Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السجال العسكري في ليبيا يضع الجيش المصري في مأزق جديد

الوفود التركية المتكررة إلى طرابلس عقدت موقف القاهرة من أزمة دول الجوار

عناصر من قوات الجيش الليبي (أ ف ب)

تسارعت وتيرة الأحداث فيما يتعلق بالشأن الليبي خلال الأيام الأخيرة. على المستويات السياسية والعسكرية، أرسلت تركيا كلاً من وزير الدفاع ورئيس الأركان إلى طرابلس للاجتماع مع فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، التي تعد الحليف الأساس لتركيا في الداخل الليبي، وتزامن مع هذا اللقاء إرسال إمدادات عسكرية لقاعدة الوطية العسكرية القريبة من مدينة سرت؛ الخط الأحمر التي أعلنت عنه مصر كفاصل بين الشرق الليبي وغربه، موضحة أنه من الضروري عدم تعديه من قبل أي قوة عسكرية.

وفي الوقت ذاته، ذهب عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي إلى موسكو في روسيا للاجتماع مع وزراء الخارجية والدفاع. ومساء السبت الماضي، قصفت طائرات رافال مجهولة الهوية المنظومة العسكرية التركية بقاعدة الوطية الجوية في الغرب الليبي.

هذا التصعيد من قبل الأطراف المتصارعة في ليبيا، والدول المعنية بالشأن الليبي يضع مصر أمام تحدٍ جديد بالداخل الليبي، بخاصة في الشق العسكري. هناك اتساع مستمر للفجوة الموجودة بين الأطراف الليبية، فعلى سبيل المثال، أعرب عقيلة صالح أن من وقّعوا على اتفاق الصخيرات، وهو الاتفاق القائمة عليه شرعية حكومة الوفاق الوطني، لم يكن لديهم تفويض من قبل الشعب الليبي، وأكد التمسك "بإعلان القاهرة" الرافض للتدخلات الأجنبية كحل للقضية الليبية. في الوقت ذاته، خرج وزير الدفاع التركي خلوصي اكار لكي يصرح أن تركيا باقية ولن تترك ليبيا، وهو ما يتعارض مع الرؤية المصرية. بات الموقف أكثر تعقيداً فيما يخص الشأن الليبي، وتحتاج مصر لاتزان بين القرار السياسي والعسكري خلال المرحلة المقبلة.  

الجيش المصري والمأزق السياسي والعسكري  

أصبحت الدولة المصرية، وقواتها المسلحة على وجه التحديد، في مأزق فيما يتعلق بالأزمة الليبية بعد حالة التصعيد في السجال العسكري الذي تشهده ليبيا أخيراً بعد التدخل العسكري التركي. ومن غير الممكن أن تتخلى مصر عن دورها بهذا الملف وعن دعمها لحلفائها في الشرق الليبي نظراً لارتباط ما يحدث في ليبيا، والشرق تحديداً، بأمن الحدود المصرية والأمن القومي المصري بشكل عام، هذا بخلاف التدخل العسكري المباشر من قبل دولة كتركيا التي بينها وبين الدولة المصرية عدد من الخلافات السياسية منذ سنوات عدة.

مصر لا تزال تعمل على أرضية التسوية السياسية وضرورة وقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة في ليبيا، وهو ما عبرت عنه بوضوح المبادرة المصرية أو إعلان القاهرة الذي أعلن عنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ عدة أسابيع.

مصر عبرت بوضوح عن رغبتها في إرساء حل سياسي بالصراع الليبي بمشاركة كل الأطراف، وأكدت رفضها للتدخل العسكري من دول أجنبية وضرورة أن يكون هناك حل سياسي (ليبي- ليبي). وبالتالي، الموقف المعلن لها هو موقف رافض للتدخلات العسكرية غير الليبية، وغير قابل لأي تدخل عسكري من قوى خارجها.

ولكن أخيراً ومنذ عدة أيام، صرح رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح أن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر والذراع العسكرية لمجلس النواب، يحتاج إلى قدرات الجيش المصري في حربه ضد الإرهاب والميليشيات والمرتزقة التي أتت بهم تركيا في الغرب.

وهذا التصريح يضع القوات المسلحة المصرية في مأزق سياسي وعسكري فيما يتعلق بالشأن الليبي. فمن ناحية، يحتاج الجيش المصري لدعم حليفه في الشرق الليبي نظراً لاعتبارات الأمن القومي، ولكن من ناحية أخرى، نهج الدولة المصرية ومواقفها المعلنة ترفض التدخل الأجنبي وتصر على العودة للحل السياسي. وهذا بالطبع بخلاف التكلفة المادية، والإنسانية، والسياسية للتدخل العسكري في ليبيا، وهو ما لا ترغب الدولة المصرية في الوقت الحالي في تحمله. ولكن أي تمدد عسكري لحكومة الوفاق المدعومة عسكرياً وسياسياً من تركيا بعد خطوط سرت والجفرة يعد تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، وهو ما يضع القوات المسلحة المصرية أمام معضلة حقيقية، فكيف سيتعامل الجيش المصري وقياداته العسكرية والسياسية في هذا الأمر؟ والإجابة عن هذا السؤال تحتاج لبعض التفصيل في شرح التحولات التي حدثت أخيراً وتتعلق بالملف الليبي.

