Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل منصب الرئاسة الأميركية فردوس للأطهار أم ملعب للشياطين؟

عندما يتقدم المغني كانييه ويست إلى الانتخابات الرئاسية فإن الأمر يفترض قراءة جديدة في الشروط والسمات المطلوبة في ساكن البيت الأبيض

حين تأسست الدولة الأميركية لم تكن كلمة الرئاسة نفسها موجودة في الدستور (غيتي)

هل فقد مقام الرئاسة الأميركية حظوته وأهميته في عيون الأميركيين؟

ربما بات هذا التساؤل في واقع الأمر مزعجاً للكثير من المفكرين الأميركيين الثقات، لاسيما في الآونة الأخيرة، وبخاصة بعد الأخبار المثيرة التي تحدثت عن احتمالات ترشح مغني الراب "كانييه ويست" للانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، على الرغم من أنه كان أحد أشد المؤيدين للرئيس ترمب.

وقد يكون "ويست" مقبولا كطرح نظري، مقارنة بنجمة برامج الواقع التلفزيونية "باريس هيلتون" التي استخدمت أحد برامج الكمبيوتر، "فوتو شوب"، لتظهر نفسها متمددة بصورة جريئة على المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، ولتعلن عزمها الترشح للرئاسة الأميركية.

والشاهد أنه شكلاً ربما يحق لـ"ويست" و"هيلتون" الترشح، لكن الأمر في حقيقته أعقد من ذلك بكثير، فما هي قصة الرئاسة الأميركية منذ البدايات وحتى السيد ترمب الجالس سعيداً في البيت الأبيض؟ وهل الرئاسة الأميركية هي تكليف أم تشريف، وماذا عن الشروط الواجب توافرها في المرشح، والمعايير التي من دونها لا يمكن قبول شخص بعينه بهذا المنصب الذي يشابه رئيس مجلس إدارة العالم؟

 

اختراع الرئاسة الأميركية

مثير جداً شأن الرئاسة الأميركية، ذلك أنه حين تأسست الدولة الأميركية لم تكن كلمة الرئاسة نفسها موجودة في الدستور، وألحقت في ما بعد بالفرع التنفيذي في الحكومة.

لكن لماذا لقب "رئيس"؟ لم لا يكون اللقب "حاكماً"، وهو اللقب الأكثر شيوعاً بين الولايات؟

الجواب نجده في سطور كتاب "مقدمة قصيرة عن الرئاسة الأميركية"، لمؤلفه البروفيسور "تشارلز جونز" رئيس جمعية العلوم السياسية الأميركية والأكاديمي والمفكر الشهير وعنده أن هناك معضلة واجهها الآباء المؤسسون، وهي الحذر من السلطات التنفيذية كما كان يمارسها ملك إنجلترا في ذلك الوقت.

كان لقب "رئيس" أكثر حيادية وربما أقل سطوة، ومشتقاً من كلمة لاتينية تعني في الأساس "يشرف"، وكانت هذه هي الطريقة التي يعمل بها رؤساء المؤتمر الدستوي، ومؤتمر فيلادلفيا والمؤتمرات الكونفيدرالية، فهم يشرفون، ليكن إذن "رئيساً"، ليناسب الحاجة إلى لقب "تنفيذي"، لا يهدّد، وفي الوقت نفسه يدعم.

الأسئلة عن الرئاسة الأميركية في البدايات كانت عديدة، واستلزم ظهور حكومة جديدة، إجابة عن سؤالين بشأن الموقع المكاني: ما المدينة التي ستكون العاصمة؟ أين يعيش ويعمل الرئيس؟

كان هناك، بالإضافة إلى ذلك، سؤال ذو أهمية سياسية ثابتة: كيف ستعمل هذه الهيئة التي ابتُدعت حديثاً، مع الفروع الأخرى؟ وكيف يتم اختيار هذا الرئيس، وماهي الشروط المنظمة لاختيارة والمهام الموكلة إليه. مسيرة طويلة سار فيها الأميركيون للوصول إلى اللحظة الراهنة.

