Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات سد النهضة تسابق "المهلة" الأفريقية و"ساعة الملء" الإثيوبية

لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة بشأن البنود الفنية والقانونية والوصول إلى بدائل أولوية  لإنهاء الأزمة

مفاوضات سد النهضة لا تزال مستمرة بشأن البنود الخلافية بين أطراف النزاع  (وزارة الموارد المائية والري المصرية)

بينما تتواصل مفاوضات سد النهضة، اليوم الاثنين، لليوم الرابع على التوالي بعد استئنافها بتدخل من مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، الذي حدد خلال قمة مصغرة مهلة أسبوعين للتوصل إلى اتفاق قبل بدء ملء بحيرة السد خلال هذا الشهر حسبما قررت أديس أبابا، قالت مصر إن الخلافات التي منعت الوصول إلى اتفاق مُلزم حول ملء وتشغيل السد الإثيوبي لا تزال قائمة في عدد من النقاط الفنية والقانونية التي تهّم كلاً من مصر، والسودان الذي أكد بدوره تمسكه بإلزامية الاتفاق، لكنه قلل من حجم الخلافات الفنية.

خلافات قائمة ومهلة أيام

وقال محمد السباعي، المتحدث باسم وزارة الموارد المائية الري المصرية، في تصريح خاص، إن الخلافات الجوهرية لا تزال مستمرة حول النقاط الفنية وكثير من المسائل القانونية، مؤكداً الاتفاق على استئناف الاجتماعات اليوم الاثنين وإمكانية استمرارها لاحقاً دون سقف زمني محدد سلفاً، لكنه أوضح أن الجانب المصري ملتزم بالمهلة التي تنتهي هذا الأسبوع، بحسب المتفق عليه بين قادة البلدان الثلاث.

وشدد السباعي، على أن "التوافق العام سيصل إلى نسبة 95 في المئة فيما يتعلق بالنقاط الفنية، إذا توصلنا مع الجانب الإثيوبي إلى توافق حول موضوع الجفاف، فمعظم النقاط الفنية الخلافية التي تتمسك بها مصر تتعلق بالتعامل مع الجفاف خلال عمليتي الملء والتشغيل"، وأشار إلى أنه "ليست قضيتنا حصة المياه، بل آلية ملء وتشغيل السد، وطالما لم نصل إلى توافق حول النقاط الخلافية وتوقيع اتفاق نهائي وشامل، فليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل حتى الآن".

وخلال الاجتماع تم عرض أهم ملامح "المقترح المصري الذي يحقق الهدف الإثيوبي في توليد الكهرباء وفي الوقت نفسه يجنب حدوث ضرر جسيم للمصالح المصرية والسودانية في إطار تنفيذ إعلان المبادئ وكذلك أسلوب التعامل مع أي مشروعات مستقبلية على النيل الأزرق، بما يضمن اتساقها مع مبادئ القانون الدولي ذات الصلة باستخدام الأنهار المشتركة". واعتبر السباعي أن الطرح المصري "عادل ومستدام ويحقق المصلحة لكل الأطراف"، مشيراً إلى أن "القاهرة تطالب بضمانات لتوفير المياه للشعب المصري، ووجود تعاون حقيقي يقوم على حسن النية ودعم التنمية في دول المنابع بما لا يؤثر في أمن مصر المائي ولا يلحق بها ضرراً جسيماً في ظل التحديات المائية التي نعانيها".

وأكدت مصر خلال اللقاء على أنها لم تعترض على مشروعات التنمية بحوض النيل بما فيها الإثيوبية، بل تدعم جهود أشقائها في دول حوض النيل من أجل تحقيق ما تصبو إليه شعوب المنطقة، واستعرض الوفد المصري "الوضع المائي لمصر وحساسية قضية سد النهضة بالنسبة للشعب المصري التي تعد قضية وجودية، كما تمت الإشارة إلى المساعي المصرية للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن يراعي مصالح الدول الثلاث، بما يعزز التعاون الإقليمي فيما بينها من خلال التقدم بمقترحات تتسق مع المعايير المتعارف عليها دولياً والمرتبطة بمثل هذه القضايا"، بحسب بيان صادر في ختام الاجتماعات.

