Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القبائل الليبية في المقاربة المصرية والجزائرية للأزمة تنافس أم تكامل؟

مختصون يرون عدم التنافس بين القاهرة والجزائر رغم الاختلاف في تفاصيل الحل

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أثناء لقائه شيوخ وأعيان القبائل الليبية بالقاهرة (أ ف ب)

بينما يحتد الانقسام في ليبيا بين الشرق والغرب، إذ يقف طرفا الأزمة في الداخل وداعموهما الإقليميون عند شفير تصاعد جديد للعمليات العسكرية على خط "سرت - الجفرة"، تعود في الأفق مجدداً أهمية دور القبائل وشيوخها "الرقم الصعب"، وفق توصيف المراقبين، في معادلة الصراع الدائر منذ سنوات في ليبيا، الذي تحوَّل بصورة أكبر خلال الأشهر الأخيرة لـ"حرب بالوكالة".

وخلال الأيام الأخيرة وبعد دعوة جزائرية للتقارب مع "قبائل الغرب الليبي" بحثاً عن استعادة دور في الدولة الجارة، عكس مشهد لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الموسّع مع قبائل الشرق، مدى الأهمية التي باتت توليها الأطراف الإقليمية للقبائل، التي يتفق المختصون على "دورها الأساسي والمهم، الذي لا يمكن تغييبه عن تطورات الملف الليبي وقضايا الحل والتصعيد"، وذلك في وقت تتبادر الأسئلة بشأن مدى التنافس أو التكامل في مقاربة كل من مصر والجزائر تجاه الأزمة الليبية، وفي القلب منها ملف القبائل.

وخلال لقائه قبائل شرق البلاد، إذ قَدِموا إلى القاهرة على متن رحلة جوية من معقل المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي في بنغازي، قال السيسي إنّ بلاده "لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة أي تحرّكات قد تشكل تهديداً للأمن في مصر وليبيا"، موضحاً "لن نتدخل في ليبيا إلا بطلب منكم، وسوف نخرج منها بأمر منكم"، وذلك بعد يومين من إعلان مجلس النواب الليبي المؤيّد حفتر، أنّه أجاز لمصر التدخّل عسكريّاً في ليبيا "لحماية الأمن القومي" للبلدين.

وبالتزامن مع تصريحات السيسي، أعلنت الرئاسة المصرية، في بيان، أن شيوخ وأعيان القبائل الليبية "أعربوا عن كامل تفويضهم للرئيس المصري والقوات المسلحة المصرية للتدخل، لحماية السيادة الليبية، واتخاذ كل الإجراءات، لتأمين مصالح الأمن القومي لليبيا ومصر".

وإلى الجارة الغرب، يبدو أن الجزائر تكثّف من تحرّكاتها في الملف خلال الأيام الأخيرة، فبعد إعلان وزير خارجيتها صبري بوقادم، مقاربة بلاده تجاه الأزمة، قائلاً، "العالم يشهد حاليّاً حرباً بالوكالة في ليبيا، والتدخلات الأجنبية ستحوِّل البلد ليس فقط إلى سوريا جديدة، لكن إلى صومال أيضاً"، معتبراً أن "أمن واستقرار ليبيا يشكّل أولوية قصوى لأمن الجزائر، وأن بلاده تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف".

ونقلت تقارير إعلامية جزائرية عن تحرّك السلطات باتجاه التواصل مع القبائل والأعيان، فضلاً عن دعوة رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح إلى الجزائر، للمرة الثانية خلال شهر.

تنافس أم تكامل أدوار؟

حسب مسؤول مصري حكومي رفيع المستوى "فإن المقاربة المصرية والجزائرية للأزمة الليبية لا يمكن اعتبارها في موضع تنافس، أيّاً كان حجم الاختلاف في تفاصيل الحل"، موضحاً في حديث إلى "اندبندنت عربية"، "رغم التقارب الواضح بين الجزائر وحكومة الوفاق الوطني (مقرها طرابلس في الغرب)، فإن الجزائر لم تتورّط بشكل مباشر في دعم واضح لأي طرف على حساب الآخر". مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود "بعض الاختلاف في آليات وتفاصيل الرؤية الاستراتيجية للبلدين تجاه تطورات الأحداث".

