Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة سد النهضة تصل إلى مواقع التواصل الاجتماعي

إساءات متبادلة بين مصريين وإثيوبيين وتداخل سوداني

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي مشاحنات بين مصريين وإثيوبيين (أ ف ب)

التوتر السياسي بين مصر وإثيوبيا بسبب الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي، لم يعد مقصوراً على المستوى الرسمي أو تصريحات المسؤولين، إنما امتدّ إلى ساحات مواقع التواصل الاجتماعي، التي لا تخلو يوميّاً من تدوينات وتعليقات عدائية، أحياناً تصل إلى حد الشتائم بين مواطني البلدين.

وانتقلت معارك "السوشيال ميديا" أخيراً إلى موقع "تيك توك"، فانتشر فيديو لفتاة إثيوبية تصبّ المياه في كوبين، ما يشير إلى توزيع أديس أبابا المياه على القاهرة والخرطوم وفق رغبتها الخاصة، وردّت عليها فتاة مصرية بفيديو يُظهر مجموعة من المكعبات، تمثل السد، في أثناء تحطُّمها بسهولة.

تخطيط حكومي إثيوبي

وشكا عددٌ من المتخصصين المصريين، الذين عادة ما ينشرون آراءهم حول سد النهضة على صفحاتهم بمواقع التواصل، هجوم كثير من الإثيوبيين عليهم من خلال التعليقات أو الرسائل الخاصة، ومن هؤلاء هاني رسلان مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، الذي قال لـ"اندبندنت عربية"، "وراء الهجوم الإثيوبي على مصر بمواقع التواصل الاجتماعي إدارة مختصة، تابعة لمكتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد". موضحاً "الإثيوبيون الذين يعلّقون باللغة العربية، معظمهم من مسلمي إثيوبيا الذين يعرفون جيداً العربية، وكثير منهم دارس العلوم الشرعية، لكن ليس لديه خلفية عن قضايا المياه والسياسة".

ووصف رسلان لغة الخطاب المستخدمة في تعليقات الإثيوبيين بأنها "شديدة العمومية"، معتبراً ممارساتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ضمن "وسائل الحرب النفسية"، بعد اشتداد أزمة السد ووصولها إلى المراحل النهائية.

مصر السبب

وفي المقابل، ينفي مزين سيبيسيبي، الباحث الإثيوبي في العلاقات الدولية، تلك الاتهامات قائلاً "لا يوجد تدخل حكومي في طريقة استخدام المواطنين مواقع التواصل"، مشيراً إلى ملاحظته النقاشات التي تصل إلى المشاحنات بين المصريين والإثيوبيين في مختلف مواقع التواصل، معتبراً ذلك طبيعيّاً بحكم طبيعة تلك المنصات التي تتسم بالحرية في التعبير.

وأرجع تلك السلوكيات، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إلى "سوء الفهم بين دول حوض النيل حول كيفية استخدام مياه النهر"، مشيراً إلى أن الحكومة والنخب المصرية تتحدّث عما سمّاه باتفاقيات عهد الاستعمار، التي تعطي سيطرة كاملة لمصر على النيل، وهو ما يؤثر في موقف المجتمع الإثيوبي وحكومته، حسب تعبير سيبيسيبي الحاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة أنقرة التركية.

 

 

ويرى أن من أسباب لهجة الإثيوبيين الهجومية ما سمّاه بحديث كثير من المسؤولين وكذلك المعلقين المصريين عن تحقيق مصالح القاهرة من خلال إضعاف الشعب الإثيوبي، عبر استغلال الاختلافات الدينية والإثنية بين الإثيوبيين، مؤكداً أن ذلك "يخلق صعوبة في علاقات المجتمعين المصري والإثيوبي، وينعكس على مختلف منصات التواصل الاجتماعي".

واستبعد الباحث الإثيوبي أن يؤدي التراشق الشعبي إلى تعقيد جهود حلّ خلاف سد النهضة، لأن السياسة الخارجية لا يقررها صنّاع القرار بناءً على مواقف الشعوب، مؤكداً أن التوصّل إلى اتفاق حول الاستخدام العادل والمنصف لمياه النيل سيخدم علاقات الشعوب.

