Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آيا صوفيا تبرز تناقض أردوغان التائه بين الخلافة والعلمانية

تحويلها إلى مسجد قد يوفر الغطاء لاستباحة مقدسات إسلامية ليس أبعدها "الأقصى"

آيا صوفيا صرح فني ومعماري فريد يجذب الزوار في مدينة إسطنبول (رويترز)

حملت الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد تناقضات لطالما لعب دور المنافح عنها، قبل التراجع لحسابات سياسية تتّخذ ذرائع تتلوّن بحسب الوجه الذي يظهره في زي "الخليفة" للعرب ويخفيه بمسوح العلمانية والأتاتوركية حين يخاطب الغرب.

وتبعاً لتباين مواقف أردوغان، شهدت أروقة المحكمة الدستورية في إسطنبول صراعاً دينياً مطّرداً - قبل حسمه - يمنع الصلاة في متحف "آيا صوفيا" ثم يسمح بها، وفقاً لحسابات سياسية توظّف الدين أو ترتهن إلى وتيرة الشعبية التي يحتاج إليها الحزب الحاكم في الانتخابات، هذا على الرغم من مناشدات وتحذيرات مؤسسات دولية ذات مصداقية مثل "اليونيسكو" من الخطوة وإعرابها عن "أسفها الشديد"، لأن الإجراء أيضاً تم من دون إشعار مسبق.

وقالت "آيا صوفيا تحفة معمارية وشهادة فريدة للتفاعلات بين أوروبا وآسيا على مر القرون"، مضيفةً أن وضعها كمتحف يعكس الطبيعة العالمية لتراثها، ويجعلها رمزاً قوياً للحوار.

وأكدت اليونيسكو أن الدول الأعضاء في المنظمة مُلزَمة بضمان ألّا تؤثر أي تعديلات في المواقع المُدرجة في قائمة التراث العالمي على قيمتها البارزة.

ويعلن تحويل آيا صوفيا إلى كنيسة استخدام أردوغان لورقة التهديد الأخيرة التي كان يمارسها لاستقطاب المحافظين واستدعاء زيّ الزعيم الإسلاموي الذي يراوغ الغرب ويدافع عن المواقف العربية والإسلامية.

خطاب ذو وجهين

وواجه الرئيس التركي موجة من الانتقادات تناولت الخطاب الترويجي الذي بثه عبر حساباته الرسمية بالنسخة العربية والإنجليزية، مفاجئاً الطرفين بخطاب يوظّف النضال في سبيل القضايا العربية الإسلامية وآخر يبرز وجه التسامح مع الأديان والسلام وإلغاء القضايا التي نصّ عليها في الحساب الآخر.

وذكر في بيانه العربي أن تحويل آيا صوفيا "إحياء من جديد يبشّر بعودة الحرية إلى المسجد الأقصى، وإحياء يمثّل عودة جديدة للمسلمين في أنحاء العالم كافة من أجل الخروج من العصور المظلمة".

وفي محاولة منه لمغازلة صورة الخلافة الإسلامية، اعتبر أردوغان أن الخطوة "سلام مُرسَل من قلوبنا إلى أنحاء المدن كافة التي ترمز إلى حضارتنا بدءًا من بخارى وصولاً إلى الأندلس"، مشيراً إلى تنامي الدور التركي من مفعول به إلى فاعل.

وتجاهل في بيانه الإنجليزي المداخل التي استرعت انتباه جمهور عريض من المتابعين، وما تواريه من مدلولات سياسية، إذ أظهر البيان أن "أبواب آيا صوفيا ستبقى مفتوحة كحال المساجد التركية جمعاء، للأجانب والمحليين مسلمين أو غير مسلمين" على حدّ قوله.

واعتبر البيان الإنجليزي آيا صوفيا تراثاً مشتركاً للبشرية وستستمر في أحضان الجميع بطريقة أكثر صدقا وأصالة، مرفقاً بدعوة إلى احترام قرار الهيئات القضائية والتنفيذية التركية، والترحيب بمختلف الآراء التي لا تمسّ سيادة تركيا وقراراتها المحلية وتاريخها، وهي التي خلا منها البيان الموجّه إلى الجمهور العربي والإسلامي.