المصدر المصريّ ذكر أن "دول الجوار، التي من بينها مصر والجزائر ودول أفريقية أخرى، سعت لإيجاد حل للأزمة الليبية المتفاقمة، إلا أنّ التدخل التركي الأخير عقّد من تطورات الصراع على الأرض، وبات يهدد كل الأطراف الإقليمية، وليس مصر وحدها"، مذكِّراً بالرفض الجزائري الرسمي لمساعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استخدام أراضيها، لتيسير الدعمَين العسكري واللوجيستي لـ"ميليشيات حكومة الوفاق الوطني في الغرب".

وتدعم أنقرة عسكريّاً حكومة الوفاق الوطني، بينما تساند القاهرة وعواصم إقليمية أخرى قوات الجيش الوطني الليبي شرقي البلاد.

ومن جانبه، يقول مراد شحماط، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة عنابة الجزائرية، "في ظل تجاذب ليبيا بين شرعيتين واتساع فجوة الرفض الشعبي لكلتيهما، تتفهّم الجزائر ضرورة التواصل مع كل الأطراف الليبية للمُضي قدماً نحو إجراء انتخابات، لبناء منظومة حكم جديدة، وفي القلب منها القبائل"، مشيراً في الوقت ذاته إلى رفض بلاده "الوجود التركي" الضخم عسكريّاً واستخباراتيّاً واقتصاديّاً.

وحسب حديث شحماط إلى "اندبندنت عربية"، "ترى الجزائر إمكانية التنسيق والتشاور مع كل من مصر وتونس، باعتبارهما جاريّ ليبيا الأكثر ثقلاً وتواصلاً وارتباطاً وتداخلاً مع الأزمة"، مذكِّراً بتصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون منتصف يونيو (حزيران) الماضي، "عدم تورّط الجزائر في دعم أي طرف، وبقاؤها على مسافة واحدة من الجميع، وإبقاء باب الحوار مفتوحاً بين جميع الفرقاء".

ويقول بشير عبد الفتاح، الباحث السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ورئيس تحرير مجلة الديمقراطية، "لا يمكن اعتبار أن المسألة بالنسبة إلى المقاربة المصرية الكاملة للأزمة الليبية تدخل في سياق منافسة مع الجزائر، بقدر ما هي حرص القاهرة على مقتضيات أمنها القومي والعربي، وسدّ أي ثغرة أمام توسّع التدخل التركي الضار لليبيا والمنطقة".

ويضيف، "رغم التأكيد أن مقاربات البلدين (مصر والجزائر) ليست متطابقة مئة في المئة، فإنهما متفقتان على أن التدخل التركي يمثل تهديداً مباشراً لكلتيهما، وتتلاقيان في نهاية المطاف بالإيمان بأن الحل السياسيّ هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة".

القبائل في فكر القاهرة والجزائر

وعلى وقع التقارب الحثيث الذي تبذله كل من القاهرة والجزائر مع شيوخ وأعيان القبائل الليبية، يتوافق المختصون على أنّ "الدور القبلي أساسيّ ومهم، ولا يمكن تغييبه من المعادلة الليبية، إذ تبقى السند والضامن لأي طرفٍ للإمساك بزمام الأمور في ليبيا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول شحماط، "دور الكيانات والمؤسسات غير الرسمية تصاعد منذ فشل منظومة المؤسسات الرسمية في ليبيا، وباتت القبائل تؤدي أدواراً بديلة، لحفظ الأمن في كثير من المناطق، وذلك عبر تشكيل لجان شعبية، لحماية المناطق والأحياء أو عبر تقديم خدمات، بل وتطوّرت أكثر وأصبحت مع مُضي الوقت شبيهة بجيوش صغيرة أو ميليشيات قبلية، وهو الدليل على مدى التدهور والفشل الذي آلت إليه الأوضاع، وبذلك أصبح دورها فاعلاً في المشهد الداخلي، ولا يمكن تجاوزه".

ويتابع، "بالنسبة إلى الجزائر لم تنظر خلال السنوات الأخيرة بعين الرضا إلى ما يحدث في شرق وغرب ليبيا، وهو ما جعلها ترى ضرورة التواصل مع القبائل والأعيان".