السودانيون على خط الأزمة

من اللافت في المشاحنات الإلكترونية دخول كثير من السودانيين على الخط، تأييداً للجانب الإثيوبي في أغلب الأحيان، ما يفسِّره إبراهيم ناصر، الباحث السوداني في العلاقات الدولية، بوجود ما سمّاه بشعور "الغبن" تجاه مصر من جانب قطاع كبير من السودانيين، الذين يصبون غضبهم على الحكومة المصرية وسياساتها المتعاقبة، ويتهمونها باحتلال حلايب وشلاتين ودعم المعارضة المسلحة والمشاركة في استقلال جنوب السودان.

 

 

واعتبر أن هناك نوعاً من التحامل على مصر لدى كثير من السودانيين، وأسهم ذلك التصوّر في شيطنة صورة القاهرة في أزمة سد النهضة، كما استغلت إثيوبيا تلك النظرة لصالحها، إضافة إلى تسويق الحكومة الإثيوبية نفسها داخل السودان، خصوصاً قطاعات الشباب بأن أديس أبابا دولة صديقة، والترويج لوجود فوائد يدرها سد النهضة على الخرطوم، مثل الطاقة الكهربية بأسعار تفضيلية، مضيفاً "دخول السودانيين في نقاشات حول السد يأتي في ظل المشهد العام المتّسم بحرية التعبير عقب نجاح الثورة في إطاحة البشير".

ويرى ناصر، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن القوى السياسية السودانية "لا تلعب دوراً في دفع اتجاهات الرأي العام السوداني لمناصرة موقف مصر أو إثيوبيا"، ولا يتصوّر أن تكون لدى حكومة آبي أحمد سياسة في إقحام الشعب بالهجوم على مصر، ويعتقد أن الإصلاحات في مجال حرية الرأي دفعت كل إثيوبي للتعبير عن رأيه في كل القضايا، ومنها ملف السد، واستدرك، "الحكومة الإثيوبية قد تجد في ذلك فرصة جيدة لإلهاء الشعب الإثيوبي عن المشكلات الداخلية في ظل ما تعانيه البلاد من أزمات الاندماج الداخلي".

مستقبل علاقات الشعوب

ويصف الباحث السوداني حالة التشاحن بين شعوب مصر والسودان وإثيوبيا بـ"أكبر كارثة على المنطقة"، وأضاف "المفاوضات في الغرف المغلقة، لكن المواطن أصبح منخرطاً فيها، بعدما تحوّل الصراع من الحكومات إلى الشارع، ما يؤثر في العلاقات الشعبية بين شعوب تعايشت آلاف السنين بسلام، وتوجد روابط كثيرة تجمعهم مثل الدين والكنيسة"، مؤكداً أن تلك المشاحنات "ستكون عائقاً أمام تواصل الشعوب مستقبلاً حتى في حال تسوية تلك الأزمة"، واستدرك "يمكن للشعوب أن تمتص تلك التشنجات من خلال اتباع دبلوماسية شعبية تخفف من حدة الصراع، باستخدام عدة أدوات منها الكنيسة الأرثوذكسية، خصوصاً أن الكنيسة الإثيوبية كانت تابعة لبابا الإسكندرية حتى عام 1959".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتفق معه رسلان، إذ يرى تأثير تلك المشاحنات "سلبيّاً جداً" في علاقات شعوب مصر والسودان وإثيوبيا على المدى البعيد، حتى إذا جرت تسوية أزمة السد، وذلك إن لم تكن لدى الحكومات إرادة قوية لتحسين العلاقات على المستوى الشعبي في ما بعد. بينما لا يعتقد المتخصص الإثيوبي بالعلاقات الدولية أن تؤثر تلك المشاحنات مستقبلاً بحكم القواسم المشتركة بين الشعوب الثلاثة على الصعيد التاريخي والاجتماعي والاقتصادي، مؤكداً أنه من خلال التوصل إلى صيغة تحقق المكسب لكل الأطراف في استخدام النيل يمكن الحفاظ على العلاقات الطيبة بين الشعوب، وتهدأ المشاحنات بين أفراد المجتمعات.

المزيد من تقارير