Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدعم الحكومي للمواد الأساسية وتقليصه دواء مر

لا بد من التوصل إلى إلغائه في العالم العربي في مقابل إنعاش القطاعات المنتجة ودعمها

طابور أمام أحد الأفران في سوريا عام 2016 (أ ف ب)

يكاد يكون الدعم الحكومي للمواد الأساسية في العالم العربي من البديهيات، وكأنه جزء من النظام السياسي والاقتصادي للحكومات العربية، وهذا ينطبق على كل الدول العربية من دون استثناء، فدعم المواد الغذائية والطاقة كان منذ أربعينيات القرن الماضي في صلب الخطط الحكومية.

شراء السلم الأهلي

أما تبرير هذا الدعم الحكومي والذي غالباً ما يكون بلا تخطيط أو سياسات واضحة ومحددة، فهو تمكين الفئات الأقل دخلاً من الحصول على السلع والخدمات الأساسية عبر خفض أسعارها. وخفض الأسعار يتم عبر تسديد خزينة الدولة للفارق بين السعر الحقيقي والسعر الذي يُحدَد له على أساس مداخيل الطبقات الدنيا والفقيرة والتي ترزح تحت خط الفقر.
وتقوم الحكومات بإرضاء جزء كبير من شعوبها عبر خفض الأسعار بواسطة أموال الخزينة، وهنا ندخل في المعنيَين السياسي والاجتماعي لهذا التدبير. فرجل السياسة أو الحزب الذي يدعو إلى زيادة الدعم الحكومي يجذب الجماهير إليه ويصبح محبوباً و"أبو الفقراء" الذي يشعر بمعاناتهم، أما صاحب الرؤية المعاكسة والذي يرى في الدعم الحكومي فائدةً موضعية وضرراً ممتداً على الاقتصاد العام، فسيلقى نقمةً شعبية وسيُتَهم بالرأسمالية ودعم البرجوازية.
وفي العالم العربي وعبر العقود الماضية، يمكن إيجاد عشرات الأمثلة عن هذين النوعين من السياسيين، لكن في كل الأحوال فإن الدعم الحكومي عندنا ليس آليةً لحفظ التوازنات الاجتماعية وتقليص الفوارق في الدخل بما يمكّن من الانتعاش الاقتصادي الشامل ويحقق تقارباً في مستويات الدخل لدى أغلب الفئات الاجتماعية المتوسطة والقليلة الدخل، بل هو أقرب ما يكون إلى محاولة "لتنفيس الاحتقان الشعبي" أو من أجل تحقيق مكاسب انتخابية أو لشراء السلم الأهلي قبل أن ينتفض "الأهالي" بسبب الفروقات الطبقية.

فساد ومحاصصة وشراكات

ويرى باحثون اقتصاديون كثر في العالم العربي أن الدعم الحكومي للمواد الأساسية يفتح الباب واسعاً أمام المحاباة واستغلال النفوذ والمحاصصات بين الفرقاء السياسيين والتجار ورجال الأعمال والمصرفيين، خصوصاً أن تحديد القطاعات المدعومة والجهات المستفيدة ودرجة استفادتها، كلها إجراءات إدارية محفوفة بمخاطر الرشوة والتأثير واستغلال النفوذ والفساد المالي في دول العالم العربي الذي لم يصبح العمل المؤسساتي والرقابة على الإدارات العامة جزءاً من المنظومة التنفيذية للدولة بعد.
فعلى سبيل المثال في حال أصيبت قطاعات اقتصادية في الدولة بعجز ما، بسبب أزمة طارئة، فإن تحديد الأولوية للدعم الذي يجب تقديمه غالباً ما تكون دونه صعوبات، ناتجة من تشابك المصالح والنفوذ الذي يتمتع به عادة الفاعلون الاقتصاديون وعلاقاتهم المتشابكة عادةً مع الساسة والأطر الإدارية. فللمواد الأساسية عوالمها الهرمية التسلسلية في الأنظمة الحاكمة، فهناك المواد الغذائية وهذه بدورها تنقسم بين الطحين والحليب والسكر والرز وغيرها، وفي كل قطاع منها دائرة كاملة من التحاصص، ثم يأتي قطاع الطاقة مثلاً وهذا بدوره ينقسم إلى أقسام ولكل منها "دولته" الخاصة، وهكذا يدخل قرار الحكومة بدعم المنتجات في هذه التركيبات والعلاقات القائمة والثابتة داخل الإدارة، فتكون السطوة للأقوى ولأصحاب النفوذ، وهذا ما يؤدي إلى صراعات خفية وإلى رشاوى متبادلة وإلى فساد عميم.
الفائدة لمَن لا يحتاجها

