Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفريقيا تسعى إلى إنعاش علاقتها بمنظمة التجارة العالمية

ستة مرشحين من القارة يتنافسون على المنصب الأول في المؤسسة الدولية

هناك فرقٌ بين أسعار صادرات أفريقيا والدول النامية إلى الدول المتقدِّمة وأسعار الواردات من الدول الصناعية إليها (غيتي) 

ظلَّت منظمة التجارة العالمية حكراً على الغرب لسنوات عدّة، ولكن تحوّلت الأنظار إلى أفريقيا بترشُّح أربع شخصيات من القارة هم: مرشحة نيجيريا نجوزي أوكونجو إيويالا رئيسة مجلس إدارة التحالف العالمي للقاحات (غافي)، التي تتنافس مع مرشحة كينيا أمينة محمد وزيرة الرياضة والثقافة. وهناك مرشّح بنين إلوي لورو السفير لدى الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، ومرشَّح مصر عبد الحميد ممدوح كبير المستشارين في مكتب المحاماة الدولي في جنيف. ولا شكَّ أنَّ فوز مرشح أفريقي خلفاً للمدير العام الحالي البرازيلي روبرتو أزيفيدو، الذي سيترك منصبه في نهاية أغسطس (آب) المقبل، قبل عام من انتهاء ولايته الثانية، سيُحدِث فرقاً في هذا المنصب الذي يتنافس عليه ثمانية أشخاص.

متطلبات ومبادئ

منذ قيام منظمة التجارة العالمية في يناير (كانون الثاني) 1995 وهي تركّز على القضايا والاتفاقيات التي استمدّتها من المفاوضات التجارية السابقة، وعلى وجه الخصوص تلك التي تمَّ التوصل إليها في جولة الأوروغواي (1986 ـــ 1994) لتكون الإطار المؤسسي للاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية (الغات)، التي تم التوصل إليها عام 1947 بهدف تحرير التجارة الدولية من القيود التي فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية. ومن ضمن المبادئ التي يستند إليها النظام، إضافةً إلى التسهيل والتحرير التدريجي للتجارة الدولية، واعتماد مبدأ التفاوض والوفاق الجماعي، هناك مبدأ عدم التمييز الذي يقضي "بعدم جواز قيام أي دولة عضو بالتمييز في المعاملة التجارية بين أيٍّ من الدول الأعضاء، وإذا قامت إحدى الدول الأعضاء بمنح إحدى الدول معاملة وشروطاً تجارية تفضيلية، فتلتزم تعميم هذه المعاملة على كل الدول الأخرى الأعضاء، إلّا في حالة التكامل الاقتصادي". ولا نجد أنّ هذا المبدأ الأخير قد تحقّق بالنسبة إلى أفريقيا وبقية الدول النامية من قِبل الدول الصناعية الكبرى التي تضع شروط الإصلاح السياسي والشفافية في وجه بعض الدول. ووفقاً لذلك، كان التباعد المستمر بين الأنظمة الاقتصادية الكبرى وأفريقيا. ولا تزال الدول الأفريقية ترى منظمة التجارة العالمية أداة الدول الغنية لإيقاع القيود التجارية بها ومعاقبتها حين تفشل في توفير الحدّ الأدنى من المعايير المطلوبة، وأنّها المسؤولة عن أزماتها الاقتصادية، وأنّها تلتفّ حول مبادئ شكليّة للحريات والديمقراطية من أجل تحقيق مصالحها.

من النماذج الأفريقية، تقدّم السودان بطلبه للانضمام إلى المنظمة في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، بعدها استلم حوالى 561 سؤالاً حول التجارة الخارجية في الفترة ما بين (1999- 2004) من أعضاء فريق العمل الخاص بالسودان، وطوال عهد الإنقاذ لم يتمكّن من الإيفاء بمتطلّبات الانضمام المكوَّنة من إصلاح وتعديل السياسات والقوانين حتى تتماشى مع القوانين الدولية، وتقديم بيانات عن السياسات الاقتصادية في البلاد، والإيفاء بمتطلّبات الاتفاقيات العالمية للنظام المتَّبع في منظمة التجارة العالمية.