توظيف الورقة الدينية مؤشر إلى العجز؟

وتبقى آيا صوفيا كصرح فني ومعماري فريد يجذب الزوار في منطقة السلطان أحمد بمدينة إسطنبول، التي تعيش الجدل والاستقطاب بين بقاء صوفيا متحفاً صريحاً أو مقر لإقامة الشعائر الدينية، وهي خطوة يرى البعض أنها ربما وفّرت الغطاء لتحويل المواقع الدينية في بلدان أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورأى الكاتب السعودي تركي الحمد في الخطوة التركية تلويحاً بالورقة الدينية، مشيراً إلى أن آيا صوفيا كنيسة رومانية شُيّدت في القرن الثالث، ثم تحوّلت إلى مسجد في القرن الخامس عشر مع دخول محمد الفاتح إلى القسطنطينية، ثم إلى متحف عام 1934، مع مصطفى كمال.

ويذهب الحمد إلى أن أردوغان حين أقرّ جعلها مسجداً، فإنّ ذلك يأتي "ضمن لعبة سياسية مكشوفة لكسب الداخل التركي، حين بدأت أوراقه السياسية الأخرى بالتساقط، فرفع راية الدين هو الورقة السياسية الأخيرة للغارق في مشكلات أعياه إيجاد حلول عملية أخرى، وهو مؤشر إلى بداية غسق النظام".

مواقف متغيرة

وفيما ندّد العالم بالخطوة التي وُصفت بـ"ورقة التهديد" التي يستخدمها أردوغان مع تجدّد المواعيد الانتخابية، فقد كان قبل عام فقط رفض تحويل آيا صوفيا من جديد إلى مسجد، محذّراً من "تداعيات خطيرة لاتّخاذ مثل هذه الخطوة". وتشير المعارضة التركية إلى أن أردوغان الذي دافع عن التحويل هذه المرة يسعى إلى استمالة المحافظين من خلالها.

ولم تغب عن أذهان المتابعين لصعود أدوار أردوغان رفضه أثناء رئاسته الوزراء في 2013 التفكير في تغيير وضع المعلم التاريخي، مبرّراً حينها بأن "الصروح الإسلامية تكاد تخلو من المصلين"، ومشيراً إلى غنى المدينة بدور العبادة مثل مسجد السلطان أحمد الذي لا يبعد عن صوفيا سوى أمتار وأكثر من 3 آلاف مسجد تنتشر في أنحاء اسطنبول.

وذكر أردوغان في مقابلة مع القناة السابعة التركية في 2019 أن "هناك تداعيات قد تنجم عن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، قد تكون خطيرة. دعونا لا ننسى أن هناك الآلاف من مساجدنا في بلدان مختلفة. وهل يفكر هؤلاء الذين يطالبون بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد في ما يمكن أن يحدث لتلك المساجد؟".

صلاة تتردّد بين المحاكم

وشهدت أروقة المحاكم التركية مع تزايد النشاط الإسلامي في عهد الرئيس أردوغان تحركات لأسلمة المبنى وإعادة تحويله إلى مسجد، وبقيت المآذن المطوِّقة للقبة البيزنطية متربّصة بها منذ اعتبارها متحفاً متاحاً للجميع من قبل المؤسسين للعلمانية في تركيا.

وشهد المتحف في 2018 محاولة للسماح بالصلاة تحت سقفه وفق دعوى تتوسّل حرية التعبير والرأي، مرفوعة من مؤسسة التراث التركي المستقلة، لكن المحكمة الدستورية رفضت طلب السماح للمسلمين بالصلاة في المتحف حينها. فيما عادت إحدى المحاكم الإدارية العليا إلى إلغاء القرار الصادر سنة 1934 الذي قضى بتحويل الكاتدرائية السابقة إلى متحف، لتتيح بذلك وضعها تحت إدارة رئاسة الشؤون الدينية التي بدورها ستتيحها للصلاة على الرغم من المعارضة الدولية الواسعة.

وتمثّل الكنيسة موضع الجدل، رمزاً لمسيحيّي الشرق "الأرثوذكس"، بعدما شيّدها البيزنطيون في ثلاثينيات القرن السادس الميلادي قبل أن يسيطر الفاتحون العثمانيون عليها في 1443م، ولذلك كان الاهتمام الاستثنائي من روسيا بحادثة التحويل المثيرة للجدل.

ويبدو أن قدر التحفة الفنية أن تعيش على أتون الصراعات الدينية، مرة بين الفئات المسيحية (الكاثوليك والأرثوذكس)، وأخرى بين المسلمين والمسيحيين، وهذه المرة بين العلمانيين والمحافظين الأتراك. لهذا خشي الحذرون من الصراعات الدينية في منطقة حساسة، أن تؤجج الخطوة التركية مزيداً من الضغائن بين الأديان والحضارات، في وقت تزعم تركيا عبر منابرها وجهودها الإسلامية في أوروبا أنها توطّد للإسلام الحضاري المنسجم مع جميع الثقافات.

