Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القطاع الخاص السوداني مطارد بلعنة التقصير

بقي لأكثر من عقدين خارج منظومة الشراكات الدولية بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية

الفرصة مؤاتية أمام القطاع الخاص السوداني للإسهام في تحسين البيئة الاستثمارية (أ ف ب)

برز القطاع الخاص في كثير من دول العالم خلال العقود الأخيرة كشريك أصيل في عملية البناء والتطوير، وتمكن من النهوض بهذه الدول إلى مستويات متقدمة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تجاوزت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول الـ 50 في المئة. ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، أبرزها مشاركة مؤسسات القطاع الخاص في وضع الأنظمة والسياسات وسن القوانين وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وإزالة المعوقات ودعم مشاركته في البرامج والمشاريع التنموية. 

لكن بالنظر إلى القطاع الخاص السوداني، نجده بقي لأكثر من عقدين خارج منظومة الشراكات الدولية، بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية، كما عانى محلياً من منافسة شركات الدولة التي تسيطر على معظم الأنشطة الاقتصادية في البلاد، ما أدى إلى تغييبه المتعمد عن دوره كشريك أساسي في عملية التنمية.

واقع القطاع الخاص

ويقول الباحث الاقتصادي السوداني الدكتور عز الدين زنون لـ "اندبندنت عربية" إنه، "على الرغم من الظروف الصعبة الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية التي واجهت السودان منذ عقود، إلا أن قطاعه الخاص ظل ولايزال يسهم بشكلٍ واضح في جميع الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية والصحية والتعليمية والبناء والتشييد والمقاولات، وفي حركة الاقتصاد بشكلٍ عام. لكنه عجز حتى الآن عن تقديم نفسه ككيان اقتصادي له صوت واحد ورؤية واحدة مؤثرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية يشعر بها المواطن العادي، ويقنع بها الحكومات المتعاقبة كشريك أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في عملية البناء والتنمية، إضافة إلى أنه متهم دائماً بالتقصير وأنه لا يقوم بدوره تجاه الدولة والمواطن".

وأضاف "هذا التقصير يعود إلى الدولة نفسها، ففي عهد الحكومة السابقة غابت القوانين والأنظمة التي تحكم حركة الاقتصاد، وغُيّبت مؤسسات القطاع الخاص بشكلٍ متعمد، وجيّر دوره التنموي إلى أفراد وشركات ومؤسسات تنتمي إلى الحزب الحاكم كرست كل جهودها للأسف للمصالح الشخصية، بل مُنحت المشاريع التنموية الحيوية مثل الاتصالات والنقل والمواصلات وتوليد الكهرباء والطرق والجسور والسدود والخدمات المالية، التي قامت بخصخصتها في غياب الشفافية وعدم تطبيق الأنظمة والقوانين لأفراد وشركات ومؤسسات تفتقد الخبرة والمهنية والقدرات الإدارية والتسويقية، لذلك فشلت معظمها وحُرم من عوائدها المواطن وخزينة الدولة".

 وزاد "كذلك يرجع التقصير إلى غياب العمل المؤسسي بشكل عام، وبشكلٍ خاص في مؤسسات القطاع الخاص التي تعددت مشاريعها، وغاب عنها التنظيم والتعاون والتنسيق في ما بينها، واتحاد أصحاب الأعمال، وتعددت مصادر قراراتها ومبادراتها وتبعثرت مشاكلها. ويظهر ذلك جلياً في ازدواجية طرح القضايا والمشكلات التي واجهت رجال الأعمال، لا تزال تواجههم، نظراً إلى عدم توفر الكوادر المؤهلة بهذا القطاع، والتي من المفترض تقديم النصح والتوعية اللازمين".

إعادة هيكلة

وربط زنون نهوض القطاع الخاص السوداني بإعادة هيكلة مؤسساته، وحصرها في اتحاد أصحاب الأعمال والغرف التجارية، بحيث تتركز مهام الاتحاد في إدارة الغرف ورعاية مصالحها ومصالح القطاع الخاص بشكلٍ عام، وتكوين لوبي يملك خبرة ودراية للضغط على الحكومة من أجل المشاركة الحقيقية في سن القوانين ووضع السياسات والأنظمة التي تتعلق بجميع أنشطة القطاع الخاص بالتنسيق مع الغرف، فضلاً عن تمثيل القطاع الخاص في المحافل الدولية والمحلية. على أن تحل الغرف التجارية بعد تهيئتها وإعادة هيكلتها محل كل الاتحادات والغرف الفرعية العاملة الآن.

وشدد على أن الفرصة مؤاتية الآن أمام القطاع الخاص للإسهام في تحسين البيئة الاستثمارية، وحث الدولة على الإصلاحات اللازمة في البنية التحتية والخدمات المالية، وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية على المستويات الدولية والإقليمية والثنائية، ما يسهم في تكوين شراكات ناجحة تجارية وصناعية وزراعية مع شركات أجنبية تؤدي إلى جلب الخبرات والتقنية المتطورة للمشاريع الزراعية والصناعية، وتعمل على تنويع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل التي تعود بالنفع للجميع.