في حال تم إيجاد حل للمشكلة الآنفة الذكر تأتي المشكلة التالية، أي المستفيدين من الدعم، وهذه بحسب اقتصاديين ومتخصّصين في هذا المجال واحدة من مثالب الدعم الحكومي، فمثلاً يؤدي دعم مواد غذائية معيّنة من دون غيرها إلى رواج منتجات معينة على حساب أخرى، ثم تكون استفادة الطبقات الفقيرة من هذا الدعم أقل من الطبقات الثرية، فالفقراء يحتاجون الدعم لكنهم لا يملكون السيولة المادية للشراء فيشترون الكمية الأقل بينما يستفيد أصحاب الأموال من الدعم على الرغم من عدم حاجتهم له، والأمر نفسه ينطبق على دعم قطاع الطاقة، إذ إن أصحاب القصور والمنازل الكبيرة والمصانع والسيارات الفارهة يستفيدون من دعم الطاقة أكثر بكثير مما يستفيد منه أصحاب الدخل المنخفض.
لذلك نجد أن النسبة الكبيرة من مخصصات الدعم تذهب لصالح الفئات الأقل حاجة إليها. لذا لجأت السلطات في دول كثيرة إلى حلول أكثر جذرية ومباشرة للخروج من هذا الفخ، ففي البرازيل والهند والأرجنتين وبعض دول أميركا اللاتينية لجأت الإدارات إلى إنشاء صناديق الدعم الحكومية لإعداد لوائح على قاعدة الرقم الوطني مكَّنت من تحديد المستفيدين بالأسماء، وتزويدهم ببطاقات إلكترونية يُقدمونها عند شرائهم السلع المدعومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ماذا يحدث في العالم العربي؟
في تقريره الذي أعده لصالح صندوق النقد العربي في عام 2018، يشرح الباحث طارق إسماعيل ما الذي يجري في العالم العربي من خلال الدعم الحكومي. فمنذ أكثر من أربعة عقود تنفق غالبية الدول العربية على اختلاف أنظمتها السياسية عشرات مليارات الدولارات لدعم السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية كالخبز والسكر والرز والأدوية وخدمات الصحة والمياه والكهرباء والبنزين والديزل. ويتم هذا الدعم من خلال بيعها إلى المستهلك النهائي بسعر أقل من سعر السوق على أن تتحمل ميزانية الدولة الفرق بين السعرين. ويلتهم الدعم المذكور مبالغ ضخمة من الموازنات والناتج الوطني. فعلى سبيل المثال يخصَص ربع الميزانية في مصر والكويت لذلك الدعم. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الدول العربية تسجل أعلى نسب الدعم الاستهلاكي على مستوى العالم. وتذهب تقديرات الخبراء إلى أن 5 إلى 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لمعظمها يذهب لهذا الدعم مقابل 1.3 في المئة في البلدان النامية.
لكن هذا الدعم المنفلت من كل عقال كان لا بد له من نهاية في الآونة الأخيرة، بعد استنزافه الموازنات العربية خلال فترات ارتفاع أسعار المواد الغذائية والبترول على مستوى العالم. لذا اتخذت مصر والأردن والمغرب واليمن ودول أخرى خطوات إصلاحية تهدف إلى ترشيد الإنفاق عن طريق تقليص الدعم الحكومي لبعض السلع كالبنزين والديزل والكهرباء. وجاءت هذه الخطوات بالدرجة الأولى استجابةً للضغوط المتزايدة على ميزانياتها ولشروط صندوق النقد الدولي. إلا أنها وعلى أهميتها لم تحدّ كثيراً من عجز الموازنات الحكومية التي تسببها بشكل كبير، أموال الدعم المخصصة للسلع الاستهلاكية. وإذا كانت دول الخليج تسد هذا العجز من عائدات النفط، فإن الدول الأخرى تقوم بتمويله من طريق الاقتراض أو زيادة الضرائب والرسوم التي تضرّ أيضاً بقطاعات إنتاجية ذات جدوى اقتصادية، لاسيما عندما يؤثر رفع الضريبة في قدرتها التنافسية.

