Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دعم السلع هذا "الثقب الأسود" في الميزانية المصرية

تعود إجراءاته الى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

الخبز فجّر أكثر من أزمة في مصر طيلة السنوات الماضية (أ ب)

تمثل قضية الدعم إحدى أهم القضايا الشائكة في مصر منذ عشرات السنين، وكانت إحدى الركائز الأساسية، التي اعتمدت عليها الحكومات المصرية المتعاقبة، لامتصاص الآثار السلبية للحروب، والأزمات الاقتصادية الكبرى، التي عاشتها البلاد خلال القرن العشرين، وهو ما استمر حتى بدأت عملية الإصلاح الاقتصادي عام 2016، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.

وتبرز قضية الدعم بشكل مستمر، كل عام مع إعداد الموازنة العامة للدولة، خصوصاً في ظل ارتفاع المخصصات لهذا "الثقب الأسود"، الذي دائماً ما يبتلع جزءاً كبيراً من إجمالي الإنفاق العام، حتى بعدما قفزت الموازنة المصرية من 1424 مليار جنيه (حوالي 87.5 مليار دولار أميركي)، في 2018 - 2019، إلى 1.7 تريليون جنيه (حوالي 106 مليارات دولار أميركي)، خلال العام المالي الحالي، وهو ما يمثل زيادة قدرها 138 مليار جنيه (8.6 مليار دولار أميركي)، عن العام المالي الماضي 2019-2020.


20.3 مليار دولار العام الحالي

في العام المالي الحالي، سجل الإنفاق العام، على برامج الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية نحو 326 مليار جنيه (حوالي 20.3 مليار دولار أميركي)، بقيمة تقل مليار جنيه فقط عن العام المالي السابق، وبزيادة قدرها 41 مليار جنيه (حوالي 2.5 مليار دولار أميركي ) عن العام المالي 2018 - 2019، فيما خصصت الموازنة نحو 329 مليار جنيه (حوالي 20.6 مليار دولار أميركي) للغرض ذاته، خلال العام المالي 2017 - 2018، في حين كانت جملة ما خصصته في العام المالي 2016 - 2017 نحو 276 مليار جنيه (حوالي 17.2 مليار دولار أميركي).
ويقسم الباب الرابع بالموازنة العامة للدولة، الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، إلى ثلاثة أقسام رئيسة، في مقدمها الدعم بقيمة 140 مليار جنيه (8.7 مليار دولار أميركي)، ثم المنح الاجتماعية بقيمة 17 مليار جنيه (1.06 مليار دولار أميركي)، وأخيراً المزايا الاجتماعية بقيمة 158 مليار جنيه (حوالي 9.8 مليار دولار أميركي).
وتشمل المزايا الاجتماعية معاش الضمان الاجتماعي، بقيمة 19 مليار جنيه (1.18 مليار دولار أميركي)، ومعاش الطفل بقيمة 70 مليون جنيه (4.3 مليار دولار أميركي)، ومساعدات اجتماعية أخرى لم تفسرها الحكومة المصرية، ضمن بنود الموازنة وقيمتها 131 مليار جنيه (8.1 مليار دولار أميركي).


تاريخ الدعم في 100 عام
وفقاً لدراسة أجراها المركز المصري للدراسات السياسية والاقتصادية، فإن الدعم بشكله الحالي لم يُعرف إلا بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، حين أرادت مصر أن تتلافى الآثار السلبية الناجمة عن الحرب، فقررت تأسيس وزارة للشؤون الاجتماعية التي تحولت تدريجاً، لتصبح وزارة التموين والتجارة الداخلية في ما بعد.
وأكدت الدراسة أن ما كان يتم قبل الحرب العالمية الثانية، على فترات، لم يرتقِ إلى مسمى الدعم بمعناه المعروف. تصدّى الملك فاروق، عام 1941، لمشكلة دعم أبناء الطبقات الفقيرة، وخصّص 2000 جنيه (حوالي 125 دولاراً أميركياً) لحل هذه الأزمة، وكان هذا المخصّص أولى حلقات الدعم في مصر لكن بشكل غير مباشر.
الدراسة أوضحت أيضاً أن الحكومة المصرية توسعت، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في تقديم الدعم بطرق متعددة، وكان في صدارتها ما عُرف آنذاك بـ"الإصلاح الزراعي"، علاوة على توفير خدمات اجتماعية تتضمّن الصحة والتعليم، وإصدار البطاقات التموينية للمرة الأولى لعدد محدود من السلع، بهدف توفير السلع الأساسية للمواطنين، كإجراء لمواجهة النقص فيها.
وذكرت الدراسة أن قيمة مخصّصات الدعم ارتفعت في عام 1970 نحو 20 مليون جنيه (1.2 مليون دولار أميركي)، بعد التوسّع في عدد السلع المدعومة، ليصل إلى 18 سلعة أساسية، وتم ضمّ أصناف جديدة مثل: الفول، والعدس، والدجاج، واللحوم، والأسماك المجمّدة، وللمرة الأولى دعمت الحكومة المصرية الكهرباء وخدمات النقل الداخلي، والبنزين، علاوة على أن الدعم خلال حقبة السبعينيات، شمل جميع المصريين من دون تحديد فئة بعينها من المستحقين.


