Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ضد إرادتي" تقرير أممي يعرض معاناة المرأة العربية في ثلاث ممارسات

تؤثر الأوضاع الإنسانية والأمنية والصحية في النساء أكثر من الرجال

تتعرض ملايين الفتيات لممارسات تضرهن بدنياً أو نفسياً (أ ف ب)

النصف الحلو من العالم العربي يعاني الأمرين في 2020. مكامن الخطر، وعوامل الضرر كثيرة ومتنوعة، لكن صندوق الأمم المتحدة للسكان اختار ثلاث ممارسات ضدهن ليركز الأنظار عليها هذا العام عبر تقريره السنوي عن حالة السكان في العالم، وذلك لأنها انتهاكات صريحة لحقوق الإنسان.

"ضد إرادتي" ليس مجرد عنوان لما تتعرض له ملايين النساء، والشابات، والفتيات والطفلات في العالم من ممارسات تناقض اختياراتهن وتناهض حقوقهن، لكنه أيضاً عنوان التقرير.

ضد إرادتي

"ضد إرادتي، تحدي الممارسات التي تضر بالنساء والفتيات وتقوض المساواة" اسم على مسمى – كما يقولون، لاسيما فيما يتعلق بإناث الدول العربية حيث الأداء "متألق" والمرارة مضاعفة، لا سيما في السنوات القليلة الماضية. هي سلعة يتاجر بها، هي وسيلة للمتعة، هي عبء يجب التخلص منه، هي مصدر للعمل غير مدفوع الأجر، هي فتاة! تبدو الكلمات الأممية مألوفة عربياً؟ نعم وبشدة.

تتعرض ملايين الفتيات يومياً لممارسات تضرهن بدنياً، أو نفسياً، أو كليهما بمعرفة وبرضىً من أسرهن، وأصدقائهن، ومجتمعاتهن المحلية، يبدو السرد قريباً جداً؟ بكل تأكيد.

لذلك فإن عرض المدير الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان في الدول العربية  لؤي شبانة للتقرير الأممي من منظور عربي أمام مجموعة محدودة من إعلاميي العالم العربي عبر تطبيق "زووم" دق على أوتار مؤلمة عدة يمارسها كثيرون وتعاني منها كثيرات في عالمنا العربي لسان حالهن يقول "مقهورة، منبوذة، غير مرغوب فيها" حتى وإن سكتت الألسن إلى حد الخرس. يقول شبانة إن تسعة بين كل عشرة أشخاص حول العالم لديهم تحيز ما ضد النساء، وإن ثلاث ممارسات يمكن وصفها بأنها تشكل أزمة صامتة، ومزمنة لممارسات ضارة ضد نساء العالم، اثنتان منهما شائعتان جداً في الدول العربية، والثالثة شائعة إلى حد ما.

طهارة وقطع وسحج

ما يعرف في عدد من الدول العربية باعتباره "طهارة" و"عفة" و"نظافة" يعرف إنسانياً باعتباره "قطع" و"سحج" و"خياطة". تشويه الأعضاء التناسلية للإناث المعروف شعبياً بـ"ختان البنات" مشكلة متفاقمة متوغلة عربياً. وإذا كانت 200 مليون امرأة وفتاة في 31 بلداً في العالم خضعن لتشويه أعضائهن التناسلية، فإن نسبة التشويه بين الفتيات والنساء العربيات في الصدارة، وتبلغ 55 في المئة في الفئة العمرية بين 15، و19 عاماً فقط. وهذا يعني أن العادة مستمرة ومنتشرة. هذا الاستمرار، والانتشار يعود في جانب معتبر منه إلى إضفاء الطابع الطبي على هذه الممارسة الضارة جداً، التي مازالت دول عربية تغلفها في إطار ديني وكأنها واجب شرعي.

 

 

اسما مصر والسودان يهيمنان على عالم الختان عربياً. ثماني بين كل عشر فتيات مختنات في مصر خضعن للختان في مكاتب صحية.

ويشير شبانه إلى علاقة وثيقة بين الفقر والريف وقلة التعليم من جهة، وإخضاع الإناث لهذه الممارسة من جهة أخرى. وعلى القائمة الرابطة بين الفقر والختان، نجد ارتفاعاً صارخاً في الممارسة في جيبوتي، ومصر، والعراق، والسودان، والصومال واليمن، لا سيما في المناطق الريفية، وإن كان النازحون من الريف إلى المدينة حملوا معهم الختان ليتحول إلى عادة حضرية.