ومن جانبه، قال وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيليشي بيكيلي، إن سد النهضة تم بناؤه وفق معايير دولية، معتبراً أن "تعبئة الخزان جزء من عملية تشييده"، وأكد الوزير الإثيوبي في تصريحات صحافية، مساء الأحد، أن "عملية الملء الأولي لخزان سد النهضة المقررة هذا الشهر هي جزء من عملية تشييد السد، وتأتي بهدف اختبار محطتين لتوليد الطاقة، ومرحلة البناء التي وصلها السد تستوعب 4 مليارات و900 مليون متر مكعب فقط، والهدف من السد هو توليد الطاقة".

وبعد أيام من احتجاجات دامية شهدتها بلاده، قتل خلالها 166 شخصاً إثر عملية "اغتيال" الناشط المعارض والمغني المحلي الشهير هاشالو هونديسا، التي وصفها رئيس الوزراء آبي أحمد بأنها "جريمة شاركت فيها قوى خارجية ونفذتها قوة محلية والهدف من ذلك منعنا من تكملة سد النهضة"، قال بيكيلي إن "الأحداث التي شهدتها البلاد أخيراً نتيجة اغتيال الفنان هاشالو هونديسا أخرت انطلاق المفاوضات، لكنها انطلقت برعاية الاتحاد الأفريقي. وبمقترح من جنوب أفريقيا تمت إضافة 8 مراقبين، بينهم أربعة متخصصين في المجال الفني والقانوني، والبقية تمثل دول مكتب الاتحاد الأفريقي وهي كينيا ومالي وجنوب أفريقيا والكونغو".

 

 

وساطة أفريقية ومتابعة أممية

وبمشاركة 11 مراقباً، عقد الفريق المصري، الأحد، برئاسة محمد عبد العاطي وزير الموارد المائية والري اجتماعه الثنائي مع المراقبين والمتخصصين من أجل استعراض الموقف المصري إزاء ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، حيث قامت مصر بتناول الجوانب الفنية والقانونية مع المراقبين وتوضيح الشواغل المصرية إزاء الجوانب المختلفة لاتفاق ملء وتشغيل سد النهضة، في إطار "محاولة تقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث، التي أثبت مسار المفاوضات تباينها بشكل كبير"، بحسب بيان للوزارة في ختام الجلسة الأخيرة المقرر استئنافها اليوم الاثنين، قبل أيام من انتهاء المهلة المقررة بين قادة البلدان الثلاثة خلال القمة المنعقدة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي أواخر الشهر المنصرم.

وأوضح المتحدث باسم وزارة الموارد المائية المصرية، أنه تم الاتفاق على تغيير آلية التفاوض لتشمل جلسات ثنائية بين المراقبين وكل طرف من البلدان الثلاثة، للتباحث حول النقاط العالقة، ثم عقد جلسات ثلاثية بمشاركة المراقبين الدوليين من الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والبنك الدولي وجنوب أفريقيا، مشيراً إلى عقد جلسات بين المراقبين ووفود البلدان الثلاثة كل على حدة، وأنه سيتم عقد جلسات تفاوضية بين الدول الثلاث بحضور المراقبين أيضاً.

وأشار إلى أن عدداً من المراقبين تقدموا بعدة استفسارات واستيضاحات تم الرد عليها من جانب الفريق المصري، وأضاف، أن المراقبين لم يأتوا بأسئلة معدة مسبقاً، بل جاءت في إطار "مناقشة مفتوحة للمقترح المصري الذي يحقق أهداف ومصالح جميع الأطراف"، على حد وصفه.

ويوم السبت، استكمل وزراء المياه من الدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان الاجتماعات الوزارية الثلاثية بخصوص سد النهضة برعاية جنوب أفريقيا بوصفها الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي وبحضور المراقبين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا وممثلي مكتب الاتحاد الأفريقي ومفوضية الاتحاد الأفريقي، والمتخصصين القانونيين من مكتب الاتحاد الأفريقي.

وأشار بيان لوزارة المياه المصرية إلى أن "كل دولة استكملت استعراض رؤيتها بخصوص ملء وتشغيل سد النهضة، التي أظهرت أنه حتى الآن لا يوجد توافق بين الدول الثلاث على المستويين الفني والقانوني، وتم الاتفاق على استكمال النقاشات من خلال عقد لقاءات ثنائية للمراقبين مع الدول الثلاث كل على حدة في إطار العمل على الاستفادة من الخبرات المتوفرة لدى المراقبين وتلقي مقترحاتهم إذا ما اقتضى الأمر ذلك إزاء النقاط الخلافية".

