Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتحول بيروت إلى عاصمة اقتصادية للمنظومة الإيرانية؟

جغرافية لبنان تتطلّع إلى الغرب وليس إلى الشرق

كالعادة انقسم اللبنانيون حول خطاب نصر الله في شأن "الجهاد الزراعي والصناعي" (أ ب)

يقول مرجع سياسي كبير "لم يكن ينقص لبنان إلّا أن يصبح الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مرشداً أعلى للاقتصاد المشرقي، بيروت عاصمة اقتصادية للمنظومة الإيرانية، طارحاً ما يسمّيه الجهاد الزراعي والصناعي بديلاً من النظام المصرفي والخدمات التي تميّز بها لبنان منذ نشأته". ويسأل لماذا "لم نرَ هذا الجهاد على مستوى وزارتَيْ الزراعة والصناعة اللتين تولّاهما الثنائي الشيعي في معظم الحكومات المتعاقبة؟".

ويشير إلى أن نصر الله يستغلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة ليسلخ لبنان عن محيطه وعزله نهائياً وتحويل اقتصاده إلى "ممانع"، عبر طرح نظريات عدّة، أخطرها شراء النفط الإيراني بالليرة اللبنانية، معتقداً أنها حيلة جديدة لتمويل الحزب عبر الدولة اللبنانية، إذ إنّ الأموال التي تتقاضاها طهران بالليرة لا يمكن استخدامها إلّا في لبنان، بالتالي ستعود إلى "حزب الله" بديلاً من الأموال بالدولار التي كان يتقاضاها سابقاً من إيران.

نصر الله يكتشف الزراعة

كالعادة، انقسم اللبنانيون حول خطاب نصر الله، بعضهم حوّله إلى مادة للسخرية، وآخرون استخدموه للمباهاة، ودشّن مغردون هاشتاغ #الجهاد_الزراعي للردّ على دعواته، فتوالت تحت التغريدات المتهكّمة. وكتب المغرد ميشيل شمعون:

 

وزارة الزراعة مع الحزب من 15 سنة شوفوا النتيجة!! #الجهاد_الزراعي #بسلم_عليك.

وأرفق التغريدة بصورة توضح تراجع الأراضي الزراعية في الجنوب اللبناني، مقارنة بالأراضي التي تحتلّها إسرائيل.

وكانت الإعلامية ديما صادق وجّهت انتقادات لاذعة إلى نصر الله عقب خطابه المذكور. فكتبت في تغريدة على حسابها في تويتر: "محزن ما وصل إليه نصر الله... من قائد هزّ العالم العربي والإسلامي في 2006، تدحرج ليصبح قائداً للشيعة مع دخوله سوريا، ثم عاد وتدحرج ليصبح قائداً يخاطب حزبه فقط عندما قال إنه سيظلّ يُؤمّن رواتبه بالدولار".

 

وتبادل اللبنانيون عدداً كبيراً من الصور المتهكّمة بمقولة نصر الله جهاد الزراعة، ومنها صورة لأحد وزراء "حزب الله" في الحكومات السابقة حسين الحاج حسن، الذي تولّى وزارة الزراعة مرتين، في دلالة على فشل الحزب الدائم في تقديم مشاريع نامية مفيدة.

 

وتداول كثيرون صورة لمجموعة فواكه كُتب عليها "يا قدس قادمون"، في إشارة إلى استبدال شعار الجهاد ضد إسرائيل بجهاد الزراعة.

 

وانتشرت صورة لضاحية بيروت الجنوبية "بعد الخطاب"، والمعروف أنها منطقة شعبية فقيرة، يعاني سكّانها نقصاً حادّاً في موارد المياه والكهرباء والهاتف وتراجعاً في الخدمات وفي البنى التحتية.

 

وإذا كانت هذه الدعوة مؤشراً إلى عمق الأزمة الاقتصادية وفداحتها، فإنها كشفت عن استياء اللبنانيين من أخذهم رهينة مشاريع "حزب الله وعدم رغبتهم في الاستمرار بمواجهة الغرب وفرض الخيارات الاقتصادية على لبنان.