 

الأسس الدستورية للرئاسة

على الرغم من أن المادة الثانية من الدستور التي تؤسس للرئاسة، قد أطلق عليها "أكثر فصول الدستور المكتوبة فضفاضية"، فلم يكن واضعو الدستور غير حاسمين، كما لم يكونوا متحيّرين. لقد تبنوا وجهات نظر متضاربة عن الفرع التنفيذي، ومن المحتمل أن المادة الثانية كانت أفضل الحلول الوسط التي أمكنهم التوصل إليها. فالصيغة التي وافق عليها واضعو الدستور رائعة في غموضها: "تناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة الأميركية" (المادة الثانية، القسم الثاني، الجملة الأولى).

إلا أن معنى السلطة التنفيذية لم يتم تحديده إلا بصورة غير مباشرة في الجملة الأخيرة من القسم الثالث، الذي ينص على أن "يراعى بأن تنفذ القوانين بإخلاص".

في مؤلفهما "الحكومة الأميركية... الحرية والسلطة"، يوضح كل من البروفيسور "ثيودور لووي" من جامعة كورنل، و"بنيامين جينسبرج" من جامعة جونز هوبكنز، ما يطلقان عليه التسلسل الغريب في مسألة اختيار رئيس البلاد، كيف ذلك؟

الثابت أنه بعد الجملة الأولى من القسم الأول مباشرة، تحدد المادة الثانية الطريقة التي يختار بها الأميركيون رئيسهم، وهو وإن كان تسلسلاً غريباً، لكنه يشي بشيء من الصراع الذي دار بين مندوبي الولايات في زمن التأسيس حول كيفية إعطاء السلطة إلى الفرع التنفيذي، وفي الوقت نفسه التوصل إلى توازن بين هذه السلطة، وبين الحدود عليها.

 دار الصرع بين أولئك المندوبين الذين أرادوا أن يختار الرئيس بواسطة الكونغرس، ويكون بالتالي مسؤولاً أمامه، وأولئك الذين كانوا يفضلون اختيار الرئيس مباشرة بواسطة الشعب. فالانتخابات الشعبية المباشرة سوف تنشئ رئاسة مستقلة وأكثر قوة.

اختار واضعو الدستور في نهاية الأمر خطة الانتخاب غير المباشر، والتي تعرف بـ"المجمع الانتخابي"، أو "الكلية الانتخابية"، من خلال مجمّع انتخابي يختار الناخبون فيه بواسطة المجالس التشريعية للولايات، وكان أمل واضعي الدستور بهذه الطريقة، أن يتوصلوا إلى حل "جمهوري"، رئيس قوي يكون مسؤولاً أمام الدولة، والمجالس التشريعية القومية بدلاً من أن يكون مسؤولاً مباشرة أمام ناخبيه.

صفات الإمبريالية الرئاسية

ينظر العالم برمته إلى الرئيس الأميركي نظرة ملؤها الاحترام تارة، والحذر تارة أخرى، ربما لأنه يمتلك صفات دستورية إمبريالية، تجعل منه الرجل الأقوى، داخل أميركا، وحول العالم.

يتحدد وضع الرئيس الأميركي كرئيس للدولة بثلاثة بنود دستورية، تمثل مصدراً يستخدم لبعض السلطات البالغة الأهمية التي تغطيها هذه البنود على النحو التالي:

1 ـ عسكرياً: يمده القسم الثاني من المادة الثانية بالسلطة على اعتبار أنه "القائد الأعلى لجيش وبحرية الولايات المتحدة ولميليشيات مختلف الولايات، عندما تُدعى إلى الخدمة الفعلية للولايات المتحدة".

ويجعل منصب القائد الأعلى من الرئيس الرتبة العسكرية العليا في الولايات المتحدة، مع السيطرة على المؤسسة العسكرية بأكملها، إلا أنه لا يوجد رئيس يجرؤ على أن يرتدي زياً عسكرياً في المناسبات الرسمية، حتى ولو كان جنرالاً سابقاً مثل أيزنهاور.

2 ـ قضائياً: يمدّه القسم الثاني من المادة الثانية كذلك، بسلطة "إرجاء تنفيذ الأحكام"، ومنح العفو عن جرائم ترتكب ضد الولايات المتحدة، ما عدا حالات الاتّهام النيابي.