 

 

تصريحات رئيس مجلس النواب

أجرى عقيلة صالح، مداخلة هاتفية مع قناة CBC extra المصرية الخميس الماضي، وتحدث كثيراً عن الموقف المصري إزاء الملف الليبي وأزمة التدخل التركي.

وصرح صالح، أحد أهم الساسة بالساحة الليبية بخاصة في الشرق، بأن ليبيا ستحتاج دعم القوات المسلحة المصرية في حربها ضد الإرهاب والمرتزقة. وقال إن مجلس النواب الليبي هو السلطة الوحيدة المنتخبة والممثلة للشعب الليبي، وقد تواصل أعضاؤه مع مختلف مكونات الشعب الليبي الذي أجمع على دعم جهود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سواء في تنفيذ مبادرة "إعلان القاهرة" لوقف إطلاق النار واستئناف الحوار (الليبي – الليبي) أو بالاستعداد للتدخل العسكري بشكل شرعي لمساندة الشعب الليبي في الحفاظ على مقدراته وثرواته من محاولات القوى الأجنبية للسطو عليها، وفقاً لجريدة اليوم السابع المصرية، وعدد من المواقع الإخبارية في ليبيا.

ونرجع هنا إلى نقطتين رئيسيتين، الأولى هي احتياج ليبيا، أو شرق ليبيا على وجه التحديد لدعم القوات المسلحة المصرية، والثانية هي الحديث عن التدخل العسكري "الشرعي" المصري في ليبيا. الجدير بالذكر، أن مداخلة صالح لم تكن الأولى له في هذا الشأن، فقد زار البرلمان المصري وتحدث فيه في 12 يناير (كانون الثاني) 2020، وقال، "إن اتفاق الصخيرات لم تعد له أي شرعية، واتهم المجلس الرئاسي بالخيانة كونه لم يهتم بحقوق شعبه وباع موارد الدولة الليبية لتركيا من أجل الاستمرار في مشهد الصراع الليبي. ومثل هذه المواقف والتصريحات تشكل أزمة لمصر التي تريد وتسعى إلى عملية سياسية تتضمن كل الأطراف وفق ما قاله الرئيس المصري خلال الإعلان عن المبادرة المصرية او "إعلان القاهرة". وبالتالي نرى أن هناك تعارضاً مع موقف المؤسسات السياسية في ليبيا، وبين موقف الدولة المصرية، فمصر رافضة للتدخل الأجنبي بكل أشكاله في ليبيا، ولكنها في ذات الوقت لم تعبر رسمياً عن انتهاء شرعية اتفاق الصخيرات، أو عن فقدان المجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج للشرعية، كونه معترفاً به دولياً وفقاً لاتفاق الصخيرات. ولذا، هناك حاجة للتنسيق بين الرؤى لكل من مصر وحليفها السياسي في الشرق الليبي، مجلس النواب الذي يحظى بشرعية الاعتراف الدولي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المواقف الأوروبية

مصر من خلال محاولاتها لوقف إطلاق النار والعودة لطاولة المفاوضات السياسية في ليبيا، بدأت تبحث عن تحالفات جديدة داعمة لوقف الحرب في ليبيا، وإدانة التدخلات التركية في المشهد. وحرصت على حشد أكبر عدد ممكن من الدول الرافضة لأفعال تركيا في الداخل الليبي التي يوجد توافق بين مواقفها والموقف المصري. كان على رأس هذه الدول كل من فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، واليونان، وقبرص، ولكل دولة مصالحها في ظل غياب دور فاعل لكل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية في الداخل الليبي بعد التغيرات التي حدثت في الفترة الأخيرة. ولكن مصر استمرت في ممارسة الضغوط السياسية في الملف الليبي حتي باتت هناك تصريحات رسمية لهذه الدول بشأن التدخل العسكري في ليبيا.

منذ أيام قليلة، وتحديدا في 26 يونيو (حزيران) الماضي، صدر بيان رسمي عن كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا معبراً عن ضرورة إنهاء كل التدخلات الأجنبية في ليبيا فوراً وبلا شروط. باريس وروما وبرلين طالبت الأطراف في ليبيا بوقف إطلاق النار، كما طالبت كل الدول بوقف التعزيزات العسكرية لكل الأطراف في ليبيا احتراماً لقرار وقف التسليح الصادر عن مجلس الأمن. هذا بالإضافة إلى التوترات التي طرأت على العلاقات (الفرنسية - التركية) جراء ملف ليبيا، على أرضية الاتحاد الأوروبي، وعلى أرضية حلف الناتو، حيث ترى فرنسا أن ما تفعله تركيا في ليبيا يعد انتهاكاً للوائح حلف الناتو، ومبادئ الاتحاد الأوروبي المعني بشأن القارة، وردت تركيا تقول إن "فرنسا تلعب لعبة خطيرة" كونها تدعم القوى التي ترفض شرعية حكومة طرابلس المعترف بها دولياً وفقاً لاتفاق الصخيرات.

