Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من هو "المجاهد" المصري الذي خطف الأضواء في الجزائر؟

اهتمام إعلامي بسيرة الدرقاوي وسفير مصر بالجزائر: تأكيد على الكفاح المشترك

رفاة قادة المقاومة الجزائرية في طريقها إلى قصر الثقافة قبل الدفن في مقبرة العالية (أ ف ب)

تقدم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أمس الأحد، جنازة عسكرية رسمية لرفات 24 من قادة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي، التي تم استردادها من فرنسا، يوم الجمعة الماضي، حيث تمت الجنازة بالتزامن مع الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلال البلاد.

ومثّلت عودة الرفات نهاية مشرفة لسيرة عدد من قادة "المجاهدين"، كما يطلق عليهم في الجزائر، بعد نحو 170 عاماً من نفي جثثهم إلى باريس، حيث وضعت جماجمهم في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية، وتعد هذه الدفعة الأولى من رفات مقاومين آخرين محفوظة جماجمهم في المتحف الفرنسي.

 

 

رحلة الدرقاوي

كان لافتاً منذ عودة الرفات، يوم الجمعة الماضي، أن من بين الجماجم التي كشف عن هويتها مصرياً شارك في المقاومة للدفاع عن أرض الجزائر، هو موسى بن الحسن المصري الدرقاوي، الذي حملت جمجمته في متحف الإنسان رقم 5942. وأوردت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية أن الدرقاوي ولد قرب مدينة دمياط المطلة على البحر المتوسط شمال مصر، ويعتقد أنه ولد عام 1796 أي قبل عامين من الاحتلال الفرنسي لمصر، وأصيب بمرض خبيث في الرأس دفعه إلى رحلة علاج في سوريا وتوجه إلى القسطنطينية عاصمة الدولة العثمانية حينها، وانخرط في الفرق العسكرية العثمانية التي توجهت إلى الجزائر، لكنه خرج منها لاحقاً وانتقل عام 1826 إلى طرابلس عاصمة ليبيا حالياً، حيث تلقى العلوم الشرعية على يد أحد مشايخ الطرق الصوفية، ثم استقر في مدينة الأغواط بوسط الجزائر عام 1829، وهناك تلقى استقبالاً جيداً وتم منحه أراضي تقديراً لعلمه، وذاعت شهرته في أنحاء الجزائر.

انتفاضة الزعاطشة

وينقل المؤرخون أن الدرقاوي دخل في خلاف مع الأمير عبد القادر قائد الثورة الجزائرية، بسبب توقيع الأخير معاهدة "دي ميشال" مع الفرنسيين، ما أدى إلى معركة عسكرية بين الأمير والدرقاوي وأنصاره عام 1835، انتصر فيها الأمير ما اضطر الدرقاوي للجوء إلى الجبال، ثم مدينة مسعد، التي بدأ فيها تنظيم صفوفه، ثم اضطر للخروج منها بعد مطاردة من الجنرال الفرنسي ماري مونغ، ولجأ إلى قبيلة بني لالة، وفي عام 1847 توجه جنوباً إلى منطقة الشعانبة فلاقى ترحيباً كبيراً وجمع عدداً كبيراً من الأتباع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تضيف كتب التاريخ أن عدداً من أعوان الأمير عبد القادر تواصلوا مرة أخرى مع الشيخ موسى الدرقاوي المصري، الذي رحب بمواصلة الجهاد وذهب إلى مدينة مسعد مع 80 مقاتلاً من قبيلة أولاد نائل، وانضم إلى الشيخ بوزيان أحد كبار أعوان الأمير عبد القادر ضمن ما عرف بانتفاضة واحة الزعاطشة قرب منطقة بسكرة التي استمرت 4 أشهر، إلا أن القوات الفرنسية حاصرتهم ثم فجرت منزل الشيخ بوزيان في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1849، وحينها أمر القائد الفرنسي هيريبون بقطع رأس الشيخ بوزيان ورأس الشيخ موسى الدرقاوي، ووضعهما على أحد أبواب بسكرة لإرهاب سكانها. وتحولت جماجم المجاهدين إلى مقتنيات لدى القادة الفرنسيين ووضعت في متحف قسنطينة مع غنائم الفرنسيين بعد تحنيطها، حتى نقلها إلى المتحف في باريس.

 

كفاح مشترك

ومنذ الكشف عن هوية صاحب الجمجمة 5942، اهتمت وسائل الإعلام المصرية والعربية بإبراز قصة المصري، الذي دافع عن أرض الجزائر ضد المحتل الفرنسي قبل 170 عاماً، كما امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات وتغريدات عن سيرة الشيخ الدرقاوي، تذكّر بالروابط التاريخية بين العرب، وتصدر هاشتاج (وسم) "#موسى_الدرقاوي" وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر.

وفي حديث لـ"اندبندنت عربية" يؤكد أيمن مشرفة، سفير مصر لدى الجزائر، أن وجود مصري ضمن رموز المقاومة العائدة رفاتهم من فرنسا يمثل صفحة مضيئة للكفاح المشترك بين الشعبين المصري والجزائري، إلى أن نالت الجزائر استقلالها. مشيراً إلى أن قيادات الثورة الجزائرية في الخمسينيات من الماضي، مثل هواري بومدين وأحمد بن بيلا اتخذوا من القاهرة مقراً للمقاومة، وتعرضت مصر للعدوان الثلاثي عام 1956 باشتراك فرنسا مع بريطانيا وإسرائيل، رداً على تأييد مصر للثورة الجزائرية، كما ساندت مصر القضية الجزائرية في كافة المحافل الدولية، وفي المقابل ساندت الجزائر مصر خلال حرب أكتوبر 1976 بوحدات من الجيش وسلاح الطيران.

وأشار إلى أن ذلك الحدث يسهم في تعريف الأجيال الجديدة من الشعبين بالصلات الوطيدة بين مصر والجزائر، مؤكداً أن هناك تاريخاً ممتداً ومتدفقاً من التضحيات والكفاح المشترك بين الشعبين، وأضاف أن الكثير لا يعلمون أن الأمير عبد القادر الجزائري دعي من قبل الخديوي إسماعيل لحضور حفل افتتاح قناة السويس 1869.

نصف اعتذار

وكانت الرفات قد وصلت إلى مطار هواري بومدين بالجزائر العاصمة، الجمعة، وكان على رأس مستقبليها الرئيس عبد المجيد تبون، ثم نقلت إلى قصر الثقافة "مفدى زكريا" ليلقي المواطنون النظرة الأخيرة عليها قبل مواراتها الثرى، في مربع الشهداء بمقبرة العالية بالعاصمة، حيث نقلت بعربات عسكرية إلى المقبرة.

واعتبر الرئيس الجزائري في مقابلة مع قناة فرانس 24 الفرنسية أن باريس قدمت "نصف اعتذار" عن حقبة الاستعمار، معرباً عن أمله في أن تقدم كامل اعتذارها لتهدئة المناخ بين البلدين من أجل علاقات اقتصادية وثقافية أفضل، مؤكداً أن نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون قادر على مواصلة أسلوب التهدئة بين البلدين.

وكانت وكالة الأنباء الفرنسية قد نقلت عن قصر الإليزيه عقب إعادة الرفات، الجمعة، أن هذا جزء من عملية صداقة و"التئام كل الجراح عبر تاريخنا".