ويعتبر توفيق بوستي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة الجزائرية، أن مقاربة بلاده ترتكز بالأساس على "ضرورة انخراط كل الأطراف الليبية، ومن بينها المكوّن القبلي، في حل مستقبلي للصراع في البلاد، لهذا فإنّ الطرح الجزائري مبنيٌّ بالأساس على الحوار والحلول السلمية، ورفض التدخل العسكري، وإفساح المجال أمام مصالحة وطنية شاملة، لا تستثني أحداً، تجمع بموجبها جميع تشكيلات القبائل الليبية، التي يجب أن تتقاسم السلطة السياسية، وتكون جزءاً من الجيش الليبي الموحد".

ومصريّاّ، يعتبر بشير عبد الفتاح أن "القاهرة من البداية ترى في المكون القبلي والعشائري رقماً مهماً في محاولة مستقبلية للحل"، مشيراً إلى التواصل المستمر بين القاهرة والقبائل منذ سنوات، لا سيما في الشرق، ورؤية القبائل في القاهرة أنها تبقى "العاصمة الوحيدة" القادرة على الوقوف بحزم للتوسّع التركي العسكري في البلاد، وهو ما بدا واضحاً في تأييدهم التدخل المصري العسكري خلال الأيام الأخيرة.

وحسب عبد الفتاح "تبدو القبائل أقرب بصورة أكبر إلى القاهرة من أي عاصمة إقليمية أخرى، لكن هذا لا يعني أن هناك تنافساً بين المسعى المصري والجزائري في ليبيا".

كيف تبدو خريطة القبائل الليبية؟

منذ إطاحة نظام العقيد الليبي معمر القذافي في 2011، يتصاعد دور القبائل، إذ عملت على تشكيل كيانات مسلحة بعد غياب دور الجيش والشرطة وعدم وجود دولة مؤسسات، وانخرط بعضها تدريجياً ضمن المؤسسات العسكرية والشرطية، بينما احتفظت أخرى بسلاحها ومعداتها العسكرية، وكما الانقسام السياسي بين الشرق والغرب الليبي، باتت القبائل تدريجياً منقسمة هي الأخرى، واختلفت درجة تقاربها مع الأطراف الخارجية المنخرطة في المشهد الليبي.

وفي الجزء الشرقي من البلاد، تدعم قبائل العبيدات والمغاربة والبراعصة والمسامير والعواقير مؤسسات الدولة الوطنية في ليبيا، خصوصاً مؤسسة الجيش بقيادة حفتر، وتنتشر بشكل رئيس بمنطقة الجبل الأخضر وطبرق حتى منطقة بنينا القريبة من مدينة بنغازي. وحسب مراقبين، فإن معظم هذه القبائل "لها امتدادات داخل الأراضي المصرية".

وفي غرب البلاد، حيث حكومة الوفاق الوطني، تحتفظ خمس قبائل كبيرة بلعب دور مهم في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية، لما تمتلكه من مقومات أمنية وامتدادات شعبية واسعة، ومن بينها تبرز قبيلة الورفلة (أحد أكبر القبائل في البلاد)، والمقارحة، ومصراتة، وترهونة التي تتكوّن من نحو 60 قبيلة فرعية، ويتكثف وجودها الرئيس في غرب طرابلس.

وتشهد ليبيا التي تملك أكبر احتياطي نفط في أفريقيا نزاعاً بين سلطتين، حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة، ومقرّها طرابلس، والمشير خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق البلاد، وجزء من جنوبها، والمدعوم من البرلمان المنتخب ومقرّه طبرق.

وخلال الأيام الأخيرة، دعا البرلمان المتمركز في الشرق، والمتحالف مع حفتر، مصر إلى تقديم المساعدة في مواجهة الدعم التركي لحكومة الوفاق، وذلك بعد أن ساعدت أنقرة حكومة الوفاق على إرغام الجيش الليبي، بقيادة حفتر، على التراجع عن هجومه على العاصمة.

وقد يؤدي أي تصعيد كبير إلى إشعال فتيل صراع مباشر في ليبيا بين القوى الأجنبية، التي دفعت بالفعل بالأسلحة والمقاتلين في انتهاك لحظر السلاح.

وردّاً على الإجراءات التركية، حذّر السيسي، الشهر الماضي، أن الجيش المصري قد يدخل ليبيا إذا عاودت حكومة طرابلس وحلفاؤها الأتراك الهجوم على خط المواجهة (سرت - الجفرة)، الذي يُنظر إليه على أنه بوابة مرافئ تصدير النفط في ليبيا، وتخضع المدينتان لسيطرة الجيش الوطني الليبي.

المزيد من تقارير