Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التصعيد المصري - التركي على أرضية الأزمة الليبية وصراع الشرعيات

المشهد حالياً به 6 أطراف رئيسة تتداخل مباشرة مع حالة الصراع القائمة منذ بدء الانقسام في 2014

اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بقبائل شرق ليبيا  (رئاسة الجمهورية المصرية)

من الممكن تلخيص تسارع وتيرة الأحداث في الشأن الليبي خلال الأسبوع الماضي بأنها سجال من التصريحات السياسية ذات المغزى العسكري بين كل من مصر وتركيا، وبالطبع تداخلت التصريحات والمواقف الداعمة لطرف فوق الآخر مع هذا السجال. وبات المشهد حالياً به ستة أطراف رئيسة تتداخل مباشرة مع حالة الصراع القائمة منذ بدء الانقسام في 2014، وتطور أخيراً بعد التدخلات التركية سياسيا، وعسكرياً.  

إذا نظرنا إلى الشرق الليبي، سنجد أن هناك كلاً من مصر بقيادة رئيسها عبد الفتاح السيسي، ومجلس النواب، الكيان المنتخب من قِبل الشعب الليبي برئاسة عقيلة صالح، والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر. والأطراف التي تنتمي إلى الداخل الليبي، أعلنت صراحة مساندتها للموقف المصري، سواء في المساعي السياسية للحل، أو لاحتمالية التدخلات العسكرية من قبل القوات المسلحة المصرية.

على الجانب الآخر، هناك تدخل سافر لتركيا سياسياً وعسكرياً تحت قيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، التي لا تزال متمسكة بشرعية اتفاق الصخيرات التي منحتها إياها الأمم المتحدة، وأخيراً مجلس الدولة في طرابلس برئاسة خالد المشري، وهو المجلس الذي يغلب على التحكم بقراراته التيار الإسلامي في الغرب الليبي. تلك الكيانات الستة شهدت حالة من حرب التصريحات والخلاف على الشرعية خلال الأسبوع الثاني من يوليو (تموز) 2020، ولهذه الحالة الكثير من المعاني في سياق الصراع الليبي على المستويات الداخلية، والإقليمية، والدولية.

 

 

 الموقف المصري

من الممكن أن ننظر لنقطة البداية لسجال الأسبوع الماضي في خطاب الرئيس المصري خلال لقائه أعيان وقيادات القبائل شرق ليبيا، وهو اللقاء الذي ألقى فيه كلمة تحمل الكثير من التصعيد في طياتها كنوع من أنواع رد الفعل الضروري للتحركات التركية داخل الغرب الليبي وعلى سواحل طرابلس. فعلى سبيل المثال، صرح "بأن مصر تمتلك أقوى جيش في المنطقة، وأن تجاوز خط سيرت والجفرة هو خط أحمر للأمن القومي المصري، وأن لمصر شرعية دولية في التدخل العسكري إذا ما حدث ذلك، وأن الدخول العسكري المصري سيكون بطلب من الشعب الليبي والخروج من ليبيا سوف يكون بأمر من الشعب الليبي أيضاً". تلك التصريحات عبرت بكل وضوح عن رسالة لتركيا عن أن مصر موجودة كقوة عسكرية في المنطقة، وأنّ تدخلها في ليبيا حال تعدي خط (سيرت - الجفرة) سيكون قادماً لا محالة.

ردود فعل ممثلي القبائل الليبية على خطاب الرئيس المصري كان داعماً لكل ما قاله. بل هناك عدد من وجهاء القبائل الذين أعطوا تفويضاً للجيش المصري وطالبوا صراحة بتدخله. ولكن هذا المشهد به عدد من الأبعاد التي من الواجب تحليلها سياسياً، أولاً، هل رهان مصر على قيادات ووجهاء القبائل ناجح أم خاسر؟ ثانياً، ما مدى نفوذ القبائل وقدرتها على تمثيل الشعب الليبي، والتأثير في توجهات النخب السياسية والعسكرية بالداخل الليبي؟ بخاصة أن هناك العديد من العوامل السياسية التي تتداخل مع محاولة العثور على أجوبة لهذه الأسئلة.