صدام 1977

وأشارت الدراسة إلى أن الحكومة المصرية، اصطدمت للمرة الأولى مع المواطنين بسبب الدعم، في عام 1977، حين قرّر الرئيس الراحل أنور السادات، الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على تنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية، بدأت عام 1976، لتخفيف التداعيات السلبية لحرب أكتوبر 1973.
وبدأ الصدام في يناير(كانون الثاني) 1977، عقب إعلان الحكومة رفع أسعار بعض السلع المدعومة مثل: السكر، والدقيق، والشاي، والرز، وهو ما رفضته شريحة كبيرة من المواطنين وخرجت في احتجاجات واسعة، سرعان ما تحولت إلى أعمال عنف، عُرفت إعلامياً بأحداث يناير 1977، وأطلق عليها مسميات أخرى منها ثورة الجياع. وبلغ عنف هذه الاحتجاجات حداً أجبر القيادة المصرية على التراجع عن قرارات رفع الدعم.

 

تضخّم الثمانينيات
الدراسة لفتت إلى أن الدعم شهد تضخماً في نهاية عقد الثمانينيات، وتأثرت الموازنة العامة للدولة، ما أجبرَ الحكومة المصرية على تنفيذ برنامج أطلقت عليه: "إصلاح نظام دعم السلع الغذائية"، خفّضت تدريجاً من خلاله عدد السلع المدعومة، التي بلغت نحو 20 صنفاً، فرفعت بذلك الدعم عن الأسماك، والدجاج، واللحوم، والشاي، والرز، اعتباراً من عام 1992، حتى وصل عدد السلع المدعومة في عام 1997 إلى 4 سلع فقط هي: الخبز البلدي، والدقيق، والسكر، وزيت الطعام، علاوة على تقليص عدد الأشخاص الذين يحملون بطاقات تموينية من مستحقي الدعم الغذائي.
وتزامن ذلك مع قرار اتخذته الدولة عام 1989، وهو التوقّف عن تسجيل المواليد الجدد بنظام الدعم، كما رفعت في مطلع التسعينيات الدعم عن الخبز البلدي، ذات الجودة المرتفعة، بعد أن صُنّف الخبر إلى درجات من حيث الجودة، ليبقى الدعم على الخبز الأقل درجة مستمراً.

 

برنامج الإصلاح الاقتصادي

مع بداية تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، في عام 2016، عمدت الدولة المصرية إلى التوسع في منظومة دعم السلع التموينية، ودعم المزارعين، مستهدفة زيادة أعداد المستفيدين من دعم السلع التموينية إلى 69 مليون فرد، علاوة على 82 مليون مستفيد من منظومة دعم الخبز، كما جرى استحداث برامج حمائية جديدة للفقراء مثل: تكافل وكرامة، الذي عملت من خلاله الدولة على توسيع قاعدة المستفيدين بالدعم النقدي، الذي رأت أنه البديل المناسب للدعم العينيّ المعتاد، وخصّصت لهذه الفكرة مع بداية العام المالي 2016 - 2017 نحو 4 مليارات جنيه.

في العام المالي التالي 2018 - 2019 زاد دعم السلع إلى 87 مليار جنيه (حوالي 5.8 مليار دولار أميركي)، وبلغ دعم المنتجات البترولية 84 مليار جنيه (5.5 مليار دولار أميركي)، في المقابل انخفض الدعم الموجه للكهرباء إلى 16 مليار جنيه (حوالي مليار دولار أميركي). مع بداية العام المالي الماضي 2019 - 2020، ارتفع دعم السلع التموينية إلى 89 مليار جنيه (حوالي 5.9 مليار دولار أميركي)، وانخفض الدعم الموجه للمنتجات البترولية إلى 52 مليار جنيه (3.2 مليار دولار أميركي)، وسجل دعم الكهرباء نحو 4 مليارات جنيه، قبل أن يصبح صفراً بموازنة العام الحالي 2020 - 2021، كما خفّضت الدولة دعم المنتجات البترولية إلى نحو 28 مليار جنيه، ودعم السلع التموينية إلى 84 مليار جنيه.

