموجي كانت "تدمر اللغة الإنجليزية" لأن الشباب يعتمدون عليها كبديل للكلمات الحقيقية. لكن هل غيّر استخدام الإيموجي لعقد من الزمن تواصلنا نحو الأسوأ؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعتقد البروفيسور إيفينس أن الاستخدام الواسع للإيموجي لايجري أبداً على حساب اللغة، لا بل إن لهذا الاستخدام فوائد. ويوضح أن التواصل البشري "متعدد الصيغ"، ما يعني أننا عندما نتحدث مع بعضنا بشكل مباشر نعتمد على ثلاث قنوات رئيسة لإيصال رسالتنا: وهي اللغة، أو الكلمات التي نستعملها، والإشارات اللغوية الموازية، أي نبرة الصوت، والتواصل الحركي ويتمثل في تعابير الوجه، ولغة الجسد، وإشارات الجسد.

ويلفت إلى أنه "إذا أردت أن تقول "أنا أحبك" لشخص ما يمكنك تغيير معنى تلك الكلمات من خلال نبرة صوتك فقط [إشارتك اللغوية الموازية] ، فقد تكون إعلاناً صادقاً عن الحب أو مفارقة للاستهزاء بالشخص الآخر... وبالمثل، نحن نستعمل التواصل الحركي، إذا كنت تريد طلب بعض المعجنات واكتفيت بالقول "أريد قطعة كرواسان" لكنك أشرت بيدك إلى قطعة محددة من هذا الصنف، فيعتبر ذلك إشارة غير لفظية".

يضيف البروفسور إيفينس أن هذه الصيغ تضفي فوارق بسيطة على كلماتنا وتكمن أهميتها بالتحديد في نقل التعاطف، "هذه هي أسس التواصل الفعال"، ومن أجل "تكوين الصدى العاطفي"، وهو الطريقة التي نشكل بها الصداقات والعداوات أو أي شكل من أشكال العلاقات. لكن عندما نتواصل رقمياً نفتقد اثنتين من هذه الطرق. ويتابع مشيراً إلى أن الإيموجي تعيد لنا تلك الوظائف المفقودة، إذ "تحل الإيموجي محل ما كنا سنفعله شخصياً، تخيل إجراء محادثة من دون التقاء النظرات أبداً أو التحدث برتابة. تؤدي الإيموجي خمس وظائف أساسية: إنها تحل محل الكلمات، تعزز الكلمات، تناقضها، تثني (تشرح) أو تتعاطف (كرمز قلب الحب على سبيل المثال)... لذلك فإن المجاز القائل إن الإيموجي هي معادل لثرثرة المراهقين، هو تعبير خاطئ ويسيء فهم التواصل". ويؤيد ذلك فيليب سارجانت، وهو محاضر متقدم في علوم اللغة التطبيقية في "الجامعة المفتوحة" The Open University  قائلاً "الدور الأهم الذي تلعبه الإيموجي هو إضافة مستوى من التحديد العاطفي للمحادثات الإلكترونية العادية المكتوبة عبر الإنترنت. فمع الاستخدام المتزايد للوسائط الاجتماعية في حياتنا، إذ نمضي الكثير من الوقت في الدردشة المكتوبة، صارت الإيموجي طريقة لبث بعض العاطفة في المحادثة عبر الإنترنت. بهذا الشكل، هي حل رقمي للطريقة التي تطور بها التواصل المعاصر".

ويبدو هذا العمق العاطفي واضحاً إذا ما أخذنا في الاعتبار الإيموجي الأكثر شيوعاً في المملكة المتحدة، وفقاً لشركة آبل، وهي إيموجي الوجه الضاحك الذي يذرف الدموع، والقلب الأحمر، والوجه الباكي. كما أن نشر بطل التنس آندي ماري سلسلة من الإيموجي عبر حسابه على تويتر لإعلان يوم زفافه في إبريل (نيسان) عام 2015 لم يبدُ تصرفاً صبيانياً أو مستهتراً، بل بدا سلوكاً مفعماً بالصدق ويوحي بالحكمة. ولهذا السبب أيضاً يفيد موقع المواعدة الغرامية "ماتش دوت كوم" بأن الأشخاص الذين يستخدمون الإيموجي أكثر في رسائلهم يواعدون عشاقاً أكثر ولديهم علاقات رومانسية أفضل.

وبالإضافة إلى الإفصاح عن المشاعر، سمح ظهور الإيموجي بالتعبير عن بعض الأفكار المعقدة. ففي عام 2016 نشرت صحيفة "ذا تايمز" خبراً عن قيام أحد القضاة باستخدام إيموجي "الابتسامة" من أجل شرح الأدلة لطفلين في المحكمة، كما أن ورقة بحثية اقترحت أنه يجب على المدرسين استخدامها في الفصول الدراسية. وفي عام 2014 نشر البيت الأبيض تقريراً اقتصادياً جرى توضيحه بواسطة الإيموجي. وفي الواقع، هناك نسخة من رواية "موبي ديك" كُتبت بكاملها بواسطة الإيموجي وتحمل عنواناً مناسباً هو "إيموجي ديك".

