Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلى أين يهرّب العرب واللبنانيون ودائعهم؟

خوف الاقتطاع منها دفعهم إلى خيارات أحلاها مرّ

لافتة مرفوعة على مدخل شركة لبيع السيارات المستعملة في مدينة جبيل اللبنانية (أ ف ب)

منذ بدء الأزمة المصرفية في لبنان وتطوّرها غداة الاحتجاجات الشعبية والحملات المركّزة على المصارف اللبنانية، شكّل مصير الودائع المالية الهاجس الأكبر لدى كبار المودعين، كما لدى الصغار بينهم، وأيضاً لدى المودعين العرب واللبنانيين المغتربين. ذلك أن جزءًا لا يُستهان به من الودائع المصرفية يعود إلى رجال أعمال ومتموّلين عرب استثمروا في القطاع المصرفي اللبناني بسبب المردود المجزي في معدلات الفوائد، لا سيما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ومن ثم بعد الهندسات المالية للمصرف المركزي عام 2016، التي كانت فوائدها على "الأموال الطازجة" أي الداخلة من الخارج إلى السوق المحلية (fresh money) تتجاوز 20 في المئة، وتصل لدى بعض المصارف الكبرى إلى 30 في المئة، وهي أعلى من أي مردود في أي استثمار آخر.
وعلى الرغم من المخاطر العالية المحيطة بتلك الاستثمارات، لا سيما في سندات الدين الحكومية، إلّا أنّ تلك المخاطر لم تشكّل همّاً للمستثمرين، على خلفية ملاءة القطاع وسياسة الدولة القاضية بدعمه، كونه مصدر التمويل الوحيد المتوافر لحاجاتها التمويلية ولتغطية عجوزاتها.

في التاسع من مارس (آذار) الماضي، ومع ‘علان حكومة الرئيس حسان دياب، المشكَّلة على أنقاض حكومة الرئيس سعد الحريري المستقيلة تحت ضغط الشارع، تخلّف لبنان عن سداد ديونه السيادية وعن إقرار خطة مالية- اقتصادية تقترح اقتطاعاً من الودائع من أجل التخفيف من خسائر القطاعَيْن المالي والمصرفي، وتحوّل مصير المدّخرات إلى هاجس يشغل بال أصحابها، الذين بدأوا بشكل جدي، البحث عن الخيارات المتاحة لإخراج أموالهم من المصارف.
على هذه الخلفية، سُحِب مشروع قانون وضع قيود على التحويلات (Capital Control) من على طاولة مجلس الوزراء، إفساحاً في المجال أمام إخراج ما يمكن إخراجه من ودائع. ولكن هذا التدبير لم يكن كافياً بعدما تراجعت قيمة الأموال العائدة للمصارف في الخارج لدى المصارف المراسلة، ولم يَعُدْ ممكناً الاستمرار في عمليات التحويل إلّا للأمور الملحّة التي نظمها المصرف المركزي في تعاميمه وتتعلّق في شكل أساسي بتغطية تحويلات اللبنانيين بمبالغ محدّدة لسداد أقساط جامعية أو مدرسية أو قروض إسكانية أو طبابة واستشفاء، أو لزوم استيراد السلع الأساسية.


الاقتطاع على السحوبات النقدية

استشعر عدد كبير من المودعين، لا سيما الكبار منهم، بإجراءات الاقتطاع المقنّع التي بدأت المصارف تطبّقها على الودائع، أو تلك التي اقترحتها الخطة الحكومية، إما من خلال اقتراح إجراء "بايل إن" (Bail in)، إذ تجيز الخطة للمودعين الاكتتاب في أسهم المصارف بشكل اختياري، وبحسب النسب التي يرتؤونها، وإما الاكتتاب في صناديق مقترح إنشاؤها، أو عبر سندات طويلة الأجل بفوائد صفر. وكانت المصارف عمدت إلى تطبيق الاقتطاع بشكل استنسابي وغير مُعلن، إذ توقفت عن إعطاء المودعين أوراق الدولار المالية، وإن بسقوف ضئيلة ومحدّدة كما فعلت منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بكميات تُحَدَّد وفق حجم الوديعة، وهي الآن تقوم بدفع هذه المبالغ ضمن السقوف عينها وإنما بالليرة وفق سعر حدّده مصرف لبنان بـ3900 ليرة للدولار الواحد، فيما يتراوح سعر الدولار في السوق السوداء بين 8500 و9000 ليرة. وأدى ذلك ولا يزال إلى اقتطاع 50 في المئة تقريباً من قيمة الودائع بالدولار. وثمة معلومات تتردّد حالياً في الأوساط المالية أن المصرف المركزي قد يتجه إلى رفع قيمة الدولار على التسليفات لقاء سداده بالليرة إلى السقف عينه للسحوبات أي 3900 ليرة، ما يعني عملياً بالنسبة إلى صغار المودعين التوقف عن استعمال بطاقات الاعتماد بالدولار، علماً أن سقوف استعمال هذه البطاقات في الخارج قد خُفِّض إلى مئة دولار.
 

