Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"علبة باندورا" فيلم لويز بروكس - لولو قبل أي شيء آخر

عندما يحول الفيلم بطلته إلى أسطورة وتعطيها الرقابة حقها

لويز بروكس في لقطة من "علبة باندورا" (1929)

هناك أفلام، أو أعمال فنية بشكل عام، ترتبط باسم الشخصية الرئيسة فيها، فلا تنفكّ عنه بعد ذلك. من هذا النوع على سبيل المثال "لاورا" لجين تيرني/أوتو بريمنغر، ولكن خصوصاً "لولو" ذلك الفيلم الصامت الغريب الذي حققه الألماني ج. في. بابست في العام 1929 وارتبط إلى الأبد باسم الممثلة لويز بروكس خالقاً منها ولها أسطورة سينمائية لم تخبُ حتى الآن. ولم يقتصر الأمر على ذلك الارتباط بين لولو ولويز، بل إن تغيير الفرنسيين لعنوان الفيلم من"علبة باندورا" إلى "لولو" قُبل في العالم أجمع، لأنه تماشى مع طغيان شخصيته المحورية عليه وعلى موضوعه. لذلك يُعرف الفيلم حتى اليوم بـ"لولو" أسوة بأوبرا آلبن بيرغ، التي عرفت بالعنوان نفسه، وهي تدور حول الموضوع ذاته.

مهما يكن فإن العملين مأخوذان من الكاتب المسرحي الألماني فرانك ويدكند (1864 – 1918) الذي لم يعش ليشهد أفلمة عمله، وبالتالي لن نعرف أبداً ما كان سيكون رأيه في عمل اقتبس ليس من مسرحية واحدة له، بل من مسرحيتين دُمجتا معاً لتشكلا ذلك الفيلم الذي يدور  حول الفاتنة التي لن تعيش حياتها بشكل طبيعي من بعده!

امرأة في مهب الريح والعلاقات

كما نشير اقتبس "علبة يباندورا" من مسرحيتين لويدكند، هما "روح الأرض" (1895) و"علبة باندورا" (1902)، ويدور الموضوع كما بات في العمل الموحّد من حول الفاتنة لولو التي تعيش حياتها كما ترتئي، وتبدّل عشاقها كما تشاء لنلتقيها في الفيلم مع شوهن، أحد أباطرة الصحافة الذي يأتي ذات مساء ليخبرها بأن علاقته بها انتهت بالنظر إلى أنه سيقترن الآن بسيدة مجتمع هي في الحقيقة ابنة وزير، فتجيبه قائلة إن عليه أن يقتلها إن هو رغب في التخلص منها. بعد حين، يدخل ألفا ابن إمبراطور الصحافة الموله بلولو، لنعرف أنه يريد أن يحقق عرضاً مسرحياً ضخماً من بطولتها. يوافق الأب على المشروع، ويبدأ الإعلان عن العرض في صحفه، لكن الأمور تتطور هنا بين اعتكاف من لولو في محاولة منها للضغط وصولاً إلى مجموعة من التشابكات تنتهي بمقتل شوهن، الأب، بمسدس كانت لولو تلوح به معلنة رغبتها بالانتحار. وإذ تُتهم لولو بقتل شوهن، ويُقبض عليها وتحاكَم، ينتهي الأمر بهروبها إلى لندن حيث سيكون مصيرها أن تقع ضحية لجاك، سفاح العاهرات في أزقة لندن الموبوءة!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الواضح أننا هنا أمام بورتريه لامرأة. أما الطريف فهو أن الرقابة الفرنسية لم تعرض الفيلم إلا بعد أن حذفت معظم مشاهده وأحداثه، مبقية على كل ما له علاقة بلولو، بحيث ستقول لويز بروكس لاحقاً إن "آناستازيا" (وهو الاسم الذي تُلقّب به الرقابة الفرنسية عادة)، كانت المخرج الذي أعطاني حقي في الفيلم بعد أن كان مغالياً في تشعّبه".

من الشاشة إلى الأسطورة

لئن كانت غريتا غاربو قد اعتُبرت على الدوام أكبر أسطورة عرفها الفن السابع، فإن مما لا شك فيه أنها لم تكن الأسطورة الأولى، بل سبقتها في تلك الطريق ممثلة - أحجية أخرى هي لويز بروكس، التي لا يكف تاريخ السينما عن اكتشافها وإعادة اكتشافها، ولا يكف المعجبون بفنها عن التزايد، خصوصاً منذ رحيلها عن عالمنا في أغسطس (آب) 1985. حين توفيت لويز في ذلك الحين، فوجئ الجميع بكونها لا تزال على قيد الحياة، هي التي كانت قد تحولت إلى أسطورة حقيقية منذ نهاية سنوات الثلاثين. والطريف أن لويز بروكس لا تزال تُعد حتى اليوم لغزاً محيراً على الرغم من توافر العديد من المعلومات حولها. إذ يعتقد كثيرون أنها ألمانية الأصل نزحت إلى الولايات المتحدة بين جموع النازحين خلال الثلث الأول من هذا القرن. غير أن هذا لم يكن صحيحاً، لأن لويز بروكس أميركية قلباً وقالباً، ولدت العام 1906 في ولاية كنساس، وتعلمت الرقص منذ صباها لتصبح راقصة محترفة في الاستعراضات الكبرى، وهي بعد في الـ15 من عمرها. أما بدايتها الحقيقية على الشاشة فكانت في العام 1925، حين مثلت دوراً رئيساً في فيلم "شارع الرجال المنسيين"، ففرضت حضورها على الفور بجمالها الطاغي، ولكن تحديداً بنظرات القلق المرتسمة على محياها، وبذلك السحر الخفي الذي يلوح في نظراتها، جاعلاً المعجبين بها يطلقون عليها اسم "موناليزا السينما".

