Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نقوش على جدار الهضبة الإثيوبية من الإمبراطورية إلى الدولة الحديثة

تُعدُّ دولة محورية وقوة إقليمية وحليف قوي للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب

منغستو هايلي ماريام بوصفه الزعيم الشيوعي لإثيوبيا يقف إلى جانب فيدل كاسترو (وسط) وراؤول كاسترو (يسار) في هافانا عام 1975 (غيتي)

ينطلق تناول إثيوبيا المنكفئة على أحداثها السياسية وتوتراتها الداخلية من أنَّ هذه سمتها منذ تاريخها القديم. لدى الإثيوبيين اعتدادٌ بأنَّهم أهل تاريخٍ وحضارة وافرة، فأرض الحبشة (إثيوبيا) هي موطن مملكة أكسوم القديمة وهي موطن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية إحدى أقدم الكنائس المسيحية وهي أحد أقدم النظم الملكية في القارة الأفريقية.

ومن الاعتقادات التاريخية، يتعاطى الإثيوبيون مع واقعهم السياسي والاجتماعي، فبعضها مبنيّ على حقائق وأخرى مبنية على الرغبة في الحفاظ على هذه الأهمية.

اعتداد تاريخي جغرافي

للإثيوبيين اعتقادٌ راسخ بأنَّهم أحفاد السلالة السليمانية التي حكمت ما يقارب ثلاثة آلاف سنة منذ أول إمبراطور للحبشة هو منليك الأول الذي كان يدين باليهودية وهو ابن النبي سليمان وبلقيس ملكة سبأ التي تُعرف في الحضارة الإثيوبية بــ"ماكيدا"، واستمر حكم السلالة إلى سقوط الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974.

وذكر الكاتب النور حمد في سلسلة مقالات بعنوان "لماذا يصحو مارد الهضبة ويغفو مارد السهل؟" أنَّ "أهل الحبشة القدامى أو الأكسوميين لم يكونوا سوى هجين تشكَّل عن طريق امتزاج دماء متحدثي الكوشية الذين هاجروا من الصحراء الأفريقية الشمالية إلى الهضبة الحبشية بدماء السبأيين، الذين وفدوا إلى الإقليم ذاته من جنوب الجزيرة العربية حوالى 500 قبل الميلاد. مرت القرون وأصبحت أكسوم الحبشية في القرون الميلادية الثلاثة الأولى نقطة الربط التجاري بين جنوب الجزيرة العربية، وبين نوبيا في وادي النيل الأوسط".

وهذا ما يُفسِّر اعتداد الإثيوبيين بموقع بلادهم على هضبة  تغطّي أكثر من نصف مساحتها الواقعة شمال شرقي أفريقيا في منطقة القرن الأفريقي.

تشغل هذه المساحة حوالى 80 قومية، لكل منها عاداتها وتقاليدها الخاصة ولغتها المحلية، وتنقسم إثيوبيا إداريّاً إلى إدارتين مستقلتين هما العاصمة أديس أبابا ومدينة ديرداوا، إضافةً إلى تسعة أقاليم هي: أوروميا، أمهرا، تيغراي، عفر، هرر، الإقليم الجنوبي، بني شنقول جوميز، جامبيلا والإقليم الصومالي، ولكلٍّ من هذه الأقاليم حكومة خاصة.

تسلسل الحكم

ساعدت إيطاليا التي كانت تسيطر على إريتريا الإمبراطور منليك الثاني على تقلُّد الحكم في الحبشة خلفاً للامبراطور يوحنا لكي يساندها في القضاء على المتمردين الفارين.

وعام 1887، أُسّست العاصمة أديس أبابا "الزهرة الجديدة"، بعدها غزت إيطاليا الحبشة ولكن هُزمت ووقّعت معاهدة صداقة معها في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1896 واعترفت باستقلال إثيوبيا.

واشتهر منليك الثاني بالسيطرة على الممالك الصغيرة وترسيم الحدود بين السودان وإثيوبيا. وبحسب المؤرِّخ فيصل علي طه فإنَّ الاتفاقية على تعيين الحدود التي وُقِّعت في 28 أغسطس (آب) 1902 بموجب تعليمات وزير الخارجية البريطاني لورد لانسداون وسلّمها إلى الإمبراطور منليك الثاني في 28 أكتوبر (تشرين الثاني) 1902، نصّت في المادة (3) منها على "التزام الإمبراطور منليك تجاه الحكومة البريطانية بألَّا يشيّد أي بناء أو يقيم أو يسمح بإقامة أي أعمال ري على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر سوباط الذي يصبّ في النيل الأبيض، تحجز انسياب المياه إلى النيل إلَّا باتفاقٍ مع الحكومة البريطانية وحكومة السودان".