الانقلاب الثاني

في السياق ذاته، أشارت مصادر اقتصادية ومصرفية إلى أن لبنان بعد تجاوزه الانقلاب الأول الذي دُبَّر له بهدف تغيير وجهه الاقتصادي من خلال الخطة التي أعدّتها الحكومة، محاولةً تهريبها تحت شعار "الإنقاذ الاقتصادي" على قاعدة أن لبنان مفلس، يواجه من جديد محاولة الانقلاب الثاني التي يقودها نصر الله تحت شعار "الجهاد الزراعي".

واعتبرت أن كل طروحات نصر الله الاقتصادية تخفي في طياتها أجندة إيرانية تستهدف إلحاق لبنان بمنظومات الاقتصاد الفاشلة، وقضية استبدال مقوّمات الاقتصاد اللبناني المرتكزة على السياحة والخدمات إلى قطاعَيْ الصناعة والزراعة ليست سوى محاولة لتبرير ضرب القطاعات المنتجة، قائلةً كيف للبنان أن يصبح دولة زراعية ومساحته لا تتجاوز سهلاً واحداً في الدول الزراعية؟ وكيف سينافس في الصناعة وجميع المواد الأولية مستوردة من الخارج؟

ضمانات مكلفة

في هذا السياق، رأى الدكتور في الاقتصاد الدولي إيلي يشوعي أن أسلوب BOT كحلّ مالي للبنان هو حلّ جيّد بحدّ ذاته، ولكن ليس كما عرضه نصر الله من زاوية "الاتجاه شرقاً"، أي عملياً مع الصين ومع الشركات الصينية، معتبراً أن أمام تحقيق مثل هذا الحل عائقين. "الأول هو أن الحكومة تسرّعت في إعلان إفلاس لبنان ووضعت البلاد في حضن مالي دولي أفقده صدقيته المالية. أما العائق الثاني، فهو أن السياسة التي تتّبعها الشركات الصينية تختلف عن الشركات الأميركية والأوروبية، إذ إنّها لا تُقدم مساعدات مالية للدول بغية كسب مزيد من النفوذ السياسي بداخلها، وذلك على عكس الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي لديها إلى جانب المشاريع التي تنفّذها في عددٍ كبيرٍ من الدول مؤسسات مالية ومساعدات مالية تعتبرها ضرورية من أجل فرض نفوذ سياسي أو بهدف تمكين وضعها السياسي في تلك الدول".

وأكّد يشوعي أن الشركات الصينية تستثمر في مشاريع اقتصادية تتمتّع بمردود مالي مرتفع وهي تطلب ضمانات من الدولة اللبنانية، وأن "هذه الضمانات مكلفة جداً لها، ولا أتوقع أن يكون في استطاعتها أن تقدّمها إلى الشركات الصينية غير المتحمّسة كثيراً للاستثمار في لبنان بطريقة BOT".

جهاد كهربائي

أما الباحث الاقتصادي جهاد حكيّم، فكشف عن أن الزراعة لا تشكّل سوى نحو 3 في المئة من الناتج المحلي، والنهوض بها كما بالصناعة يتطلّب استثمارات ضخمة والكثير من الوقت والجهود، مشدّداً على ضرورة تطوير اقتصاد المعرفة وتقويته سريعاً كونه يتناسب مع الواقع اللبناني، ويمكن أن يوفّر التدفّقات المالية من الخارج وفرص عمل كثيرة. وقال "لم ينفكّوا في السابق عن إطلاق الوعود والشعارات بأنهم ضدّ الاقتصاد الريعي، لكن في الحقيقة تبيّن أنهم كانوا يضمرون أمراً آخر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكّد أن اقتصاد المعرفة يتيح للمغتربين وغيرهم إرسال أعمال عدّة ينفذها عن بعد الشباب اللبناني في البلاد ليعودوا ويرسلوها عبر الإنترنت، "لكن هذا الأمر لن يكون ممكناً بغياب الكهرباء التي تهدّد قطاع المعرفة، علماً أنه يتمتّع بقدرة تنافسية كبيرة على صعيد المنطقة والعالم، وكذلك بالنسبة إلى قطاعَيْ الصناعة والزراعة"، مضيفاً "إذا كان لا بدّ من جهاد، فليكن جهاداً كهربائياً وآخر على الفساد الذي سببه الطبقة السياسة الحاكمة".