أما سلطة الرئيس في تقرير الحياة أو الموت للآخرين، فقد ساهمت في رفع الرئيس، إلى مستوى الفاتحين والملوك الأوائل، بأن نصّبت الرئيس كشخص قد يقصده جموع المتضرعين يلتمسون منه الرحمة.

 3 ـ دبلوماسياً: يمدّه القسم الثالث من المادة الثانية بسلطة أن يستقبل السفراء والوزراء المفوّضين الآخرين.

وتعطي هذه السلطة إلى الرئيس صلاحيات لا قيود عليها للنظر في دعاوى أي جماعات حاكمة، لتقرير ما إذا كانوا مسيطرين بالفعل على الأقليم، وعلى السكان في بلادهم، بحيث يمكن لهم أن يلزموها بالمعاهدات وغيرها من الاتفاقيات. وقد أثار النقّاد السياسيون تساؤلات حول حكمة الرئيس فرانكلين روزفلت في تبادل السفراء مع الاتحاد السوفياتي بعد خمسة عشر عاماً من قيام الثورة الروسية عام 1917.

مواصفات الرئيس المطلوب

على أن علامة الاستفهام التي تبقى حاضرة في المشهد: هل يمكن لأي شخص حتى وإن انطبقت عليه الشروط الرسمية، أن يتقدم للترشح للرئاسة؟

بحسب الدستور الأميركي لا يحق لأحد أن يتولى منصب الرئيس إلا بشروط رئيسية:

أولاً، أن يكون أميركي المولد، وثانياً، أن يبلغ من العمر خمساً وثلاثين سنة، وثالثاً، أن يكون مقيماً في الولايات المتحدة أربعة عشر عاماً.

لكن واقع الحال، وكما يوضحه الباحث وعالم السياسة الأميركي البارز "توماس كرونين"، في مؤلفه "الرئاسة تشريف أم تكليف؟"، يختلف عن ذلك، إذ يضع محددات شخصية وسمات لا بد من توافرها، حتى يضحى المرشح ناضجاً في عيون ناخبيه وهي كالتالي:

* الاستقامة وسمو الأخلاق: تتصدر عادة صفة الاستقامة قمة استطلاعات الرأي التي تجرى في أميركا حول ما يرغب الأميركيون في توفره من سمات في شخصية الرئيس القادم، وهذه بالطبع هي النتيجة المتوقعة بعد أربعة عقود من محاولات التضليل والفضائح الرئاسية المتوالية.

* الشجاعة: إن معنى الشجاعة اصطلاحاً هي أنها حالة عقلية أو معنوية تمكّن الشخص من مجابهة الأخطار التي تحيق به بثقة وعزم وإقدام، وبالتالي تعطيه القدرة على الارتفاع إلى مستوى التحدي، ويتطلع الأميركيون إلى رؤساء شجعان من عيّنة "لنكولن"، و"روزفلت"، وآخرين من ذوي التجارب الناجحة، الذين لم تثبط همتهم، ولم تنل من عزيمتهم تلك الإخفاقات العارضة، ولكنها أعادتهم أكثر وعياً للالتفات إلى الملفات الأكثر إلحاحاً.

* الطموح والزعامة: يجب أن يتحلى الرؤساء بطموح ورغبة غير تقليدية في الزعامة ولكنها يجب ألا تنقلب إلى رغبة مرضية في السلطة لا يمكن كبح جماحها، فبالإضافة إلى تلك الرغبة في الزعامة، يجب أن تكون لديهم قابلية للتفاهم وتقدير لاعتماد السياسة على مسألة الأخذ والعطاء.

* التفاؤل: يقول الأميركيون إنهم يحبون الرؤساء الذين يرتقون بآمالهم، ويذكّرونهم بأمجادهم السابقة، ويقنعونهم بأنهم مقبلون على "فجر جديد في أميركا" وعليه، فإن الرئيس لابد أن يبسط يده بالأمل وأن يملأ الدنيا بالتفاؤل حتى في أحلك الظروف.

*القوة والحزم: يريد الشعب الأميركي رئيساً قوياً وحازماً حتى يستطيع حماية هذه الأمة بكل ما أُوتي من قوة، وأن يستخدم كل وسيلة ممكنة للدفاع عن مصالح الأمة، ويلاحظ هنا أن قرابة ثلثي الرؤساء الذين تولوا الحكم في أميركا كانوا عسكريين سابقين، وقد وصل منهم عشرة إلى رتبة جنرال.