الهجمة على النقد والعقار

محاولات المودعين سحب ودائعهم قبل إخضاعها للاقتطاع تجلّت في ثلاثة إجراءات عمد إليها هؤلاء في الأسابيع الماضية:

• قضى الإجراء الأول بخفض قيمة الوديعة إلى ما دون 250 ألف دولار وذلك من خلال توزيعها على أفراد العائلة ومتفرّعاتها. وهذا الإجراء اعتُمد بعدما تردّدت معلومات عن اتجاه الحكومة إلى فرض الاقتطاع على الودائع التي تفوق الـ500 ألف دولار، علماً أن هذا الإجراء لم يُتّخذ بعد، وستُضطر الحكومة إذا رغبت في اللجوء إليه إلى خفض السقف إلى ما دون هذا المبلغ.

• وقضى الإجراء الثاني بسحب أجزاء من الودائع عبر شيكات مصرفية وتسييرها لدى الصرافين مع اقتطاعات منها تراوحت في بداية الأزمة بين 20 و25 في المئة لتبلغ أخيراً 60 في المئة، ما حدا بغالبية المودعين إلى التوقف عن اعتماد هذا الخيار والذهاب إلى خيارات أخرى، نسبة الاقتطاع فيها أقل.

• أبرز هذه الخيارات يكمن في ما يحصل اليوم في سوق العقار، حيث اتجه المودعون إلى تسييل ودائعهم عبر تملّك شقق وأراضٍ. وسُجّلت عمليات بيع كبيرة لمودعين عرب تراوحت قيمتها بين 50 و100 مليون دولار في منطقة سوليدير، الوسط التجاري لبيروت، فيما توزّعت العمليات في بيروت (منطقة الأشرفية شرق العاصمة ومنطقَتَيْ الرملة البيضاء والكورنيش في غربها) ومختلف المناطق اللبنانية، بخاصة في الجبل، لبيوعات بلغت قيمة الاقتطاع عليها نحو 30 في المئة، بحسب ما يقدّر العاملون في قطاع العقار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


انتعاش العقار

وأدى هذا الواقع إلى انتعاش السوق العقارية التي سجّلت ارتفاعاً ملحوظاً في المبيعات، فأظهرت إحصاءات مديرية الشؤون العقارية في وزارة المال اللبنانية ارتفاع المعاملات المسجلة بنسبة 100 في المئة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، ما أدى إلى صعود قيمة الرسوم المُحَصَّلة إلى أكثر من مليار ونصف مليار دولار. وصعد بذلك مجموع الرسوم المُحَصَّلة منذ مطلع السنة الحالية إلى ما يقارب 5 مليارات ونصف مليار دولار. وأسهم هذا الخيار في تهريب الودائع من أمام أي عمليات اقتطاع مقبلة، واستفاد منه أصحاب القروض من المطوّرين العقاريين أو رجال الأعمال الذين عمدوا إلى تسديد أقساطهم وديونهم مقابل عمليات البيع هذه والتخلّي عن بعض الأصول. وتجدر الإشارة إلى أن الخطة الحكومية كانت قدّرت مجموع القروض المتعثّرة في القطاع الخاص بـ40 ألف مليار ليرة، فيما قدّرتها لجنة الرقابة على المصارف بـ14 ألف مليار ليرة. أما محفظة التسليفات للقطاع الخاص فقط، فبلغت حتى أبريل (نيسان) الماضي 65745 ألف مليار ليرة مقارنةً بـ86 ألف مليار في الشهر عينه من العام الماضي. ويُرتقب أن تكون هذه المحفظة سجّلت تراجعاً أكبر في الشهرين الماضيين، ستتكشّف نسبتها مع صدور الأرقام عن جمعية المصارف والمصرف المركزي.
 

ودائع غير المقيمين

في السياق، ترافق التراجع في محفظة التسليفات مع تراجع في حجم الودائع بشكل عام، أي للمقيمين وغير المقيمين، وللفئة الأخيرة بشكل خاص، ما يدلّ على انخراط المودعين الأجانب وغالبيتهم من الرعايا العرب في عمليات الخروج من القطاع المصرفي. وتراجعت الودائع الإجمالية إلى 154.3 مليار دولار في نهاية مارس (آذار) الماضي، بعدما كانت عند مستوى 163.8 مليار عام 2019. وتراجعت ودائع القطاع الخاص غير المقيم إلى 29.6 ملياراً، مقارنةً بـ30.2 مليار في الشهر الذي سبقه، و32.4 مليار بنهاية العام الماضي، و37 مليار بنهاية مارس 2019. وتكشف هذه الأرقام عن المسار التراجعي لودائع غير المقيمين، ما يعكس عدم الثقة بالوضع اللبناني الداخلي.