Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تونس والسودان والبقية ومشقة التحول الديمقراطي

تضطر "حركة النهضة" إلى مسايرة المجتمع المدني القوي لكنها تنتظر الفرصة لتحقيق أحلامها الإخوانية

يواجه السودان تحديات مرحلة انتقالية معقدة في التحول الديمقراطي (مواقع التواصل)

التغيير مسار، لا مجرد قرار. وإذا كان تغيير السلطة عملية سهلة بالقوة، كما أكدت التجارب الكثيرة في العالم العربي، فإن تغيير النظام عملية صعبة ومعقدة قبل بدء التغيير وبعده.

والأصعب هو التغيير عندما تكون السلطة هي النظام والدولة. لكن المصاعب والمتاعب التي تلازم إدارة التغيير تظل تحديات على الطريق نحو التطور. وثمن مواجهتها يبقى أقل بكثير من كلفة الاستسلام للاستقرار المزيف في ظل النظام السلطوي.

والبارز أمامنا في المشهد العربي هو ثلاثة نماذج في معارك الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية: نموذج تونس والسودان، حيث تحديات التحول الديمقراطي بعد انتصار الثورة الشعبية السلمية.

نموذج سوريا وليبيا واليمن، حيث الحروب لمنع الانتقال الديمقراطي للسلطة. ونموذج الجزائر، حيث الامتناع من دون حرب بقوة السلطة التي في يد الجيش عن التحول الديمقراطي الذي تطالب به الثورة الشعبية السلمية في الشارع منذ عامين.

وليست هذه النماذج بالطبع سوى جزء من المشهد العربي وتحدياته: من الإرهاب التكفيري إلى التنافس بين إسرائيل وإيران وتركيا على احتلال الأرض العربية في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا والعراق.
ذلك أن تونس التي كانت السباقة في تجربة التحول الديمقراطي في العام 2011 تواجه مشقة التجربة الجديدة في واقع لا تزال مشاكله القديمة حاضرة: البطالة، الفردية، الانشقاقات المتكررة في الأحزاب، مصاعب الأزمات الاقتصادية، مصاعب تأليف الحكومات وسهولة الإطاحة بها وأحدثها استقالة رئيس الحكومة الياس الفخفاخ.
فضلاً عن العراك داخل البرلمان بدل الحوار وتقديم لائحة بسحب الثقة من رئيسه راشد الغنوشي. وتوتر العلاقات بين رئاسات الجمهورية والمجلس والحكومة، ومشكلة الطموحات الإخوانية لدى حركة "النهضة" وذراعها السرية المسلحة، وسعي رئيسها الذي هو أيضاً رئيس البرلمان إلى إدارة ديبلوماسية مختلفة عن الديبلوماسية الرسمية.
والسودان الذي استعاد روحه في الموجة الثانية من "الربيع العربي" يواجه تحديات مرحلة انتقالية معقدة في التحول الديمقراطي: شراكة في السلطة بين الجيش وقوى المجتمع المدني لا سابق لها في العالم العربي، ولا قواعد ثابتة لها في السودان.
صعوبة تغيير ما فعله النظام السلطوي الإخواني على مدى ثلاثين سنة في بنية القوات المسلحة والميليشيات والدولة والاقتصاد. التناقض بين القوى الجديدة وبين قوى الأحزاب القديمة، الفقر في البلد الذي كان يجب أن يكون "سلة الغذاء" للعالم العربي، تقاسم الثروة والسلطة، ومعالجة مطالب التنظيمات الثورية المسلحة في دارفور وسواها.
ولا مجال لتقليد النماذج التي رأيناها في روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة ودول المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية. ولا أيضاً لتقليد النموذج الألماني بعد هتلر والنازية والإيطالي بعد موسوليني والفاشية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ففي معظم هذه البلدان كانت البنية المدنية مهيأة لقبول التحول الديمقراطي. وفي بعض الجمهوريات الآسيوية السوفياتية السابقة كانت البنية القبلية والأسرية لا تزال جاهزة لتوظيفها في إقامة سلطويات جديدة بأسماء قديمة من النظام السابق.

وهكذا ارتدى مسؤولون في الحزب الشيوعي والدولة ثياب المصلحين الديمقراطيين وأمسكوا بالسلطة الجديدة. وكانت المعادلات واضحة: انتقال من الاشتراكية إلى الرأسمالية بلا رأسمال ورأسماليين، وانتقال من الشمولية الى الديمقراطية بلا ديمقراطيين. ولا خبرة ديمقراطية.

والوقائع صارخة: قبل ثلاثين سنة، أسقط الثوار تمثال فيلكس درجنسكي مؤسس البوليس السري السوفياتي، و"قيصر" روسيا اليوم هو فلاديمير بوتين الضابط السابق في الاستخبارات.
في كتاب "ديمقراطية وديكتاتورية في أوروبا: من النظام القديم إلى اليوم"، تقول أستاذة العلوم السياسية شيري برمان "أن الديمقراطية الليبرالية لا تحدث فقط بفعل رجال ونساء عظام بل أيضاً نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة.

ولكي تنجح، فإنها تحتاج إلى وحدة وطنية ودولة قوية". وتلك هي المسألة في تونس والسودان. تونس حيث تضطر "حركة النهضة" إلى مسايرة المجتمع المدني القوي الذي عمل عليه بورقيبة، لكنها تنتظر الفرصة لتحقيق أحلامها الإخوانية.

والسودان حيث الوحدة الوطنية التي تجلت في الثورة الشعبية تواجه شرخاً كبيراً أحدثه عهد البشير وبرنامج "التمكين" لحكم الإسلام السياسي. لا بل حيث لا تزال ميليشيات "مجهولة" تهاجم معتصمين سلميين، بما يمثل "عقبة حقيقية أمام التحول الديمقراطي" كما قال رئيس الحكومة عبدالله حمدوك.
وأكبر امتحان لقوة التغيير هو تغيير المعادلة التي تصور أنطونيو بورتشيا أنها قدر "اليوم ينتهي، الغد ينتهي، الأمس وحده لا ينتهي".

المزيد من تحلیل