العفة والتشويه

ما المطلوب إذاً لإنهاء هذا الربط المتمادي بين عفة البنات وشرفهن وشرف أسرهن وتشويه أعضائهن التناسلية؟ يجيب لؤي شبانة بثقة، المطلوب بناء المعارضة. وعلى الرغم من الأرقام المرتفعة، التي عاندت وقاومت جهوداً بذلتها دول عربية عدة على مدار عقود، وعلى رأسها مصر لدرء هذا التشويه، إلا أن شبانة يؤكد أن الأمل موجود، وأنه كلما زادت معارضة ختان البنات، كلما كانت البيئة والظروف ممهدة لمواجهة هذه العادة التي لا أصل لها في الدين، ولا أثر لها على العفة.

من العفة إلى المقايضة

ومن العفة إلى الوعد والإهداء والمقايضة والبيع، أو في أقوال أخرى زواج الأطفال. في المنطقة العربية، فبين عامي 2005 و2018 كان 20 في المئة من الطفلات متزوجات. ويجد التقرير رابطاً قوياً بين زيادة ظاهرة بيع الطفلة عبر تزويجها، والأزمات التي ألمت بدول عدة عربياً في السنوات القليلة الماضية. وهنا تبزغ كل من سوريا، واليمن لتحتلا القمة.

في اليمن كانت نسبة تزويج الفتيات قبل سن 18عاماً قبل اندلاع الأزمة 50 في المئة، وقد ارتفعت حالياً إلى 65 في المئة. وفي الأردن، وتحديداً في مخيمات اللاجئين ارتفعت نسبة زواج الفتيات بين سن 15 إلى 17 عاماً من 12 في المئة في بداية الأزمة السورية إلى 36 في المئة في عام 2018، وفي لبنان، بلغت نسبة الزواج بين الفتيات السوريات النازحات دون سن 18 عاماً حتى عام 2018 نحو 41 في المئة.

بين بيع الطفلة وتعليمها

الحل الذي يحول دون بيع الطفلة بتزويجها، يكمن في الإبقاء عليها لأطول فترة ممكنة على مقاعد الدراسة. يقول شبانة إنه كلما بقيت الفتاة لسنوات أطول في التعليم كلما تقلصت نسبة زواجها قبل أن تتم 18 عاماً.

وبين الفتيات من لا يبلغن سن  الـ18 من الأصل، بل يتم التخلص منهن قبل ولادتهن. إنه الخطر الثالث الدامغ المتصل بالعنف الذي تتعرض له الإناث. إنه تفضيل إنجاب الذكور الذي يجعل البعض ينظر إلى الأنثى باعتبارها منبوذة مهملة مطموسة الذكر. يتحدث التقرير عن 140 مليون أنثى في عداد المفقودات، وذلك بسبب الاختيار المتحيز لجنس الجنين. وعلى الرغم من أن هذا الضرر ليس شائعاً في الدول العربية إلا أن أغلب الثقافات العربية ما زالت تفضل الذكور، لكن التقنية لا تمارس لاختيار جنس الجنين بعد، وذلك باستثناء تونس حيث بلغت نسبة الإناث المفقودات بين عامي 2013، و2017 نحو 1400 أنثى بسبب الاختيار المتحيز لجنس الجنين.

ويشير شبانة إلى أشكال أخرى من التحيز للذكورعربياً تبدو واضحة في الإهمال وأشكال أخرى من التحيز أبرزها ارتفاع معدل وفيات الإناث دون سن الخامسة مقارنة بالذكور في كل من الأردن ومصر.

كورونا والنساء

أشار التقرير كذلك إلى أثر فيروس كورونا المستجد الذي يلقي بظلال معاناة إضافية على نساء وفتيات العالم، والعالم العربي ليس استثناء. وقالت الأمين المساعد لجامعة الدول العربية السفيرة هيفاء أبو غزالة إن المرحلة الحالية استثنائية بكل المقاييس بسبب الجائحة التي تؤثر على الجميع، وعلى النساء والأطفال بشكل واضح، مطالبة الإعلام بأنواعه التقليدية والجديدة على منصات التواصل الاجتماعي توخي الحذر الشديد فيما يجري تداوله من أخبار ومعلومات قد تؤثر سلباً على الجميع، لا سيما النساء. وأشارت إلى أن الجائحة نالت من قدرة عدد من الدول العربية على الاستجابة الصحية، لا سيما الدول التي تعاني من توتر الأوضاع الداخلية، وهو ما يؤكد أن الملفات السياسية، والاجتماعية، والصحية، والتعليمية شديدة التشابك وتؤثر في بعضها بعضاً.