 

وزير التموين والتجارة الداخلية: كنا الدرع الواقية للمواطن
وزير التموين والتجارة الداخلية المصري، علي المصيلحي، أكد أن وزارته منذ نشأتها في منتصف أربعينيات القرن الماضي، تمثل الدرع الواقية وحائط الصد للمواطن والمستهلك المصري، موضحاً أنها حلقة الوصل، والجسر الذي يربط بين المواطن وبرنامج الإصلاح الاقتصادي، وأنها تدخلت لامتصاص الآثار السلبية الناجمة عن تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية الأخرى، في ما عرف بعملية "تعويم الجنيه"، وما تبع ذلك من ارتفاع في أسعار السلع والخدمات.
قال وزير التموين المصري لـ"اندبندنت عربية": "كان لزاماً علينا عند تطبيق برنامج الإصلاح، أن نوفر خدمات اجتماعية زائدة بمخصصات الدعم، للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً، والتي كان يتعين حمايتها، للسير في تنفيذ البرنامج"، موضحاً أنه زِيدَ الدعم الغذائي من 25 جنيهاً (1.5 دولار أميركي) للفرد، إلى 50 جنيهاً (حوالي3 دولارات أميركية )، وزيادة المستفيدين من معاش تكافل وكرامة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


أين العدالة؟

وزير التموين والتضامن الاجتماعي الأسبق، جودة عبد الخالق قال، إن العدالة الاجتماعية عادة ما تُفهَم على أنها عدالة توزيع الدخل. وأحياناً الثروة بين الشرائح أو الطبقات، بينما هي تشمل عدالة توزيع الدخل والثروة والفُرص بين أعضاء المجتمع على حد وصفه. وحول واقع العدالة الاجتماعية في مصر قال "عبد الخالق" لـ"اندبندنت عربية": "أعتبرها الفريضة الغائبة حيث إن المسافة بين الواقع والمبتغى كبيرة جداً، لذلك شهدت مطالب المصريين في ثورة يناير 2011، كما بلورها شعارها الجامع "عيش حرية عدالة اجتماعية".
وأشار إلى أن الواقع في مصر، بحسب التقديرات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يوضح تضاعف مساحة الفقر، خلال جيل واحد، حيث ارتفعت نسبة الأسر المصرية التي سقطت تحت خط الفقر القومي، من 16.7 في المئة عام 1999، إلى 32.5 في المئة عام 2018.
وأشار إلى أن برامج الحماية الاجتماعية، التي تطبّقها الدولة لحماية الفقراء، بعد عام 2016، لا تلبي طموح العدالة الاجتماعية، وإنما كانت مجموعة من البرامج التي تشكل حماية مؤقتة، مرجعاً ذلك إلى ما يرى أنه نتيجة للتطبيقات السلبية لبرامج الإصلاح الاقتصادي، التي اعتمدت على سياسات وسّعت نطاق الفقر.
وعبّر عبد الخالق عن عدم رضاه عن غياب العدالة الاجتماعية في مصر، على الرغم ممّا تبذله الدولة من جهود، مؤكداً أن العدالة الاجتماعية شيء آخر غير ما تنفذه الحكومة حالياً.

 

تكافل وكرامة

في عام 2015 بدأت الحكومة المصرية تنفيذ برنامجين للدعم النقدي: الأول، "تكافل" الذي يهدف إلى تقديم دعم نقدي للأسر الفقيرة، التي لديها أطفال يتعلمون في مراحل التعليم المختلفة، من مرحلة الحضانة إلى المرحلة الثانوية.
أما البرنامج الثاني، فهو "كرامة"، الذي يهدف إلى تقديم مساعدة مالية للكبار الذين تخطوا 65 سنة، والمعاقين، شرط أن يكونوا غير قادرين على الكسب، وأن لا يكون لأسرة أيٍ من الفئتين دخل ثابت.
يقدّم البرنامج 325 جنيهاً (حوالي 20.3 دولار أميركي) لكل فرد تنطبق عليه الشروط في الأسرة، ومبلغ 425 جنيهاً (26.3 دولار أميركي) للفردين داخل الأسرة الواحدة، و550 جنيهاً (حوالي 34.3 دولار أميركي) للأفراد الثلاثة، وهو الحد الأقصى للبرنامج، داخل الأسرة الواحدة.
ويبلغ عدد مستفيدي "تكافل" طبقاً لآخر تحديث لوزارة التضامن الاجتماعي المصرية حتى يونيو (حزيران) الماضي، مليوني شخص، فيما يبلغ عدد المستفيدين من برنامج "كرامة" نحو مليون.