نقيض الدولة

وتحدّث المحلل الاقتصادي أديب طعمة عن "ثابتة اقتصادية بأن عملات الدول الضعيفة والمثبتة بشكل اصطناعي أمام سعر صرف الدولار لا تستطيع أن تنشئ اقتصاداً حقيقياً فعلياً"، مشدّداً على أن الوضع يزداد سوءاً كما هي الحال في لبنان، حيث أن نصر الله الداعي إلى التحوّل إلى الاقتصاد المنتج هو أحد عوامل فشل الدولة، "إذ إنّ مجرّد وجوده بقوته المسلّحة هو نقيض مفهوم الدولة الذي يتضمّن حصرية السلاح والعنف الشرعي ضمن حدود محدّدة".

وقال طعمة إن "أي تحوّل اقتصادي، خصوصاً عندما يأتي نتيجة انهيار مالي يتطلّب مرحلة انتقالية تجري خلالها إعادة تفعيل المؤسسات وإعادة الثقة وتُموّل من خلال التدفقات الخارجية، إذ إنّ أي تحوّل إلى اقتصاد مبني على قطاع الزراعة أو الصناعة يقضي بتأمين تمويل للمواد الأولية ولشراء المعدّات الضرورية بالحدّ الأدنى"، مؤكداً أنه من المستحيل الحصول على تمويل في ظلّ هذه السلطة السياسية التي تستمدّ شرعيتها من نقيض الدولة وفقدت الثقة والصدقية.

أعداء لبنان

في المقابل، أثنى الصحافي الاقتصادي عمر عبد القادر غندور على دعوة نصر الله، موجّهاً سهام نقده لكلّ مَن قلّل من أهمية الجهاد الزراعي والصناعي، قائلاً: "مَن عنده من البدائل غير التي طرحها نصر الله فليقدّمها، بدلاً من ترداد ما يروّجه أعداء لبنان من غير وعي وتفكير".

واعتبر أن نصر الله أصاب عندما طلب من الأفراد الاستثمار في كل بقعة أرض يمكن أن تُنبت شيئاً مفيداً، مضيفاً أن "توجه الأشخاص بصورة كبيرة إلى الوظائف والرواتب على حساب الأرض هو نتاج السياسات الاقتصادية الفاشلة".

وفي إطار اعتراضه على مشروع ربط إيران بالمنظومة الشرقية، رأى رئيس الاتحاد السرياني الماروني الدكتور أمين جول إسكندر، أن جغرافيا لبنان الطبيعية تتطلّع بطبيعتها إلى الغرب، قائلاً "حتى المستعمرات الفينيقية لطالما كانت تستهدف الغرب لا الشرق، وإنّ لبنان جزء من الإمبراطوريات البيزنطية والرومانية واليونانية وينتمي معظم المسيحيين فيه إلى الكنائس الغربية والبيزنطية".

وأشار إلى أن تاريخ البلاد الحديث بدأ مع تأسيس المدرسة المارونية في روما عام 1584 في ظلّ العلاقات التي كانت قائمة بين الأمير فخر الدين وإيطاليا ومع إنشاء المدارس والجامعات من قبل المبشّرين الغرب، مضيفاً "كم يبدو غريباً عن لبنان من يدعو إلى التوجّه شرقاً. هذا دليل على جهله إزاء تاريخ لبنان وازدراء تجاه قيمة هذا الشعب وتطلّعاته وفكره".

وطلب إسكندر من اللبنانيين عدم الرضوخ لنمط لا يشبه تاريخهم وماضيهم ومستقبلهم، معتبراً ما يقوله نصر الله "دليلاً على مدى تباعده وحزبه عن الواقع اللبناني"، كما "يظهر ذلك عدم قدرتهم على الانتماء إلى هذا الوطن وهويته ونسيجه الاجتماعي".

 

 

المزيد من العالم العربي