هذه المواقف تدل على أن الضغوط السياسية المصرية أثمرت نجاحاً في خلق ردود فعل بالداخل الأوروبي بخصوص الشأن الليبي. ولكن استغلال هذه المواقف الدولية يجبر مصر على عدم اللجوء للتدخل العسكري بأي شكل، حتى ولو بالدعم فقط دون تدخل مباشر. استخدام أوروبا في دعم الرؤية المصرية يحتاج أن تكون مصر متفقة مع هذه الدول على عدم التدخل العسكري، وعدم خرق قرار منع التسليح. وهو ما يضع القوات المسلحة المصرية في مأزق حال اخترقت قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا الخط الفاصل الذي يفصل بين الشرق والغرب في مدينة سرت على وجه التحديد، خصوصاً أن الرئيس المصري قال صراحة إن له حق التدخل الشرعي في ليبيا إذا تم تجاوز هذا الفاصل من أجل الدفاع عن الأمن القومي المصري.

الولايات المتحدة الأميركية

الولايات المتحدة انسحبت من ممارسة دور فاعل بالملف الليبي منذ تولي إدارة ترمب، ولكن هذه الدور عاد أخيراً من خلال عدد من اللقاءات والاتصالات التي أجراها ريتشارد نورلاند السفير الأميركي في ليبيا.

في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، نشرت السفارة الأميركية في ليبيا بياناً رسمياً من خلال حسابها على موقع تويتر يفيد بأن السفير نورلاند اتصل بفايز السراج للتأكيد على الموقف الأميركي تجاه المؤسسات الشرعية التي وردت في اتفاق الصخيرات، وعلى رأسها حكومة الوفاق الوطني، وأنها ترفض التدخلات العسكرية من قبل المشير خليفة حفتر في محور العاصمة طرابلس، وكان ذلك بعد أيام من إعلان الأخير انتهاء اتفاق الصخيرات وعدم اعترافه به. ودعت الولايات المتحدة في ذلك الوقت إلى وقف معارك طرابلس والعودة لعملية التسوية السياسية.

وجددت الولايات المتحدة اهتمامها بالشأن الليبي أخيراً من خلال اجتماع وفد من قيادة القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) مع فايز السراج في 22 يونيو (حزيران) الماضي.

وأعلنت السفارة الأميركية في ليبيا عبر بيان رسمي أن الاجتماع كان يهدف لشرح وجهة النظر الأميركية بخصوص خطورة التصعيد العسكري، واحتمالات عودة تنظيم القاعدة أو داعش نظراً للصراع العسكري، وضرورة وقف الاشتباكات العسكرية بين كل الأطراف والعودة لعملية التسوية السياسية وفقاً لمخرجات مؤتمري جنيف وبرلين.

الولايات المتحدة هي أكبر حليف استراتيجي لمصر، ولا يتغير هذا الواقع مع تغير القيادات السياسية في البلدين، والموقف الأميركي رافض لفكرة التدخل العسكري، كما أنه معترف بشرعية حكومة الوفاق الوطني التي تشتبك مع قوات الجيش الوطني الليبي. وبالتالي، المصالح (المصرية – الأميركية) ستجعل مصر تفكر أكثر من مرة قبل أن تتخذ قراراً بالتدخل العسكري في ليبيا، وهي معضلة أخرى سيواجهها الجيش المصري في حال ارتأت الدولة المصرية ضرورة التدخل.

الرؤية المصرية مستقبلاً

مصر تتعامل يومياً مع الشأن الليبي، وهناك وحدات عمل في أجهزة الأمن والقوات المسلحة تعمل على الملف الليبي، ولكن القيادة السياسية في مصر لم تبد تحمساً للتدخل العسكري، على الرغم من كل مصالحها في الداخل الليبي، سواء الأمنية أو السياسية أو الاقتصادية. ولكن هناك احتمالية ألا تلتزم تركيا برؤية المجتمع الدولي والقرارات الأممية بخصوص تدخلها في ليبيا، ولهذا السبب كانت الرسالة واضحة من مصر بخصوص الخطوط الفاصلة في كل من سيرت والجفرة، وإذا ما حدث ذلك، من المنطقي أن تبدأ مصر التفكير الجدي في التدخل العسكري، ولكنه لن يكون قراراً سهلاً للقيادة السياسية والقوات المسلحة المصرية نظراً لكل ما يحمله من تبعات، ولكنه قد يتحول لضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

مما لا شك فيه سوف يتم توجيه الاتهامات لكل من مصر وفرنسا من قبل تركيا، كونهما مسؤولين عن القصف الجوي لقاعدة الوطية، ولكن المواقف السياسية الرسمية لكل دولة من الدولتين ترفض التدخل العسكري، وتصر على العودة للعملية السياسية على أرضية الأمم المتحدة، وبالتالي تحتاج مصر إلى التمسك بموقفها السياسي وللكثير من التحفظ فيما يتعلق بأي تدخلات عسكرية، حتي يتم استقرار المجتمع الدولي على رؤية جديدة بشأن الملف الليبي.

المزيد من تحلیل