رهان مصر على دعم القبائل الليبية لتدخلها العسكري أحد الأدوات الاجتماعية التي استخدمتها مصر سياسياً للرد على التدخل التركي. ومن غير الممكن إنكار أن المجتمع الليبي قبلي بالأساس، ولكن منذ 2011، حدث تراجع كبير في النفوذ السياسي للقبائل وقياداتها، سواء في الشرق، أو الغرب، أو الجنوب.

الجدير بالذكر، أن نظام معمر القذافي كان يعطي دوراً للنفوذ القبائلي في ليبيا، وهذا تحاشياً للجوء لأي صراع عسكري، وهو ما كان الهدف الرئيس لإنشاء كتائب القذافي كبديل للقوات المسلحة بعد حرب تشاد. لكن تراجع دور القبائل في الدولة والقرار السياسي عندما انهارت شبه المركزية التي صنعها معمر القذافي. ومصر اليوم تحتاج إلى مظلة من الشرعية كي تقنع المجتمع الدولي أنّ تدخلها العسكري في حال حدوثه، سوف يكون بناء على طلب الشعب الليبي، وليس رغبة مصرية. ولكن مصر اختارت فصيلاً غير فاعل في هذا التوقيت في الداخل الليبي، بعد انتشار السلاح بين مواطني ليبيا، وتفشي ظاهرة الميليشيات، فلم يعد للقبائل الثقل ذاته الذي عرفته من قبل. وبالتالي، يكون الرهان على مظلة الشرعية من قبل قيادات القبائل في ليبيا، وتحديداً شرقها، لا يمنح مصر غطاء من الشرعية أمام المجتمع الدولي. ولكن مصر تراهن على الدور القبائلي منذ زمن طويل، واستضافت القاهرة أكثر من اجتماع ما بين القبائل المختلفة، فيما تظل المشكلة تراجع دور التنظيم الاجتماعي القبلي في ليبيا، بخاصة منذ بدء الانقسام في 2014، وبالتالي قد تكون مصر لجأت لأداة لا تستطيع بالضرورة خدمة مصالحها.

ومن المهم الإشارة إلى أن ليبيا لم يتغير وضعها بالنسبة لمصر، فتظل مسألة مرتبطة بشكل مباشر بالأمن القومي المصري، وبالتالي، لوّحت مصر بقدراتها العسكرية في المنطقة، ولكن على الرغم من مطالبات ممثلي القبائل بالتدخل العسكري المصري في ليبيا، ومطالبات مماثلة من قبل مجلس النواب، والمتحدث العسكري باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري لتدخل مصري عسكرياً لمواجهة التدخل التركي الداعم لقوات حكومة الوفاق، وعدد من المقاتلين الأجانب. فإن الربط يظل بين التصريحات السياسية والعمل العسكري بمحيط سواحل ليبيا في المتوسط، يحمل دلالة على أن مصر لا تزال في مرحلة إرسال رسائل غير مباشرة لتركيا، ورأت أنه كان من الضروري أن يكون هناك رد فعل على التوغل التركي.

 

 

الموقف التركي

بالطبع كان لتركيا رد على التصريحات التي أدلى بها الرئيس المصري خلال لقائه مع قبائل الشرق الليبي، وجاء الرد على لسان رجب طيب أردوغان، وعلى ألسنة عدد من الساسة في الغرب الليبي. تعرض الأول لنقطة كون مصر لا تتبع الشرعية، وتدعم خليفة حفتر هي والإمارات، وهو طرف لا يحظى بأي شرعية وفقاً للأمم المتحدة، التي اعترفت باتفاق الصخيرات وحكومة الوفاق الذي انبثقت عنه. صرح أيضاً بأن الحكومة التركية سوف تسعى لتوقيع اتفاقية جديدة مع حكومة الوفاق حول الوجود التركي في ليبيا، ولكن هذه الاتفاقية سوف تكون تحت رعاية الأمم المتحدة، وهذا الموقف التركي يطرح عدداً من التساؤلات.