واعتبر أن الاستثمار الأجنبي أداة مهمة في عملية التنمية الاقتصادية، حيث أثبتت دراسات عديدة أن هناك علاقة قوية تربط بين معدلات نمو الاستثمار الأجنبي، ومعدلات النمو والتنمية الاقتصادية، ويعد السودان من الدول القليلة التي تتمتع بموارد متعددة لكنها تحتاج لرأس المال والتقنية الحديثة والكوادر البشرية المؤهلة، وهو أمر ليس صعباً في ظل التغيير السياسي وبشائر الانفراج في علاقات السودان الخارجية، لافتاً إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر له دور مهم في عملية التنمية المستدامة، إذ يسهم في تنويع مصادر الدخل من خلال إنشاء وتطوير عدد من الأنشطة الاقتصادية كإنشاء الصناعات الجديدة وتطوير الصناعات القائمة التي يصعب تمويلها من الداخل، وجلب التقنيات العالية التي لا تتوفر محلياً، وخلق قيمة مضافة للمنتجات المحلية، كما يسهم في توطين التكنولوجيا المتقدمة، وزيادة التنافسية للمنتج المحلي في الأسواق العالمية، ما يؤدي إلى تنمية الصادرات، وبالتالي تحسين الميزان التجاري وميزان المدفوعات للسودان، وغيرها من المميزات الاقتصادية.

فيما دعا الغرف التجارية لإنشاء خريطة استثمارية لمناطق السودان المختلفة وبصورة مهنية، تعكس موارد البلاد المتعددة والمتنوعة التي لم تستغل بعد، والتي تم استغلالها بشكلٍ تقليدي، وهو ما سيؤدي إلى جذب المستثمرين، وبناء شراكات أجنبية تعود بالنفع على الدولة والقطاع الخاص والمواطن.

شراكات أجنبية

وحصر زنون متطلبات الشراكات الناجحة في عدد من المعطيات من أهمها تحديد المؤشرات والمعلومات التي تؤثر في قرارات المستثمر الأجنبي، وتقديم التسهيلات والحوافز للاستثمارات الأجنبية، ووضع الأنظمة للمحافظة على الاقتصاد من الآثار السالبة للاستثمار الأجنبي، وخطط إستراتيجية بأهداف محددة للاستثمارات الأجنبية لكي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة، على أن تتضمن هذه الخطط نوع الاستثمارات المطلوبة، والمناطق المستهدفة للاستثمارات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كذلك لا بد من مراعاة الاستقرار السياسي والأمني، والاستقرار الاقتصادي، وذلك من خلال المؤشرات الاقتصادية وأهمها، الميزانية العامة للدولة فكلما كان هناك عجز فهذا يعني اعتماد الدولة على سد العجز عن طريق مدخرات الدولة أو أدوات الدين العام، أو خفض الإنفاق العام. كما يعد وضع ميزان المدفوعات من أهم المؤشرات حيث يعطي تصوراً بشأن القيود الجمركية والمصرفية. وتعد السياسات النقدية كمعدلات أسعار الفائدة وآليات التمويل والتسهيلات المصرفية ومعدل التضخم، وأسعار الصرف ومدى التقلبات فيها من المؤشرات المهمة.

ولفت إلى أن السودان يحتاج إلى تقديم عدد من الحوافز وتوفير عدد من المتطلبات، كتوفير البنية التحتية المناسبة، وزيادة الإنفاق على رأس المال البشري للرفع من كفاءة الكوادر الوطنية، والعمل على تطوير القطاع المالي، وجعل القوانين والأنظمة الخاصة بالاستثمار الأجنبي أكثر مرونة، وتقديم التسهيلات والإعفاءات الجمركية والضريبية في المناطق الأقل نمواً، ووضع الآليات المناسبة للاستفادة من إيرادات الشركات الأجنبية لخلق مدخرات محلية تسهم في عملية التنمية المستدامة، وتقديم مزايا تفضيلية للشراكات بين الاستثمارات الأجنبية والمحلية، والعمل على تطوير قاعدة بيانات سودانية تسهل الحصول على المعلومات عن الاقتصاد والاستثمارات الأجنبية والفرص الاستثمارية، ودعم الابتكار والإبداع، وتوفير البنية الأساسية  للاتصالات وتقنية المعلومات، وإيجاد محاكم تجارية لفض المنازعات الناشئة بين الشركات الأجنبية والجهات والشركات المحلية.

منافسة الدولة

وعلى صعيد متصل أشار المتخصص في قطاع الأعمال السوداني عوض الكريم مصطفى الشيخ لـ "اندبندنت عربية"، إلى أن القطاع الخاص في السودان يعاني من مشكلات كبيرة حدت من دوره الأساسي في مجال التنمية الاقتصادية للبلاد، من أهمها سوء إدارة التمويل المصرفي، الذي حال دون استفادة القطاع الخاص من خدماته، حيث تمول المصارف القطاعات التجارية لمدة سنة فقط، كما أن أسلمة المصارف السودانية خلال فترة نظام الرئيس السابق عمر البشير الذي استمر 30 عاماً، أدى إلى توقف تعاملاتها مع المؤسسات المالية الدولية، فضلاً عن وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهذا ما تسبب في تكبيل القطاع الخاص وحرمانه من الشراكات الأجنبية، إضافة إلى شح السيولة المحلية، وكذلك النقد الأجنبي، إلى جانب عدم استقرار سعر الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي المحدد من قبل بنك السودان المركزي، وسعر السوق الموازية بنسبة تتجاوز الـ 170 في المئة، ودخول الشركات الحكومية بخاصة الأمنية والعسكرية كمنافس للقطاع الخاص في قطاعات حيوية.

ويعتقد الشيخ أن القطاع الخاص السوداني يحتاج إلى وقت لاسترداد عافيته، ومن ثم الانطلاق لجذب شراكات استثمارية مع قطاعات الأعمال في مختلف بلدان العالم، لكن لا بد من إزالة العقبات التي تعترض نمو هذا القطاع، وتحول دون تدفق الاستثمارات من الشركات والمؤسسات ورجال الأعمال الأجانب، وتتمثل في إزالة التشوهات في القوانين والتشريعات الخاصة بالضرائب والجمارك وغيرها.