* التعلم والإنصات: يتطلع الأميركيون إلى رؤساء يتقبلون النصائح ويكون لديهم فضول فكري وإدراك عميق للتاريخ والمبادئ الدستورية، ويجب أن يكون الرئيس الأميركي وبنحو عام قادراً على الإنصات والتعليم وتوجيه الآخرين، يجب أن ينصت جيداً للجميع حتى يكون قادراً على قيادة الأمة، وأن يتذكر دائماً أن القيادة تهدف أساساً إلى تحقيق الآمال المشتركة للمواطنين والقادة.

* الثقة بالنفس والتواضع: يتمنى الأميركيون دائماً أن يكون لديهم رؤساء يدركون مواطن القوة ومواضع الضعف في شخصياتهم.

* التفاهم وحبّ الناس: يقول علماء السياسة الأميركيون وفي مقدمهم البروفيسور "توماس كرونين"، إنهم يريدون رؤساء يحبون أن يتفاعلوا مع الناس بمودة، كل الناس من مختلف الفئات والطبقات والانتماءات، يريدون أن يكونوا قريبين منهم بحيث يمكنهم أن يتفهموا رغباتهم ويعبروا عنها.

في ضوء ذلك يتساءل كثيرون عن المرشحين لانتخابات الرئاسة المقبلة 2020، وهل يتوافر بينهم من يمتلك مثل هذه الصفات، أو حتى البعض منها؟

حكماً لا يستقيم الجواب إلا من خلال مساءلة التاريخ الرئاسي، وهل كان فردوساً للأطهار دوماً من الرؤساء السابقين، أم أنه على العكس تماماً من ذلك، بمعنى أنه كان ملعباً للأبالسة والشياطين عبر ثلاثة قرون تقريباً منذ قيام الدولة وحتى دونالد ترمب؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رؤساء بين العظمة واللعنة

لعل السمات المتقدمة تستدعي تساؤلاً جوهرياً: هل تاريخ أميركا الرئاسي هو تاريخ رؤساء اعتياديين أم أنه تاريخ "قياصرة رومانيين" في شكل معاصر إن جاز التعبير؟ وهل هو تاريخ رؤساء عظماء أم ملاعين؟

يلفت نظر الباحثين في الشأن الأميركي أن الآباء المؤسسين قد عمدوا باكراً جداً إلى خلق حالة من التماهي بين واشنطن المعاصرة وروما القديمة، حتى الكونغرس يطلق على مبناه اسم "الكابيتول" في إشارة لا تخطئها العين إلى مجلس روما القديم.

أحد أهم الذين يوضحون لنا تاريخ رؤساء أميركا المعاصرين على الأقل، هو "نايجل هاملتون" كاتب السير والأكاديمي والمذيع البريطاني، الحائز جوائز أدبية مرموقة، ولاسيما عن كتاباته حول التاريخ العسكري.

يقدم لنا في مؤلفه الشيق "القياصرة الأميركيون... سير الرؤساء من فرانكلين د. روزفلت إلى جورج دبليو بوش" رحلة شيقة ومثيرة توضح لنا من ارتقى من الرؤساء إلى مرتبة العظمة، ومن لعنه الناس لاحقاً، عبر دخوله إلى حياتهم الخاصة، وكشفه عن نقاط قوتهم وضعفهم، علاقاتهم بمحيطهم الضيق وامتداداً إلى الزعامة القوية في الشرق والغرب، ويقارن بين رئيس وآخر، من برهن على عظمة ومن أخفق.

خذ إليك مثال "فرانكلين د. روزفلت" الذي بلغ في مرحلة لاحقه مستوى من العظمة، والوحيد الذي شغل منصب الرئاسة مدة ثلاث فترات لظروف الحرب العالمية الثانية، الرئيس الثاني والثلاثين من 4 مارس (آذار) 1933 إلى 12 إبريل (نيسان) 1945.

