Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان الراعي الجديد لمنظمة "الذئاب الرمادية" التركية

يصفها مراقبون بأنها عبارة عن "نصف مليون متطرف فى خدمة الرئيس التركي"

تركي يتظاهر في ألمانيا حاملاً صورة أردوغان ورافعاً إشارة "الذئاب الرمادية" (مواقع التواصل)

في اليوم الأول من قمة قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة البريطانية لندن، التي عُقدت في 3 ديسمبر (كانون الأول) 2019، تبادل الرئيسان الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادات لاذعة حول تركيا ومسلحي "داعش". وذكر ماكرون أن "تصرفات تركيا ضد المقاتلين الأكراد الذين ساعدوا الحلفاء في القتال ضد التنظيم المتشدد تظهر الحاجة إلى تحسين مستوى التنسيق". واتهم  الرئيس الفرنسي القوات التركية بالعمل "أحياناً" مع مقاتلين مرتبطين بـ "داعش" في عملياتها بالشمال السوري، مضيفاً "عندما أنظر إلى تركيا أرى أنها تقاتل الآن ضد مَن قاتلوا معنا، وأحياناً تعمل مع مقاتلين على صلة بداعش".


العثمانية الجديدة

لم تتوقف انتقادات الرئيس الفرنسي لتركيا عند هذا الحد بل أكد في 18 فبراير (شباط) 2020، أنه سيفرض قيوداً على إيفاد دول أجنبية أئمة ومعلمين إلى فرنسا وذلك بهدف القضاء على ما وصفه بخطر "الشقاق". وأشار إلى أن حكومته طلبت من الهيئة التي تمثل الإسلام في فرنسا إيجاد سبل لتدريب الأئمة على الأراضي الفرنسية والتأكد من أنهم يستطيعون التحدث بالفرنسية ومن عدم نشرهم أفكاراً متشددة، التي تروج في عدد من المساجد وأماكن العبادة من خلال بعض الأئمة المموَلين من الخارج، لا سيما من تركيا، بعدما كشف ماكرون عن تمويلات ضخمة وصلت إلى أكثر من 35 مليون يورو للنشاط السياسي خُصصت لمسجد واحد يضم عشرات العملاء الذين يتجسسون على معارضي أردوغان، وينشرون الفكر الإرهابي في أقصى جنوب غربي فرنسا بعد أن حوّل الرئيس التركي المساجد إلى مقرات سياسية تدعو إلى "العثمانية الجديدة" وتؤوي المتطرفين والمتشددين، وتروّج لأفكار متشددة في المجتمعات الأوروبية، إضافة إلى إعداد وكتابة تقارير موجهة إلى حكومة أنقرة عن المعارضة التركية داخل أوروبا.
ويروّج "مسجد النور الكبير" في تولوز لمشاريع أردوغان السياسية، إذ نشر خريطةً لتركيا العثمانية وهي تضم أراضي من الموصل والعراق شرقاً حتى المغرب غرباً، ومن الصومال وإريتريا جنوباً حتى شبه جزيرة القرم شمالاً، والوضع مماثل في مساجد بألمانيا وبلجيكا والنمسا.

الرد التركي

في المقابل، أثارت الجهود الفرنسية في مكافحة التطرف الديني والإرهاب حفيظة المسؤولين الأتراك. وفي هذا الإطار قال رئيس البرلمان التركي، مصطفى شنطوب، إن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حول مكافحة  التطرف و"الانفصال الإسلامي" بأنها معاداة للإسلام.
وأضاف في تغريدة عبر حسابه على "تويتر"، أن "تصريحات ماكرون الذي يُفشل السلام في الساحل الأفريقي وليبيا، ويثير الفوضى في العالم الإسلامي، ويقدّم السلاح للجيش الليبي، حول اعتزامه مكافحة الانفصال الإسلامي، بمثابة معاداة للإسلام".
وتابع "على فرنسا أن تواجه أولاً، ماضيها العنصري والمليء بالمجازر".
وأرفق شنطوب تغريدته بصورة لمعانقة ماكرون وقائد الجيش الليبي خليفة حفتر في اتهام مبطن لهما بمعاداة الدين الإسلامي.