في هذا الشأن، نجد أنَّ استفادة الدول من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية تختلف تبعاً لدرجة تقدّمها الاقتصادي والتكنولوجي.

تحوّل نحو المنظمة

ما صاحب انضمام الدول الأفريقية إلى منظمة التجارة العالمية من خوف هو أمرٌ مفهوم، لأنَّه متجذِّر بعمق في تاريخ الاقتصاد السياسي للقارة القائم على الزراعة التي تعتمد عليها غالبية الفئات. وعندما انضمت دول أفريقية إلى المنظمة، تحوَّل هذا الإرث إلى مناصفته مع الموجة التصنيعية المتواضعة التي لم تُبقِ على الموارد الطبيعية، ولم تطوِّر السياسة الزراعية. حدث التحوّل الأفريقي بمساهمة من الصين التي انضمت إلى منظمة التجارة عام 2001، مِمّا جعل هذا التبدّل سلاحاً ذا حدين لأنَّ بكين بدأت تحرير التجارة والترويج لمشاريعها الصناعية الاستثمارية، وهي في أشد الحاجة إلى الموارد. ما فعلته هو تقييد هذا التحوّل بالشكل الذي كفل لها الإشراف الكامل على المشاريع التصنيعية المتواضعة في أفريقيا وجلب عمال صينيين بدلاً من الأيدي العاملة الأفريقية، وهنا أتت عضوية الدول الأفريقية في منظمة التجارة على حساب الزراعة والموارد الأولية.

وعندما نشبت الأزمة المالية العالمية بين عامَيْ 2008 و2009، التي عصفت بالبلدان الصناعية، تأثَّرت البلدان النامية ومن بينها أفريقيا بقدر أخفّ، حتى اعتمدت عليها الدول الصناعية في ترسيخ الاقتصاد المستند إلى الموارد، غير أنَّ الفائدة لم تدُم طويلاً لأسباب عدّة، هي: الديون التي تثقل كاهل دول القارة والفساد السياسي المرتبط بالنُظم الحاكمة واعتماد دول القارة على المعونات وتحرير التجارة. ولذلك عندما اتُّفق على صيغة تمكِّن هذه الدول من حقّ الوصول الحرّ بلا حصص محدّدة أو رسوم جمركية إلى الأسواق لترويج منتجاتها، لم تنجح في التطوير الاقتصادي إلّا بالقدر الذي تستفيد منه الدول الأخرى. وعلى ذلك، ظلَّت اتفاقية السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا) التي أُنشئت منذ عام 1994، ووصلت عضويتها الآن إلى 21 دولة، غير فاعلة لأنّ الدول الأفريقية تتطلّع دوماً إلى تحرير التجارة مع الخارج.

تجارة غير عادلة

بالنظر إلى أهمية التجارة الدولية بوجه عام ولأفريقيا بوجه خاص، فإنَّ القارة السمراء تعاني من مشكلة التبادل غير المتكافئ القائم بينها والدول المتقدّمة، إذ يسود فرقٌ بين أسعار صادرات أفريقيا والدول النامية إلى الدول المتقدِّمة، وأسعار الصادرات الصناعية المتجهة منها إلى هذه الدول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويبدو ذلك واضحاً في تغيُّر حركة أسعار كلّ من الصادرات والواردات بفعل الاحتكار والتفاوت في مرونة العرض والطلب في غير مصلحة الصادرات الأفريقية. وفي الوقت الذي كانت تتطلّع أفريقيا إلى تحسين أدائها الاقتصادي ومن ثم تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية على الرغم من المشكلات التي كانت تتعرض لها تجارة المواد الأولية، بدأت حكومات الدول الصناعية تطبيق سياسات انكماشية على مستوى الاقتصاد الكلّي للسيطرة على التضخّم، لكن جزءًا كبيراً من كلفة السيطرة على هذا التضخّم وإدخال تغييرات هيكلية في دول الشمال وقع على عاتق الجنوب من الناحية الفعلية.