وقد بلغ من عظمة الرجل أنه أطلق عليه لقب لم يطلق على رئيس أميركي أو أوروبي غيره: "فرعون القرن العشرين الحكيم"، الرجل الذي ارتاد جامعة هارفرد، حيث أنهى شهادة الأربع سنوات في ثلاث، وأصبح رئيس تحرير محبوباً لصحيفة الجامعة، والذي لم يتعلم شيئاً عن طريق الحفظ، بل طور منذ صغره عقلاً مستقلاً على نحو مذهل، وكان واثقاً بآرائه الخاصة ويتحلى بنظرة إيجابية إلى الحياة.

كان دخول روزفلت الحرب إيذاناً بمولد الإمبراطورية الأميركية الجديدة الوريث الحقيقي لنظيرتها البريطانية، وإن أعتبر صانع ميثاق الأطلسي، ومؤسس الناتو الحقيقي، الذي حقّق انتصارات كبرى للغرب في مواجهة السوفيات.

من عظماء الرئاسة الأميركية كذلك "جون أف كيندي"، الذي بلغ بدوره العظمة في وقت لاحق، الرئيس الديمقراطي الخامس والثلاثون (20 يناير-كانون الثاني 1961 ـ 22 نوفمبر- تشرين الثاني 1963).

يصف "نايجل هاملتون"، أسرة كيندي، بأن أحداً فيها لم يكن يحب القراءة، غير أن "جاك"، كان يقرأ بشكل مستمر، وكان يتمتع بذاكرة تصويرية قوية وبروح الدعابة الناقد للذات، كما كان يشبه "دوايت إيزنهاور"، وبسحره الجذاب استطاع أن يلفت انتباه أميركا كلها إليه.

اعتبر خطاب القسم الذي ألقاه كيندي، الأفضل من نوعه في تاريخ البلاد، وقد كانت حكمته سبباً رئيسياً في إنقاذ أميركا والعالم من حرب نووية، غير أن هناك من قطع عليه الطريق، سيما أن توجهاته كانت ناحية السلام الدولي، وإغلاق مسارات ومساقات المجمع الصناعي العسكري الحاكم الحقيقي في البلاد.

ولعله من المؤكد وجود رؤساء "لُعنوا من قبل الأميركيين"، في مرحلة لاحقة، ومن هؤلاء "ليندون بينز جونسون"، ديمقراطي، أكمل رئاسة كيندي المغدور الأولى، وولاية لاحقة من نوفمبر 1963 إلى يناير 1969.

منذ بداية مسيرته المهنية، لاحظ زملاؤه وأقاربه والمؤرخون أن جونسون كان يحب فرض سلطته دائما وبشكل هوسي، وعلى الرغم من أنه لم يكن دائماً على حق، غالباً ما كانت سلطته الساخرة من الآخرين تمكنه إما من إخضاعهم، وإما في حال لم يخضعوا كان يستخدم أساليب رخيصة ليتمكن من هزيمتهم، وهكذا ابتعد عنه خيرة الناس، وأكثرهم عقلانية وحساسية، ولم يبقَ منهم سوى المنكسرين والمستعبدين. هل كان جونسون وراء اغتيال كيندي؟

هذا ما يقرّره الكاتب الأميركي "وليم مانشستر" في كتابه "موت رئيس"، وغالباً هذا سبب لعنة جونسون.

هكذا كان الأمر وغالباً سيظلّ كذلك، حال الرئاسة الأميركية من جيل إلى جيل، ومن رئيس إلى آخر.

رئاسة تفقد بريقها لماذا؟

على أن هناك معضلات معاصرة في الطريق تتجاوز في واقع الحال، سمات المرشح، وهل تدفعه ليبلغ لاحقاً مرحلة من العظمة، أم تختصم منه لكي يلعن في ما بعد، إلى مدارات أخرى موصولة بآليات العملية الانتخابية، وكيف باتت الديمقراطية الأميركية معروضة للبيع على أبواب الشركات الكبرى، وفي دهاليز المستثمرين العالميين، هناك حيث من يدفع للجوقة يحدّد اللحن مسبقاً.