ترحيب واعتراض

لم تتوقّف ردود الفعل المتباينة عن إعلان اعتراضها أو تأييدها لما آل إليه المتحف، بين مَن رأى فيه خطوة تعادل الاتجاه الذي مضت عليه أوروبا نحو المساجد الكبرى التي حُوّلت إلى كنائس، مستشهدين بمسجد قصر الحمراء في غرناطة الذي بات كنيسة سانتا ماريا وكنيسة سانت ميخائيل التي حولت عن مسجد قاسم باشا في كرواتيا وكذلك جامع قرطبة الكبير الذي تشغله كاتدرائية سيدة الانتقال، وآخرين رأوا في الإعلان قطعاً لعلاقة تركيا مع النصارى الأرثوذكس وآلاف السياح الذين يستهدفون زيارتها كقبلة مقدسة لدى الروس كما تقول تصريحات الكرملين.

واستدعى الكاتب الصحافي حمزة تكين أول كنيسة بُنيت في الجمهورية التركية وارتباطها بعهد أردوغان، مضيفاً أنه بناها بصفته رئيساً للبلاد من واجبه خدمة كل أطياف الشعب بكل أديانهم وطوائفهم، كما تم في عهد أردوغان ترميم الكنائس الأخرى ليصلّي فيها المسيحيون، موجّهاً حديثه للمسيحيين الذين يهاجمون الرئيس التركي من باب ديني على حدّ تعبيره، ومشدّداً على أن آيا صوفيا مسجد وليس كنيسة.

ترحيب عماني

ورحّب المؤيدون لأردوغان بتصريح المفتي العام لسلطنة عُمان أحمد بن حمد الخليل الذي أصدر بياناً هنّأ الأمة الإسلامية خلاله، بردّ معلم آيا صوفيا من جديد إلى بيت من بيوت الله التي أذن الله أن يُذكرَ فيها اسمُه، يُسَبَّحُ له فيها بالغدو والآصال.

واحتشدت الآلة الدعائية لما يوصف بذراع "الإخوان المسلمين" الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين دعماً للقرار، ودافع المغربي الدكتور أحمد الريسوني في مقال له عن الخطوة التركية، بالقول إنها "ليست تحويل كنيسة إلى مسجد، كما يذكر البعض، ولا هي تحويل كنيسة إلى متحف، ولا هي إغلاق كنيسة، وإنّما هي عبارة عن تحويل مسجد معطَّـل إلى مسجد مفعَّل"، متسائلاً: "ماذا يضير المسيحيين وكنائسهم في ذلك؟ وماذا يضرّهم أن يتحوّل مبنى آيا صوفيا من مرفق سياحي إلى مكان يُعبد فيه الله ويُذكر فيه الله؟ وهل أرباب الديانة المسيحية يفضّلون بقاء آيا صوفيا للسياحة والفرجة، على فتحه لعبادة الله تعالى وتلاوة القرآن؟!".

المناورات اللفظية

واستدعت الأزمة التي افتعلها أردوغان من خلال خطابه النظر إلى تطابق السياسة الأردوغانية والقطرية في كثير من المسائل التي نهجت الخداع اللفظي في محاولة الجمع بين الشيء ونقيضه واستخدام المناورة السياسية في الوصول إلى أهدافها، إذ رصدت مواقع التواصل تناقضات الخطاب التي يواصلها النظامان السياسيان ولن تكون آيا صوفيا آخرها.

وتبنّت قطر من خلال شاشة "الجزيرة" خطاباً على لسانها العربي يستخدم مفردات المقاومة ويتذرّع الاستخدامات الثورية والشعبية، بينما تلتزم في شاشتها الناطقة بالإنجليزية مساراً مغايراً، وعلى سبيل المثال يورد النشطاء أن "الجزيرة" لا تطلق وصف "الشهداء" على الفلسطينيين في نسختها الإنجليزية، بينما تستخدمها في النسخة العربية.

وكذلك برع أنصار أردوغان في توظيف الدفاع عن القدس وتحرير الأقصى ودعم فلسطين، في التسويق لمشروعهم السياسي، بينما يتشبّث من يعتبرونه النموذج بالعلاقات مع إسرائيل ضمن تناقضات لا ترتضيها حتى أيديولوجيته الدينية، كما تتعزّز مناوراته في المقولات والمواقف التي تغازل أمجاد الخلافة العثمانية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وتارة أخرى يحاول التشبّث بالشخصية العلمانية القريبة من الناتو والاتحاد الأوروبي ومظاهر الانفتاح الطاغي في عاصمة الخلافة!

المزيد من تحلیل