عمليات التجسس تستغل المساجد

وعرض التلفزيون الألماني "زد دي أف" (ZDF)، في مايو (أيار) الماضي، فيلماً وثائقياً، بعنوان "هكذا يتعرض منتقدو أردوغان للتجسس في ألمانيا"، وجرى توثيق كيف أن مؤسسة "الاتحاد التركي الإسلامي" للشؤون الدينية الحكومية تعمل كذراع لجهاز الاستخبارات التركي (MIT) في بناء وإدارة المساجد التي وصل عددها إلى أكثر من 900 مسجد في 16 ولاية في ألمانيا، بحجة خدمة الجالية التركية الكبيرة هناك، لكنها تزرع بينهم المخبرين، وفي مقدمهم إمام المسجد، وذلك من أجل ترصّد تصرفاتهم وولاءاتهم، وإبلاغها لأجهزة الأمن في أنقرة واسطنبول التي تتولى بعد ذلك تعقب مَن يوشى بهم، على أنهم معارضة أو مؤيدون لتنظيم رجل الدين التركي الموجود في الولايات المتحدة فتح الله غولن. ووصفت الاستخبارات الألمانية "البؤر الإرهابية التركية" بأنها ساحة لنشر الأفكار الخاصة بأردوغان ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالدين الإسلامي. وحذرت الاستخبارات الألمانية من دعم أنقرة للأئمة الأتراك وتمويل المساجد والجمعيات الإسلامية لتقوم بأدوار سياسية وتدعم المتشددين، ما دفع دول أوروبية عدة إلى إغلاق عدد كبير من المساجد التي يديرها أتراك.
 

دعم الإرهاب والتطرف في المنطقة العربية
 

ويبدو أن نشاطات الرئيس التركي وتدخلاته في الشؤون الداخلية للدول ودعمه الإرهاب والتطرف، لا تقتصر على الدول الأوروبية، بل تشمل المنطقة العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، حيث ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" في مايو (أيار) الماضي، أن تركيا نقلت 10 آلاف من المرتزقة السوريين تقريباً، من بينهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة، إلى ليبيا للقتال إلى جانب قوات رئيس حكومة الوفاق فائز السراج. وكان أردوغان نفسه أكد في فبراير (شباط) الماضي، إرسال تركيا مقاتلين سوريين إلى ليبيا قائلاً "جنودنا موجودون في ليبيا لدعم الحكومة الشرعية" إلى جانب مقاتلين سوريين. ويأتي كل ذلك مع نشاط بارز لمنظمات تركية مصنفة إرهابية، كمنظمة "صادات" و"اللواء مراد" و"ديتيب" و"الذئاب الرمادية".
 

أردوغان يتخلى عن "رابعة" مقابل "الذئاب الرمادية"
 

تتخبط مواقف واستفزازات أردوغان، فها هو يحوّل كاتدرائية "آيا صوفيا" السابقة من موقع سياحي إلى مسجد. وهو إذ يحاول المزج بين أسطورة عودة الخلافة العثمانية، وبين الظهور بمظهر العلماني الغربي ضمن حلف الناتو، يعمل للترويج لامتداد حكمه مستغلاً أي جماعة أو منظمة، بعدما تبيّن تآكل التأييد الجماهيري له، بل هناك مَن تحداه من داخل حزبه، إضافةً الى الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.  