من جانبه، اعتبر مجدي عبد العزيز، الكاتب والباحث السياسي السوداني في حديث لـ"اندبندنت عربية"، إنه لا يوجد مبرر أو ضرورة حتمية "لاستعجال إثيوبيا في ملء السد الذي سيستغرق سنوات في كل الأحوال، وذلك لا ينبغي أن يحدث دون التوافق بين الدول الثلاث ووجود التزام قانوني، لأن روح اتفاق إعلان المبادئ يقتضي ألا يتصرف أحد الأطراف منفرداً دون توافق، وما ظهر من تعنت إثيوبي يعود لأسباب داخلية خاصة بها نتيجة الوضع السياسي، والمرونة الحادثة أخيراً نتيجة للتطورات الخاصة بالجانب المصري من خلال التوسع في التحرك الدبلوماسي، وهذا يؤكد حقيقة أخرى أن ليس لديها أي وسائل أخرى غير الوسائل السياسية والدبلوماسية، التي تتمسك بها البلدان الثلاثة وسط تشجيع من المجتمع الدولي ممثلاً في مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والمراقبين المشاركين وعلى رأسهم الولايات المتحدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السودان يرى الخلافات "محدودة"

وقالت الخرطوم إنه "في الجوانب الفنية، يرى السودان أن الخلافات التي تبقت محدودة ومن الممكن التوصل لاتفاق بشأنها وأن إبرام اتفاق يتطلب مزيداً من الجهد والإرادة السياسية".

وذكر بيان لوزارة الري والموارد المائية السودانية، السبت، أن الوفد السوداني أعاد في تناوله للقضايا القانونية "تأكيد موقفه المطالب بالزامية أي اتفاق وألا يتم ربطه باتفاقيات تقاسم حصص المياه وضرورة التوافق على آلية شاملة لحل الخلافات حول الاتفاق"، وهو ما يتفق مع ما أكده الجانب المصري بأن حصص المياه خارج موضوعات التفاوض الذي يتناول أساساً مسألة ملء وتشغيل السد الإثيوبي.

وذكر الوفد السوداني في بيان آخر، مساء الأحد، أنه قدم شرحاً لأثر السد على السودان والدول الأخرى وفق الدراسات السودانية في هذا المجال، "كما تم عرض النقاط الفنية المحدودة المختلف عليها، التي يمكن تجاوزها بالتفاوض، إضافة إلى القضايا القانونية المعلقة ومقترحات السودان المنصفة والمتوازنة لحل كافة القضايا الفنية والقانونية العالقة".

وقال الباحث الإثيوبي أديسو لاشيتيو، المتخصص في معهد بروكينغز بواشنطن، إن الخلاف بين مصر وإثيوبيا يتمثل في عزم الأخيرة على البدء مبكراً في ملء خزان السد الشهر الحالي، في حين تصر القاهرة على أنه لا ينبغي أن يبدأ السد العمل قبل التوصل إلى اتفاق ملزم وشامل حول ملء السد وتشغيله على المدى الطويل.

وعلى خلاف "النظرية" التي تفترض بقاء المفاوضات متعثرة لمدة عقد من الزمن نتيجة "دوافع سياسية" لدى أطراف النزاع وليس لمجرد الخلاف حول نقاط جوهرية بشأن السد، اعتبر الباحث الإثيوبي في مقال نشره معهد بروكينغز الأسبوع الماضي، أن لكل من البلدين دوافع حقيقية أدت إلى الخلاف الراهن، وهو أن إثيوبيا تتحدى الوضع الراهن الذي رسخته معاهدات تقاسم المياه بين مصر والسودان، "التي تركت إثيوبيا بدون حصة في كتلة مائية رئيسة تمثل جزءاً كبيراً من أراضيها"، في مقابل قلق مصر من أن السد سيقلل من التدفق الكامل للمياه، حيث "تبرر مصر مطالبتها بالتدفق الكامل لمياه النيل بمناخها القاحل، مما يجعل وجودها وبقاءها يعتمد على النهر"، وأضاف "مع افتقار ما يقرب من ثلثي سكانها للحصول على الكهرباء، تحرص إثيوبيا على تطوير مواردها المائية لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة، وتدّعي أن السد لن يستهلك الماء مباشرة بمجرد ملء الخزان، إذ يتم توليد الطاقة الكهرومائية عن طريق إطلاق المياه في المصب بوتيرة منظمة".