واعتبر بهاجيراث لال داس في كتابه "اتفاقيات منظمة التجارة العالمية... المثالب والاختلافات والتغيرات اللازمة" أنَّ "إقحام المنتجين والمصدّرين بالدول النامية في سوق تنافسية كاملة مع شركاء تجاريين أقوياء للغاية يبدو في حدِّ ذاته غير عادل. فقد كان على الدول النامية أن تدفع أكثر فأكثر من المبالغ لخدمة ديونها وتستلم أقل من إيراد صادراتها. وكمثال لهذا ما حدث في الثمانينيات من تردٍّ مفاجئ أدى إلى وقوع أزمة تنمية حتى سُمّي عقد الثمانينيات بالعقد الضائع للتنمية".

أزمة إصلاح

هناك مطالبة طويلة الأمد بضرورة إصلاح منظمة التجارة العالمية وبناء الثقة ومصداقيتها وإعادة تفعيل أجندتها التفاوضية، وتطوير نظام تسوية النزاعات التجارية بين البلدان الأعضاء الذي تعطَّل بسبب توقف الهيئة المتخصّصة في استئناف الدعاوى بالمنظمة عن العمل ونشوب خلافات بشأن تعيين قضاة جدد في هيئتها القضائية. وإزاء هذا الوضع، إذا آلت رئاسة المنظمة إلى أفريقيا ستواجه تحديات عدّة، أبرزها:

- باعتراف منظمة التجارة العالمية، فإنَّها تشهد في هذه المرحلة أكبر ركود يمرُّ عليها بسبب تفشّي جائحة كورونا. وتوقَّعت المنظمة أن تنخفض التبادلات التجارية خلال هذا العام بشكل حاد في جميع أنحاء العالم، وفي قطاعات الاقتصاد كافة، كما أقرَّت بوجود هواجس كبيرة بشأن انعكاسات ذلك على الأداء الاقتصادي. وعندما قارنت الوضع الحالي مع الأزمة العالمية بين 2008 و2009، أقرّت بأنّ الوضع الآن أسوأ.

- في ما يتعلَّق بتوقيت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحرب تجارية واسعة النطاق وتهديد المنظمة بانسحاب الولايات المتحدة بسبب ما ذكره لجهة أنّها سمحت للاقتصاد الصيني النمو بسرعة كبيرة، فيستلزم ذلك منها تحسين العلاقات مع واشنطن، مِمّا دعا نجوزي أوكونجو إيويلا، مرشحة نيجيريا إلى توجيه رسالة إلى ترمب أو من سيأتي بعده "لا تغادروا الآن... دعونا نصلح ما يحتاج إلى إصلاح".

- تصادم الاقتصادات الكبرى بسبب هذه الأزمة، سيوقع البلدان النامية ومنها أفريقيا في أضرار عدّة، خصوصاً في ظل انكماش قوانين الحماية.

- سيتعيَّن على أفريقيا مواجهة الضغط الأميركي في اتجاه إعادة صياغة سياساتها الصناعية التي تسير على هدى النموذج الصيني، وذلك في ظلّ الخلافات بين أميركا والصين بسبب تعامل الأخيرة مع حقوق الملكية الفكرية.

كل ذلك يوقع العبء الأكبر على أفريقيا بضرورة حمل مهمة إصلاح المنظمة، خصوصاً أنَّ بكين تعمل على إعفاءات السلع من الدول الأفريقية بتعرفة جمركية لتيسير دخولها إلى السوق الصينية ومساعدة الدول الأقل نمواً في أفريقيا في توسيع صادراتها وزيادة العائدات منذ عام 2010. ولا ينفصل ذلك عن قضية النهوض الاقتصادي للصين، التي فرضت تحدّيات سياسية واستراتيجية كبيرة للنظام العالمي، بوصفها قوة جديدة تفرض تأثيراتها على جيوسياسية المنطقة.

على الرغم من الصعوبات التي تواجه أفريقيا والدول الأقل نمواً، فإنَّ فوز مرشّح أفريقي برئاسة منظمة التجارة العالمية يمثّل حافزاً قويّاً للإصلاح الاقتصادي والتجاري والمؤسسي والبنى التحتية بصورة مستدامة. وذلك لأنّ البقاء خارج إدراك كيفية إدارة نطاق السوق العالمية يقلّل من فرص التقدم التقني والكفاءة الاقتصادية والارتقاء بالقطاعات الإنتاجية للمستويات العالمية.

المزيد من تحلیل