 

 

الانتقاء في التأثير

رداً على سؤال "اندبندنت عربية" حول ما يمكن عمله لتقديم العون لملايين النساء، والفتيات، والطفلات العربيات في ظل تضافر القلاقل السياسية والأمنية مع التفسيرات الدينية المتشددة المهيمنة، والتأثير السلبي المضاعف الذي تتكبده الإناث، قال شبانة إنه من الغريب والمؤسف أن تؤثر الأوضاع الإنسانية، والأمنية، والصحية على النساء أكثر من الرجال، فالمنطق يقول أن يتاثر كلاهما، "لكن المشكلة تكمن في العقلية. نحتاج إلى العمل الشمولي على تغيير الفكر بشكل أساسي. لا القانون وحده ولا العقوبات قادرة على تغيير الفكر، ولا الجهود المتناثرة، أو غير المستمرة ستنجح في ذلك"، ويضيف "القضايا الاجتماعية يجب أن تحتل الأولوية، وليست السياسة فقط، نبتغي صفر تشويه الأعضاء التناسلية للبنات، وصفر زواج الطفلة، وصفر وفيات لأمهاتهن، وصفر الاحتياجات الأساسية غير الملباة. وهذا لن يتحقق إلا بتضافر الجهود، ووضع المشكلات الاجتماعية على قائمة الأولويات".

وفي السياق نفسه، تقول أبو غزالة إن تغيير الثقافة المجتمعية يستغرق وقتاً طويلاً واستدامة في جهود التغيير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واقع كئيب

واقع كئيب يعرضه التقرير للفتاة؟ نعم. جسد الحياة وحياتها ومستقبلها ليسوا ملكها؟ نعم، إلى حد كبير جداً. ومع ذلك يطرح التقرير وواضعوه إمكانية وأمل التغيير.

الطريق إلى مستقبل تملك فيه الفتاة والمرأة مقاليد أمورها يبدأ بإنهاء الممارسات الضارة. ورغم أن القوانين تحظر هذه الممارسات، إلا أنها مجرد نقطة انطلاق لمنع استمرارها، وتشجيع المجتمعات المحلية الأكثر تضرراً بشكل غير مباشر. لكن التغيير يتطلب خطط عمل وطنية تجمع بين المجتمعات المحلية، والزعماء المحليين والدينيين، ومقدمي الخدمات، ما يضمن الدعم والتأييد على نطاق واسع. وبعيداً عن القوانين، والعقوبات، والتحركات المحلية، يجب أن يكون هناك جهد ضخم لتغيير العقول. ويشير التقرير إلى أن برامج تغيير المعايير الاجتماعية فعالة، شرط عدم التركيز على زوايا ضيقة، أو على ممارسات ضارة فقط، لكن المطلوب هو معالجة القضايا بشكل أوسع وأشمل.

لا حلَّ سحريٌ

مكانة النساء والفتيات المتدنية، وحقوقهن التي هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وتعزيز قدراتهن على الاستفادة من الفرص المتاحة، أمور تقع على عاتق الحكومات التي يتوجب عليها تمكين المؤسسات النسائية الوطنية، وتنفيذ آليات الحوكمة مثل الوزارات النسائية، ومراكز التنسيق المعنية بالنوع الاجتماعي، والعمل على إلغاء التشريعات التمييزية.

ويشير التقرير كذلك في وصفته لمد يد العون للنساء والفتيات إلى الدور الذي يجب على مؤسسات الصحة العامة والتعليم وغيرها أن تؤديه. ورغم كل ماسبق، إلا أنه لايوجد حل سحري واحد يحل الأزمة من جذورها. يقول  لؤي شبانة إن على العالم أجمع، لا سيما العالم العربي، أن يعجل ويكثف جهوده، ويزيد استثماره في النساء والفتيات، مع مضاعفة الالتزامات تجاه تحقيق أمل كل فتاة وامرأة، ألا وهو أن تكون حقوقهن، وحياتهن، ومستقبلهن، وأجسادهن ملكاً لهن بشكل كامل.

المزيد من تقارير