تركيا لا تزال مستمرة في إمداداتها العسكرية للداخل الليبي، وهو ما يجعلنا نتساءل، هل تقبل الأمم المتحدة بعقد اتفاقية مع دولة لا تحترم قرار حظر التسليح من قبل مجلس الأمن؟ لا يوجد حتى الآن أي بوادر تكشف عن ملامح هذه المبادرة التركية التي أعلنها أردوغان، ولكن القضية أن تركيا بعد تدخلها في ليبيا، باتت تواجه عدداً من التحديات من القوى الدولية والإقليمية المعنية بالشأن الليبي؛ فرنسا، وقبرص، واليونان، وتظهر هذه الخلافات على أرضية حلف الناتو، ولكن هذه الخلافات من قبل القوى الأوروبية لم تتخط حتى الآن حيز التصريحات السياسية، دون تنفيذ مناورات عملية في محيط جنوب المتوسط.

ويبدو أن الهدف التركي هو اللجوء إلى المجتمع الدولي، مستعيناً بشرعية اتفاق الصخيرات الذي تعترف به الأمم المتحدة، الذي يعطي لحكومة الوفاق شرعية أممية. ولكن في واقع الأمر، لم يتم تنفيذ اتفاق الصخيرات كما جاءت مسودته الموقعة بمدينة الصخيرات في المغرب ديسمبر (كانون الأول) 2015، الذي عبر صراحة عن ضرورة قبول تشكيل حكومة الوفاق من قبل مجلس النواب الليبي، وهو ما يدخلنا في قضية صراع الشرعيات في سياق الأزمة الليبية بين الشرق والغرب.

 

 

صراع الشرعيات

أوقات الصراع عادة ما تشهد شرعيات هشة من غير الممكن الاعتماد عليها، بخاصة إذا ما كان الصراع ينطوي على انقسامات سياسية وعسكرية مثل الوضع في السياق الليبي منذ توقيع اتفاق الصخيرات في 2015. والأزمة الحقيقية التي تقف عائقاً أمام أي توجه للتسوية السياسية في ليبيا هي تلك الشرعية الهشة التي يمتلكها كل طرف من الأطراف المتصارعة. الشرق الليبي يتمسك بشرعية انتخابات مجلس النواب، وباعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي به ككيان تشريعي من خلال اتفاق الصخيرات. وعندما أعلن المشير خليفة حفتر موت اتفاق الصخيرات، تمسك مجلس النواب بشرعية الانتخابات. وهذه الشرعية هي التي أسهمت في تحول عملية الكرامة المكونة في الأصل من مجموعات عسكرية غير نظامية، إلى الجيش الوطني الليبي، وهي الشرعية التي تعترف بها كل من مصر والإمارات وفرنسا في دعم خليفة حفتر سياسياً.

الوضع لا يختلف كثيراً في الغرب الليبي، فهناك أيضا شرعية هشة، وربما أكثر هشاشة من تلك الموجودة في الشرق. بعيداً عن الخلاف الذي دار في 2014 حول الانتخابات النيابية، الذي خلق كيانات تشريعية مختلفة مثل مجلس النواب والمؤتمر الوطني بعد إعلان المحكمة العليا في طرابلس ببطلان الانتخابات النيابية، وهو حكم قضائي جاء بشكل أو بآخر تحت تهديد السلاح، شرعية الكيانات في الغرب حالياً تنبع من اتفاق الصخيرات، ومن اعتراف الأمم المتحدة به كمرجعية للشرعية السياسية في ليبيا منذ توقيعه.

ووفقاً لاتفاق الصخيرات، نشأت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج من ناحية، وتحول المؤتمر الوطني إلى مجلس الدولة من ناحية أخرى. وهذه الشرعية المستمدة من اتفاق الصخيرات هي التي تبني عليها تركيا تدخلها في الشأن الليبي من خلال إبرام اتفاقات مع حكومة الوفاق المعترف بها دولياً.