المرأة ليست دمية

منذ ظهورها اعتُبرت لويز بروكس الأكثر حداثة بين الممثلات الأميركيات، وأثبتت عبر آدائها للأدوار التي أعطيت لها، أن المرأة على الشاشة يمكنها أن تكون شيئاً آخر غير دمية تدور في فلك الرجال وعواطفهم، وهو الموضوع الجوهري في "علبة باندورا/ لولو" على أية حال. لعل هذا ما أعطاها، باكراً، تلك السمات الأوروبية التي لاحت من خلال أدوارها، ولكن أيضاً من خلال قصة شعرها، وأزيائها، وأسلوبها في التعبير الصامت (حيث أن معظم الأفلام التي مثلتها كانت أفلاماً صامتة).

بيد أن ما لا ينبغي نسيانه، أن لويز بروكس حققت شهرتها، ومكانتها في عالم السينما بشكل تدريجي، وليس قفزة واحدة كما كانت زميلاتها يفعلن، فهي بسبب خروجها عن الشكل النمطي الأميركي السائد، لم تتمكن من أن تغزو الجمهور العريض، بل اكتفت بنخبة متميزة من المعجبين الذين كانوا موجودين في أوساط الطبقات المثقفة. وانطلاقاً من هنا، راحت شهرتها تكبر على مجرى السنين، ثم وصلت إلى الذروة بعد أن كفت لويز عن التمثيل.

مهما يكن، فإن لويز بروكس عرفت كيف تعلن خيبتها إزاء السينما الأميركية منذ وقت مبكر. فهي بعد أن مثلت في عدد لا بأس به من الأفلام الأميركية الصامتة، اكتشفت أن مصيرها ربما كان مرتبطاً أكثر بمصير السينما الأوروبية. فلم تتردد دون قطع مسارها المهني في هوليوود، بالسفر إلى ألمانيا حيث لعبت الدور الأساسي في فيلم "لولو"، أو "علبة باندورا" تحت إدارة بابست الذي احتضنها. وكان دوراً مهماً لعبته بحذق وروعة جعل كثيراً من المهتمين يعتقدون أنها أوروبية، وربط سمعتها بنوع معين من السينما المثقفة. لكن المشكلة كمنت ها هنا، إذ حين حاولت لويز السفر إلى هوليوود بعد ذلك لاستئناف مسيرتها الأميركية، وجدت دروب هوليوود مغلقة في وجهها. فهناك لا مكان حقيقي للنساء المثقفات، والمرأة ستظل على الدوام صاحبة دور ثانوي بالمقارنة مع دور الرجل.

قلق فتاة ضائعة

 هكذا أمضت فترة من القلق عملت خلالها مرة ثانية مع بابست في فيلمه "يوميات فتاة ضائعة". وكانت قد قررت البقاء في أوروبا هذه المرة، لكن أوروبا نفسها كانت قد أضحت على شفير الهاوية، فوجدت لويز نفسها مرغمة على العودة إلى أميركا. لكن أميركا كانت قد انتهت بالنسبة إليها، ولم يعد أحد يطلبها إلا في أفلام رعاة بقر، وأفلام من الدرجة الثانية. وكان الأمر محزناً بالنسبة إليها بالطبع، إذ وجدت نفسها منسيّة معزولة. غير أن أسطورتها بدأت في ذلك الحين بالضبط، حين أسهمت "عزلتها المكثفة" بحسب تعبير المؤرخة لوت ايسنر، في تحويلها إلى وجه أسطوري من وجوه تاريخ السينما. فهي، في أميركا، عزلت ونسيت حتى عادت "إلى الحياة من الباب الخلفي (أي من باب التاريخ) في سنوات الخمسين"، وبدأ كبار مؤرخي السينما يتحدثون عنها، وعادت تعرض أفلامها الأميركية والألمانية من جديد، لا سيما فيلم "باندورا" حيث تحمل اسم "لولو" الذي ارتبط بها منذ ذلك الحين. وهذا كله دفع المخرج السويسري الفرنسي جان - لوك غودار إلى توجيه تحية لها في فيلمه "عاشت حياتها". أما هي فإنها، إذ كانت قد أضحت في خريف العمر، ابتسمت إزاء هذا كله، وكانت تقول تلك العبارة التي لا تبارح شفاه كبيرات هوليوود عند نهاياتهنّ: "لقد قتلتني هوليوود وأنا في عز شبابي". ربما تكون لويز بروكس اليوم أسطورة، لكنها في الوقت نفســه درس هوليوودي حقيقي، درس في الكيفية التي كانت هوليوود تعامل بها الفنانين الحقيقيين.

المزيد من سينما