ولكن الأبرز في الفترة الأخيرة كان تخليه عن إشارة "رابعة" التي اشتهر بها في دعمه لجماعة "الإخوان المسلمين"، مقابل إشارة "الذئاب الرمادية" وذلك في خضم معاركه مع الأكراد العام الماضي. لم يكن أردوغان الوحيد الذي استعمل هذه الإشارة، إذ قام رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم باستخدامها، ما أثار مواقف مندِدة ومنتقِدة من أعضاء في حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا. تبعها بعد ذلك صورة لجندي تركي مشيراً بنفس العلامة، في الأتارب (شمال سوريا) في 12 فبراير (شباط) الماضي، أغضبت مغردين من مناطق مختلفة حول العالم، ودفعت البعض إلى اتهام الجيش التركي بوجود عناصر فاشية ضمن صفوفه. يذكر أن النمسا أدرجت شعارين تستعملهما جماعات في تركيا على لائحة الإرهاب الخاصة بها، وهذان الشعاران هما "الذئب الرمادي" و"شعار رابعة".
 

منظمة "الذئاب الرمادية" أو "أوجاكلاري"

تأسست "الذئاب الرمادية" في أواخر الستينيات، على يد ألب أرسلان توركش، الذي كان أحد مؤسسي الانقلاب عام 1960. وتُعد هذه المنظمة الذراع المسلحة غير الرسمية لحزب الحركة القومية الذي يرأسه دولت بهتشالي، حليف أردوغان. وتُصنف كإحدى الجماعات الفاشية المتعصبة للقومية التركية، وفق ما ذكره موقع "تركيا الآن"، وكانت تُعد سابقاً منظمةً إرهابية في تركيا، حتى عام 2018، حين عُقد "التحالف الجمهوري"، بين حزب "العدالة والتنمية" وحزب "الحركة القومية" من أجل الانتخابات الرئاسية التركية.
وتتألف المنظمة من الشباب التركي حصراً، بخاصة الطلاب أو النازحين من الريف إلى إسطنبول وأنقرة، والفقراء الساخطين. وتؤمن الحركة بالتفوق العرقي للأتراك، وتسعى إلى استعادة أمجادهم وتاريخهم وتوحيد الشعوب التركية في دولة واحدة، إضافة إلى معاداة القوميات الأخرى كالكرد واليونان والأرمن. وتمتد حدود دولة الأتراك بحسب "الذئاب الرمادية"، من البلقان إلى آسيا الوسطى، مستلهمين ذلك من تاريخ الدولة العثمانية. ويُعد دمج "الذئاب" بين الهوية التركية والدين الإسلامي في توليفة واحدة، أكثر ما يهيمن على خطابات المنظمة وأطروحاتها. كما يشكل الأكراد محور العداء الأساسي لـ"الذئاب الرمادية"، حيث يهتم التنظيم بعدم السماح بتأسيس أي دولة كردية بشتى الوسائل.


أسطورة الذئبة "آسينا"

وتقول الأسطورة إن قبيلة تركية كانت تعيش في ما يعرف الآن بالصين، حصلت بحقها مجزرة وأُبيدت بالكامل على يد قبيلة أخرى منافسة. كانت نهاية هذه القبيلة وحشية وفظيعة. لكن كان هناك ناجٍ وحيد، وهو طفل صغير أنقذته ذئبة رمادية اللون ضخمة اسمها "آسينا". لكن القبيلة التي نفذت المجزرة بحق قبيلة الطفل، قطعت قدميه وألقت به في مستنقع، حينها استجابت الذئبة لصرخاته المفزعة، ورحّبت به وأرضعته. الذئبة "آسينا" هي نفسها مَن قادت الأتراك من وادي ايرجينيكون الذي ظلوا فيه أربعة قرون بعد هزيمتهم عسكرياً. وتُعتبر هذه الأسطورة هي القصة التي أدت إلى نشوء القوميتين المنغولية والتركية، بحسب بعض المؤرخين. ومن هنا جاءت التسمية، وجاء الشعار الذى تحول إلى شعار القوميين المميز، فى إشارة منهم لاعتقاد بأنه يعنى نقاء الجنس التركي والهوية المميزة، ويغذي نزعة التفوق العرقي، على غرار النازية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


دموية وعنف "الذئاب الرمادية"