وسواء في الشرق أو الغرب، يظل التعويل على منظور الطرف الأكثر شرعية شائكاً. والحالة ليست خاضعة للسياق الليبي فقط، بل هي حالة موجودة في التاريخ المقارن للصراعات الداخلية. وبالتالي، سوف تظل هناك عملية جدلية تستخدمها الدول المعنية بالشأن الليبي فيما يتعلق بالاعتراف بشرعية طرف فوق شرعية الآخر. وهي نقطة من غير الممكن أن تصل إلى حل دون إعادة إحياء عملية التفاوض السياسي، والاتفاق على أسس جديدة لشرعية الكيانات السياسية والعسكرية في ليبيا، وهو ما يعني أن الحل العسكري لن يقدم جديداً في الوقت الحالي للداخل الليبي، فهو فقط سيدعم طرفين لديهما شرعية هشة وغير صلبة، مما يعني ضرورة استئناف المفاوضات السياسية للتوصل لحل لتلك المعضلة.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التوافق السياسي العسكري

تشهد المرحلة الحالية من الصراع الليبي حالة لم تكن موجودة من قبل في سياق الصراع، وهي التنسيق السياسي العسكري بين كل طرف من الأطراف المتصارعة. فلطالما كانت الأطراف السياسية، سواء مجلس النواب في الشرق، والمؤتمر الوطني ومن بعده مجلس الدولة في الغرب، لا تتمتع بالتنسيق بين الأطراف السياسية والأذرع العسكرية التابعة لها. فكانت الوفود السياسية تذهب لمؤتمرات دولية للتوصل إلى حل سياسي، مثل مؤتمر باليرمو أو برلين لكي تتفاوض سياسياً، وفي ذات الوقت، تستمر الأذرع العسكرية لكل طرف في مواصلة التصعيد العسكري، وهذا النمط تلاشى بعد التدخل التركي الذي مثل تهديداً لعدد من القوى الإقليمية، وبالطبع للداخل الليبي.

لقد باتت القوى السياسية والعسكرية متفقة على مسار واحد أخيراً، سواء شرقاً أو غرباً، وهو واقع صنعه التصعيد في التهديدات العسكرية بين القوى المتصارعة في ليبيا من جانب، والدول التي تؤيد أطرافاً مختلفة خلال سياق صراع. التوافق السياسي العسكري. ومن الممكن أن يكون ذا فائدة بالمرحلة المقبلة في حال هدوء التصعيد بين كل من مصر وتركيا، ولكن هذا يتطلب وجود كل الأطراف على طاولة المفاوضات السياسية دون إقصاء أو نبذ طرف على حساب الآخر.

 

 

التحرك الدولي المتوقع

في ظل غياب أي علامة دالة على تفوق طرف عن الآخر في الصراع الليبي، تبدو التحركات الدولية غير واضحة حتى الآن. مصر لا تزال مصممة على ما جاء في إعلان القاهرة من بنود، وتسعى لكي يكون الإعلان هو المرجعية في الوقت المقبل إزاء الصراع في ليبيا. وعلى الجانب الآخر، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده تستعد لعقد اتفاقية سياسية جديدة مع حكومة الوفاق برعاية الأمم المتحدة. وفي تلك النقطة تحديداً، هناك سؤال يطرح نفسه دون إجابة، هل ستتعاون الأمم المتحدة مع تركيا بعد أن انتهكت قرار مجلس الأمن بحظر التسليح في ليبيا؟ لا تزال بنود تلك الاتفاقية التي أعلنها غير واضحة، وربما كان هذا التصريح يعبر عن الترهيب رداً على مصر، أكثر من كونه استراتيجية سياسية تتبعها تركيا. وإذا ما تم توقيع اتفاقية جديدة بين تركيا وحكومة الوفاق، سيكون اتفاقاً يدعم التوغل التركي في الداخل الليبي، بمميزات سياسية وعسكرية، بخاصة في سواحل جنوب المتوسط أو المياه الإقليمية الليبية، وهو ما لن تتقبله دول حوض البحر المتوسط سواء في الشمال أو الجنوب.

الخيار العسكري

بات هناك نوعٌ من التهديد المتبادل من خلال تصريحات سياسية غير مباشرة بشأن الملف الليبي بين كل من مصر وتركيا. ولكن هذا لا يعني أن خيار التدخل العسكري هو الخيار الأول لكلتا الدولتين، والاثنتان يعدان من أقوى الجيوش في منطقة المتوسط، لذلك، الصدام المباشر ليس مطروحاً بالضرورة، ولكن هناك سياسة تدعمها تحركات عسكرية لإعلاء مصالح طرف فوق الآخر. لهذا سيظل المشهد في ليبيا معقداً، ومن غير الممكن التنبؤ بمستقبله القريب أو البعيد. 

المزيد من تحلیل