النزاع المائي لم يبدأ بعد

واعتبر لاشيتيو أنه "رغم النزاع المحتدم فإن مصر وإثيوبيا والسودان ستواجه معاً نقصاً حاداً في المياه بسبب النمو السكاني وجهود التنمية الاقتصادية وعوامل أخرى مثل تغير المناخ، ولذلك فعليها إعادة التركيز على التعاون الاستراتيجي على المدى الطويل لمواجهة النقص المتوقع من خلال الحفاظ على المياه وتعزيز التجارة والاستثمار المشترك والاستفادة المشتركة من التكنولوجيا".

مضيفاً، "إذا أدت النزاعات على المياه اليوم إلى مشاحنات قانونية دولية معقدة، فينبغي أن نتوقع مواجهة كوارث شديدة عندما يزداد الطلب على المياه عدة أضعاف في المستقبل"، داعياً دول حوض النيل إلى استخدام تكنولوجيا متطورة لتقليل استهلاك المياه، فضلاً عن التعاون في الاستثمار بالمشروعات التي تعالج إزالة الغابات، والحد من تدهور الأراضي، والتخفيف من المخاطر البيئية، وتقليل تصدير "المياه الافتراضية" المتمثلة في الحاصلات والمنتجات الزراعية كثيفة الاستخدام للمياه كما تفعل مصر عبر صادراتها الزراعية، واستكمل، "مصر، وهي الدولة الأكثر ندرة في المياه بالحوض، وهي الدولة الأقوى اقتصادياً، أمامها فرصة لمراجعة استراتيجيتها القديمة للأمن المائي التي تتمحور حول النيل. مثلما تمكنت الولايات المتحدة من تقليل اعتمادها على الطاقة في الشرق الأوسط من خلال التقنيات الجديدة التي مكّنتها من استخراج النفط الصخري، يجب على مصر أيضاً أن تلجأ إلى تقنيات جديدة لتقليل اعتمادها على تدفقات النيل المتضائلة".

واختتم مقاله بالقول، "ربما تنخرط دول حوض النيل حالياً في نزاع قصير النظر حول تخصيص المياه حتى مع تهديد تغير المناخ والتصحر لتدفق النهر واستمرار الطلب على المياه في الارتفاع. ما لم تتخذ البلدان تدابير مبكرة للاستثمار في كفاءة استخدامها والحفاظ عليها وتنميتها، سيكون هناك خطر متزايد من وقوع أزمة المياه التي يمكن أن تقوض السلام والأمن في المنطقة. يجب على الدول المشاطئة أن تعمل بشكل تعاوني مع وجهة نظر طويلة الأجل وتبني السياسات والابتكارات التكنولوجية لضمان أن تبقى المنطقة لديها ما يكفي من إمدادات المياه لتلبية متطلبات سكانها المتزايدة".

ورداً على الاتهامات الإثيوبية لمصر بالإسراف في استهلاك المياه، قال وزير المياه المصري في حديث إلى التلفزيون الرسمي، مساء الأحد، إن "إثيوبيا تمتلك العديد من موارد المياه، لكنها تعاني مشكلة إدارة وتوظيف تلك الموارد"، مضيفاً، "إثيوبيا لديها 40 مليار متر مكعب من المياه الجوفية المتجددة، مؤكداً أن مصر في مرحلة تفاوض وستواصل السعي وراء الأمل. ننتظر إلى نهاية المفاوضات ولو هناك ربع في المئة من الأمل نحن وراءه ولآخر مدى سنتفاوض". مشيراً إلى أن المفاوضات مستمرة حتى 11 يوليو (تموز) الحالي، و"من المبكر جداً القول إنها وصلت إلى نتائج".

وبدوره، استبعد الباحث السياسي السوداني شروع إثيوبيا في الملء دون الوصول إلى اتفاق، قائلاً، "اليوم دخلنا في يوليو، وإثيوبيا عملياً وفنياً وقانوناً لن تتمكن من الملء بشكل أحادي، ولن تتمكن عملياً من ذلك خلال هذا الشهر، ويمكن أن تكون أكثر مرونة وتفاهماً مع دخول مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي في المفاوضات، وإذا التزمت إثيوبيا بمسار التفاوض يمكن أن نصل إلى اتفاق، أما مسألة تأجيل الملء لإنقاذ المفاوضات، أتوقع أنها سيكون من قبيل تحصيل حاصل أن يتم تأجيل الملء لأنه مستحيل في الظروف الراهنة والمعطيات الجديدة أن اثيوبيا تبدأ في الملء دون اتفاق وتضرب بكل الجهود الدولية عرض الحائط، ونحن نتمنى استعادة الاستقرار في إثيوبيا لنزع السبب الخاص بالتعنت".