في كتابهما "أميركا في عيون مفكريها وساستها" يتحدث "جيمس لاردنر" المفكر البارز و"ناثانيل أوبنثيل" المتخصص في البرامج المعنية بالأخلاق والسياسة والاقتصاد في أميركا، عن إشكالية تمويل الحملات الانتخابية، لا سيما أن المحكمة العليا في واشنطن قد أخفقت في وضع حدود واضحة وفاصلة لمسألة تلقي التبرعات، وخطر ذلك على مسار الديمقراطية وتكافؤ الفرص عند الاقتراع بشكل عام.

المؤلفان الأميركيان يذهبان إلى أنه يجب أن يتولى الرئيس مسؤولية تطبيق نظام تمويل عام وشامل للانتخابات الفيدرالية، فنظام التمويل الرئاسي فيه مواطن ضعف، كما أنه ليس ثمة تمويل حكومي لانتخابات مجلس الشيوخ أيضاً.

في هذا السياق، فليتأمّل القارئ الخطوطَ العريضة لكتاب الصحافي الاستقصائي الأميركي الشهير "غريغ بالاست" والمعنون "أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها"، وبعنوان فرعيّ "كل الحقائق حول ألاعيب الشركات والعولمة والممولين المخادعين".

في الفصل الثاني من كتابه، يتوقف مع انتخابات جورج بوش الابن في ولايته الثانية عام 2004. ما الذي حدث؟

ربما خسر بوش الابن في صندوق الاقتراع، ولكنه ربح في ما يمكن الاعتماد عليه، في حصّالة النقود الخاصة بالتبرعات.

سار الابن المحظوظ مباشرة نحو البيت الأبيض على صندوق محشو بما يقارب نصف مليار دولار، فقد بلغت تبرعات الشركات الأميركية من الأموال الصعبة والأموال السهلة والإنفاق المتوازي وأنواع أخرى من الموارد المالية نحو 447 مليون دولار، قامت ولاشك بخنق "آل غور".

هل هذه انتخابات ديمقراطية أم مزاد لأعلى سعر في صالات نيويورك؟ ثم من أين جاءت هذه الأموال الطائلة؟

الجواب يأخذنا إلى تكساس حيث منابع النفط، فالثابت أن جورج دبليو بوش، لم يكن ليتمكن من جمع هذه الثروة لو كانت كنيته "جونز" أو "سميث". فبينما كان المرشحون الآخرون يتوسلون ويناشدون ويتملقون للحصول على الهبات، أضاف آل بوش طريقة مبتكرة ومربحة إلى كيفية صيد النقود لم يكن باستطاعة المنافسين محاكاتهم فيها، ألا وهي عمل بوبي (لقب جورج بوش الأب)، في ما بعد مرحلة البيت الأبيض، شكل هذا العمل العامل الرئيس في تضخم صندوق تبرعات حملة "جورج دبليو" أو (دوبي كما يلقبونه)، وزاد الثروة الصافية للعائلة بنسبة بضع مئات في المئة.

في العام 1998، وبحسب رواية بالاست، على سبيل المثال، كتب الرئيس الأسبق وقائد عاصفة الصحراء إلى وزير نفط الكويت باسم شركة شيفرون للنفط، يقول بوش بصدق إنه لم تكن لديه حصة في شركة شيفرون، ذلك صحيح، ولكن بعد الاستخدام غير الأناني لنفوذه، وضعت شركة النفط 657 ألف دولار في صناديق الحزب الجمهوري كتبرّع ومن هنا يصل المؤلف إلى خلاصة مفادها أن "عائلة بوش، أعطت أميركا أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها".

وفي الخلاصة، يبدو منصب الرئاسة الأميركي محاطاً بالكثير من الخيوط المتشابكة والخطوط غير المستقيمة، الأمر الذي يلقي بظلال على العملية الديمقراطية برمتها.

وفي ضوء القلاقل المجتمعية التي تعيشها الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة، يضحى من الواضح أن الأميركيين أمام أكثر من حجر عثرة، فهل سيتجاوزون الشقاق الأهلي والخلاف الإيديولوجي؟

ربما يكون ذلك ممكناً حال توافر الشخص الذي يستطيع تجميع الأمة الأميركية، رجل من عيّنة أبراهام لنكولن، أو توماس جيفرسون قديماً، وربما جون فيتزجيرالد كيندي حديثاً، هل في الأفق ما يدلّ على ذلك؟

إن نوفمبر لناظره قريب.