ويقول سارجانت "أعتقد أن تأثر الإعلام بالإيموجي ما زال ضعيفاً إلى حد كبير، في حين أن استخدامها يزداد في الواقع ضمن سياقات جادة. يوظفها الناس للتعبير عن التضامن في أوقات المآسي الوطنية [إذ استعمل إيموجي النحلة الطنانة على نطاق واسع عبر تويتر في أعقاب تفجير مانشستر أرينا]، كما يلجأ إليها السياسيون في تواصلهم الرسمي (روجت النائبة بيني موردنت لحملة ضد التنمّر من خلال إيموجي يحمل اسم #إيموجي الأخلاق الحسنة)، كما أن احتمال تداولها بين الأشخاص في رسائل العمل الإلكترونية هو أكبر مما كان في السابق".

ويضيف أن الإيموجي بهذه الطريقة، تستطيع تحديد نفسها كأدوات لصناعة الهوية عبر الإنترنت. يعني هذا أن هناك أهمية متزايدة لتنوع الإيموجي، ويجري إصدار إيموجي جديدة سنوياً (إذ يستطيع أي شخص تقديم اقتراح لإضافة رمز جديد)، و كان هناك تركيز متزايد منذ عام 2015 على تنويع ما يُقدم. وتوجد حالياً خمسة ألوان للبشرة، وعائلات مثلية الجنس، وعلم مجتمع الميم، وامرأة تحمل الأثقال، ومجموعة متنوعة من الأطباق العالمية. وقد وصفت هذه العملية بـ "التسييس العظيم للإيموجي".

 

 

ويتابع سارجانت "ثمة مثال على صناعة الهوية يتمثل في ارتداء القاضية ليدي هيل  دبوساً على شكل عنكبوت أثناء النطق بحكمها المتعلق بحل الحكومة للبرلمان، وبدأ الكثير من الناس المتعاطفين مع الحكم باستخدام إيموجي العنكبوت في منشوراتهم عبر تويتر... أو تُستخدم الأيموجي من قبل المنتمين إلى أقصى اليمين. وهناك أمثلة على استخدام الإرهابيين لها كشيفرة". وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي، كان استخدام المغنية الأميركية ليزو لإيموجي ثمرة الدراق للمطالبة بعزل الرئيس دونالد ترمب.

وإضافة إلى كون الإيموجي تسمح لنا بالتعبير عن أفكار معقدة أو عاطفية، فهي تستطيع أيضاً اختراق الحواجز اللغوية، إذ تعتبر المفردات العادية محلية أما الإيموجي فعالمية. وظهرت قوة هذا الجانب في عام 2017 عندما اقترح الباحثون من "كلية جون هوبكنز بلومبيرغ للصحة العامة" و "مؤسسة بيل ومليندا غيتس" استخدام إيموجي بعوضة كطريقة لوصف الأمراض التي يستبب البعوض بنقلها، كالملاريا وزيكا، بشكل أفضل (وجرت الموافقة على هذه الإيموجي في بدايات عام 2018).

يقول سارجانت إن الإيموجي هي جزء من توجه عام نحو تواصل أكثر بصرية، خلقته وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت. ويشرح أن "هذه التغيرات تشمل ارتفاعاً حاداً في استعمال التواصل البصري عبر الإنترنت (إذ تنضم الإيموجي إلى نسق الرسومات المتبادلة GIFs وصور السيلفي، والأفكار المصورة memes، وما إلى ذلك في هذه الفئة)، والتوجه الملحوظ نحو المحادثة غير الرسمية، والمجزأة في كثير من الأحيان".

وعلى الرغم من أن الكثيرين مازالوا يعتبرون الإيموجي ممارسة شبابية، يعتقد الخبراء أنها ستستمر. ويقول سارجانت "أظن أن استعمال الإيموجي كما نعرفها حالياً سيستمر للسنوات القليلة المقبلة في أقل تقدير، وخصوصاً لأنها باتت جزءاً لا يتجرأ من الثقافة، وبالتالي سينطوي استبدال شيء مختلف تماماً بها على نقلة ثقافية كبيرة".

من الأمور التي لا تقبل الجدل، قدرة الإيموجي على التكيف مع العصر. فقد ابتكر للتوّ الناطقون بالإسبانية إيموجي لفيروس كورونا، هو مزيجٌ من رسم تاج الذي يعني بالإسبانية "كورونا" وإيموجي الميكروب، وأيضاً أُدرجت الإيموجي ضمن مناهج جامعات كينغز كوليدج في لندن وإدنبرة و كارديف، كمادة تستحق الدراسة الأكاديمية، كما أن التواصل العاطفي المعزّز الذي توفره لنا عبر الإنترنت لا يقبل النقاش. وتتمتع الإيموجي حالياً بأهمية أكبر منها في أي وقت مضى، في الأقل نظراً للوقت الذي أمضيناه جميعاً في التواصل الإلكتروني خلال الجائحة العالمية وحالة الإغلاق وازدهار العمل من بعد.

© The Independent

المزيد من اتصالات