Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصدنا مطعماً لأول مرّة منذ فبراير ولم ننتظر لتناول الحلوى

الخروج للعشاء يفترض أن يكون وقت رفاهية ومتعة، بيد أن الشعور بذلك كان صعباً بعد أشهر من الإغلاق

شبح فيروس كورونا يتبعنا في كل مكان (رويترز)

ساد الصمت في مارس (آذار). ونحن يمكننا من نافذة غرفة نومنا سماع الأصوات الصادرة من المطعم المجاور. مسامرات الطهاة في المطبخ، أحاديث الندل المراهقين خلال استراحة التدخين، هدير مراوح التهوئة، وروائح شواء البطاطا أيام السبت. بيد أن كل هذا اختفى فجأة على مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة.

منذ ثلاثة أيام عادت تلك الأصوات المألوفة. وعلى الرغم من أننا ننام على بعد أقل من 10 أقدام عن المطعم، إلّا أنّ حجز طاولة لمساء السبت كان أصعب من الحصول على بطاقة لمهرجان غلاستونبري. ففي هذه الأيّام التي تشهد تطبيقاً صارماً لتدابير مواجهة كوفيد، لم يعد ثمّة إمكانية لـ"حشرك" في مكانٍ ما من المطعم بين الزبائن الآخرين.

والطاولات ليست وحدها ما شهد تبديلاً لترتيبها وصارت أكثر بعداً عن بعضها بعضاً، بل بلغ التغير أيضاً نسق الحجز والانتظار، فلم يعد يعمل كمثل بابٍ دوّار، أي أن يحظى المنتظر بطاولة مرغوبة ما أن تُخلى تلك الطاولة. وبدل ذاك النسق القديم من الانتظار، بات يُجلس الزبائن في ثلاث مراحل ثابتة، ويتسنّى بين إحدى تلك المراحل الوقت الكافي للتنظيف بين العشاء والآخر.

ولأننا كنّا قد حجزنا مسبقاً، لم يتوجّب علينا عند وصولنا إعطاء أسمائنا ومعلومات الاتصال المتعلقة بنا (فتلك كانت سلفاً قد أضيفت إلى ملفّنا الذي بحوزتهم)، الأمر الذي حذف احتمال قضاء وقت عشائنا كلّه ونحن نحلم باتصال مشؤوم من مركز اتصالات "اختبار وتتبّع" إصابات كورونا التابع لهيئة الخدمات الصحيّة الوطنية NHS ليقول: "آسفون، هذا العشاء يكلفكم 40 جنيهاً إسترلينيّاً ودخولاً في سحب يانصيب [احتمال الإصابة بـ] كوفيد 19".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أنّه لم يكن علينا أن نخشى ذلك، فشبح فيروس كورونا يتبعنا في كل مكان. والمطعم جرى تجهيزه بشاشات أنيقة تفصل بين الطاولات، وعلى الرغم من أن ذلك أشعرنا ببعض الاطمئنان، إلّا أنّه خفّف من قدرة استراق السمع إلى مسامرات الطاولات المحيطة بنا، وهو الأمر الذي يمثّل طبعاً إحدى فوائد تناول الطعام في مطعم، إلى جانب فائدة عدم الحاجة إلى جلي الصحون.

والعاملون في المطعم كانوا مرحبين وبمزاج حسن للكلام وتبادل الأحاديث، لكنّهم أيضاً كانوا متعبين قليلاً. وقالوا إنّهم سعيدون بالعودة إلى العمل – ولأن مطعمنا هذا يمثّل استثماراً تملكه عائلة، وكان قبل الجائحة مباشرة شهد توسيعات، فإنّه لا مبالغة في القول إن الأشهر القليلة الأخيرة كانت صعبة على المستوى المالي – غير أن الأجواء كانت أجواء مرتبكة بعض الشيء، كمثل الإبحار إلى المجهول، ومحاولة الحفاظ على رباطة الجأش والتمسّك بأصول الضيافة، بالقدر المستطاع.

فرصة تناول طعام لم أقمْ أنا أو شريكي بتحضيره كانت ممتعة (لا أريد بعد الآن رؤية وعاء من الطماطم المقطّعة أمامي والتي عليّ تحويلها إلى طبق يؤكل)، أن أتناول مكوّنات لا أعرف حتى طريقة طهوها، وأن أحظى بكميات من الملح والزبدة التي لا يمكنني تصورها وهي تضاف إلى المكونات خلال الطهو، وأن نحتسي نبيذاً مختاراً من لائحة الطعام لا من رفوف التعاونيات التي قُنّنت فيها البضائع واختصر عدد أروقتها التي يمكن الوصول إليها. حتّى أننا الآن مُنحنا بطاطا مقلية إضافية كعربون ترحيب – لمَ لا، فقد مضت ثلاثة أشهر!

وكان ثمّة بعض اللحظات الغريبة التي عشناها، كأن تكرّر النادلة كلامها مرات لأن كمامة الوجه تكتم صوتها، أو كأن نشاهد لائحتي الطعام تؤخذان منّا بعد اختيارنا الأطباق وتخضعان للحجر والتعقيم. ومما لا شك فيه أن تناول الطعام في مطعم يمثّل تكيّفاً مع كورونا أسهل مما يمثّله الذهاب إلى الحانة، لأنك في حالة المطعم تحصل سلفاً على الخدمة وأنت جالس خلف الطاولة في معظم الأمكنة، وأيضاً تبقى مع شريكك المنزلي. كما أننا لم نستخدم الحمام (فحمامنا حرفيّاً يقع في الجهة الأخرى من الجدار، فيُمكننا الانتظار).

بيد أنّه سيستلزمك بعض الوقت – على الأقل كي تتذكر ما يعنيه المطعم – كي تعتاد على الأحاديث الملائمة بعد أشهر لم يكن فيها سوى أنفسنا كي نحاورها ونتحدث معها، وأيضاً على الإحساس بأنّه لمجرّد خروجك من البيت، للترويح عن نفسك، تكون قد أقدمت على مخاطرة. ليست مخاطرة تجاه نفسك فقط، بل تجاه كل شخص آخر. حتى تجاه الأشخاص الذين لا يملكون خيار القيام بأشياء كالذهاب إلى المطعم، والذين يتابعون بقاءهم في البيت كي يقوا أنفسهم. بعد دورتين من الأطعمة حظينا بما يكفي من هذا العالم الجديد الشجاع. وتجاوزنا الحلويات، وطلبنا الحساب (ودفعنا من دون لمس، طبعاً).             

© The Independent

المزيد من مذاقات وأطباق