ويشير تقرير صندوق النقد العربي ومقره دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى أن الواقع العملي برهن عن جملة تداعيات تمثّلت في تشجيع وزيادة استهلاك السلع والخدمات التي يشملها الدعم، وتسريع وتيرة نمو النفقات العامة، وتباطؤ نمو الموارد العامة، إضافة إلى التشوّهات السعرية، وتشجيع تهريب السلع عبر الحدود. هذا عدا عن مزاحمة تمويل الاستثمار العام خصوصاً والنقل والبنية التحتية في مجالات الرعاية الصحية والتعليم.

وهكذا التزمت مصر -على سبيل المثال- بإلغاء الدعم الموجه للمواد النفطية بصورة كاملة اعتباراً من يونيو (حزيران) من العام الحالي. كما قلّصت الحكومة العراقية مخصصات البطاقة التموينية من 4916 مليار دينار في عام 2013 إلى 1500 مليار دينار في العام الحالي، علماً أن عدد المعوزين العراقيين تضاعف مرات خلال هذه الفترة بسبب الحرب الأهلية المدمرة والمستمرة.
تقليص الدعم الدواء المرّ
يرى الباحث الاقتصادي العراقي صباح نعوش أن لجوء بعض الدول العربية إلى خفض قيمة العملة وبعضها الآخر إلى زيادة العبء الضريبي، جاء إلى جانب تقليص الدعم الحكومي الموجه، لتعضيد أسعار السلع والخدمات. وهذا الوضع ساهم مساهمة فاعلة في التضخم وتردي مستوى معيشة عشرات الملايين من البشر.

وبرأي نعوش أن هذا التقليص يعود إلى أسباب كثيرة، أهمها العجز المالي بسبب الإنفاق العسكري والأمني في كل الدول العربية والذي أدى إلى تراكم الديون الداخلية والخارجية، فلم تجد السلطات المالية بداً من الضغط على نفقاتها غير العسكرية بخاصة الدعم الحكومي. والسبب الآخر هو شروط صندوق النقد الدولي في جميع برامج الإصلاح الهيكلي المبرمة بين بعض الدول العربية والصندوق والذي يطالب دائماً بتقليص الدعم ومن ثم إلغائه.
ويعتبر فريق الباحثين الاقتصاديين المعارضين لاستمرار الدعم الحكومي بالطريقة التي يجري فيها الآن في العالم العربي، أن ميزانيات الدول العربية ترزح تحت ثقل الديون الداخلية والخارجية بسبب هذا الدعم، بل وتفرض الضرائب المباشرة وغير المباشرة لتأمين الأموال التي يحتاجها هذا الدعم، فيصبح الأمر كما لو أننا نعطي في هذا الجيب ونأخذ من الجيب الآخر. ويرى الباحثون أنه لا بد من تقليص الدعم الحكومي رويداً رويداً وصولاً إلى إلغائه، في مقابل إنعاش ودعم القطاعات المنتجة ودفع المواطنين إلى العمل في مثل هذه المشاريع المنتجة، بدلاً من الاعتماد على الدعم الحكومي الذي يشبه إعطاء الفقير سمكة بدلاً من تعليمه صيد السمك.