ويصف باحثون المنظمة بأنها عبارة عن "نصف مليون متطرف وإرهابي في خدمة أردوغان". وقبل ذلك كانت "الذئاب الرمادية" هي القوة الرئيسة المشاركة بأعمال العنف السياسي التي جرت في تركيا في ثمانينيات القرن الماضي، وشاركت في عمليات القتل وتبادل إطلاق النار في الشوارع. وانخرطت بعمليات إرهابية كبيرة، حيث صُنفت كمنظمة إرهابية مسؤولة عن قتل مئات العلويين في مذبحة مرعش عام 1978، ومتورطة في مذبحة ميدان تقسيم عام 1977 التي راح ضحيتها 126 شخصاً. كما تُعتبر كوادرها العقول المدبرة لمحاولة اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني عام 1981 بواسطة محمد علي آغا. وتم اعتبار "الذئاب الرمادية" منظمة معادية للسلطة التركية في الثمانينيات بعد أن أصبح للمنظمة نحو 100 معسكر للتدريب، ونحو 1700 فرع، وضمت أكثر من 200 ألف عضو. وسجلت السلطات التركية أن 220 عضواً بالمنظمة قتلوا 694 من الناشطين والمفكرين اليساريين والليبراليين في تركيا.
ولكن مع تركيز الحركة على عدائها للأكراد في تسعينيات القرن الماضي، بادرت السلطة إلى إشراكها في معارك ضد تنظيم حزب العمال الكردستاني، ما جعلها تلقى قبولاً لدى الحكومات التركية المتعاقبة التي استخدمتها في معاركها ضد الأكراد، قبل تسمية تلك الفرق العسكرية التابعة للذئاب الرمادية بـ"فرق الموت"، التي شاركت في معارك ضد "حزب العمال الكردستاني" PKK في شرق تركيا. ويُذكر أن اسم "ألب أرسلان جيليك" أحد ناشطي "الذئاب الرمادية"، برز مع ظهوره في مقطع فيديو لحادثة إسقاط الطائرة الروسية فى ريف اللاذقية عام 2015، وتحدث عن تفاصيل عملية تصفيته لأحد الطيارين الروس.


العودة من بوابة سوريا

في السياق، يُعتبر رئيس الوزراء التركي السابق نجم الدين أربكان، أستاذ أردوغان وحركة "الذئاب الرمادية" على حد سواء، إذ اعتمد على مزج الأفكار القومية التركية العنصرية بالأفكار الدينية المتشددة لجمع الأنصار. وأسس ذلك مساحةً من التعاون والتوافق بين أربكان وتلميذه أردوغان مع حركة الذئاب الرمادية. وبعد ظهور التعاون السياسي بين الرئيس التركي و"الذئاب" إلى العلن في عام 2017، توالت الأحداث لتكشف أن أعضاء المنظمة تجمعوا ضمن ميليشيات داخل مدينة عفرين السورية التي تسيطر عليها تركيا منذ عام 2018، حسب ما كشف "المرصد السوري لحقوق الإنسان" في فبراير 2018.
وفي أعقاب عملية "غصن الزيتون"، تمركزت هذه العناصر في الشمال السوري بتكليف مباشر من أنقرة. في ذلك الوقت، لم تعد مشاركة "الذئاب الرمادية"، أمراً خافياً، فأكد المركز الأوروبي لحقوق الإنسان، أن "المنظمة التركية الإرهابية تساند التركمان في سوريا بالمساعدات العسكرية والمقاتلين من أعضاء حزب الحركة القومية". وكشف المركز مقتل العديد منهم في معارك مع قوات النظام السوري. ويؤكد تقرير لصحيفة "انتظار" التركية نُشر في فبراير 2016، أن أنقرة استخدمت ميليشيات "الذئاب الرمادية" إلى جانب "داعش" والفصائل الإرهابية المسلحة الموالية لأنقرة، في مساعيها للسيطرة على الشمال السوري.
ولم يبدأ نشاط تلك الحركة في سوريا أثناء العدوان التركي الأخير، بل منذ سنوات، مع بدء تلقي التركمان في سوريا مساعدات عسكرية، إضافة إلى مقاتلين من "الذئاب الرمادية".