غزت إيطاليا إثيوبيا مرة أخرى عام 1935 لتوسيع مستعمراتها في القرن الأفريقي، فهرب هيلا سيلاسي إلى السودان ومن ثم إلى بريطانيا. وأثناء الحرب العالمية الثانية عام 1941، استطاعت الجيوش الإثيوبية بمساعدة الجيوش البريطانية طرد القوات الإيطالية خارج إثيوبيا، وبذلك تمكن هيلا سيلاسي من العودة إلى الحكم. وعام 1962 استطاع السيطرة على إرتيريا وضمّها الى أثيوبيا.

وفي 12 سبتمبر (أيلول) 1974 عُزل وتولّى بعده نظام الديرغ الماركسي حتى 1991، ومن ثم تولّى الحكم منغستو هايلي ماريام من 1987 حتى عام 1991.

وبعده ميليس زيناوي الذي شغل منصب الرئيس من 28 مايو (أيار) 1991 إلى 21 أغسطس (آب) 1995، ومنصب رئيس الوزراء من 1995 حتى وفاته في 2012، ومن ثم تولّى هايلي ماريام دياسلين رئاسة الوزراء حتى 2018 ومن بعده آبي أحمد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الرعب الأحمر

من بين هذه الفترات، شكَّلت فترة منغستو هايلي ماريام نقطةً فارقة في التاريخ الإثيوبي الحديث، إذ تشكَّل عهده وسط رياحٍ ثورية يسارية هبّت على المنطقة، فحوّل إثيوبيا إلى أرض تنزع نحو الاتحاد السوفياتي تارة وتجتاحها تارة أخرى رياح الماركسية اللينينية على غرار التجربة الكوبية. خلال الحرب الصومالية - الإثيوبية، عزّزت إثيوبيا تحالفها مع الاتحاد السوفياتي وتمكَنت بمساعدة القوات العسكرية الكوبية ومساعدات سوفياتية من صدِّ هجوم القوات الصومالية وإخراجها من إقليم أوغادين.

وكانت في الوقت ذاته، تواجه ثورة إريترية متصاعدة، فاستعانت بإسرائيل في 1975 من أجل قمعها، فدعمتها عسكريّاً ولوجستيّاً، واستفاد منغستو من التدريب الإسرائيلي لعناصره  في صراعه على السلطة ضد زملائه في الجيش.

حصلت تل أبيب مقابل ذلك على تسهيلاتٍ لأسطولها الحربي في عددٍ من موانئ البحر الأحمر ومن ثم صفقة ترحيل اليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل عبر الخرطوم عام 1978. وخلال الفترة من1977 حتى 1979 أشرف منغستو على التعذيب والقتل الذي راح ضحيته حوالى نصف مليون إثيوبي في ما عُرف بـ"الرعب الأحمر".

لم يغيّر الانقلاب من طغيان الدولة التسلطية على المجتمع الإثيوبي، فقد كانت الدولة في عهد منغستو هي الشكل الجديد للدولة السابقة المستبدة والإقطاعية، التي تسرّبت عن طريق اختراق المجتمع برؤى جديدة تمثّل حلم الشعب، ولكنه تبدّد بعنف "الرعب الأحمر".

وحالة عزل المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية أتت من إرث حكم هيلا سيلاسي وحجره على الأحزاب والنقابات وإبعاد الجيش عن الانغماس في الحياة السياسية، مما خلق نوعاً من الكبت نمّى حنق العسكر، فخرج بخوذته وبزته على الواقع السياسي الإثيوبي.

 أسهمت في إخضاع المجتمع الإثيوبي لحكم منغستو الديكتاتوري، التربة الخصبة المكوّنة له كمجتمعٍ مرحلي، انتقالي، تراثي يتجاذبه الإرث الإمبراطوري والنظام الاشتراكي، وهو يعيش حالة مواجهة وصراع بين قوى متعددة ومتناقضة.

ومع نهاية الإمبراطورية، لم يكن استقرّ بعد على هوية وعقيدة سياسية محددة. تحوّل منغستو من الإيمان بالأيديولوجيا إلى عبادة السلطة، فاختُصرت المبادئ والخطاب السياسي والثقافي في شخصه.

ومن أجل ذلك، كرّس نظام منغستو المبادئ الاشتراكية وقناعات الثورة لاستخدام العنف، فتلبس نظامه لبوساً اشتراكياً وضمر خطاباً عسكرياً كي يساعده على بسط سلطته.

أحزاب إثنية

أكبر أثر تركه الاستعمار الإيطالي على الرغم من قصر مدته هو تقسيمه إثيوبيا إلى أقاليم إثنية. أبرزها القومية الأمهرية التي تنتشر في شمال البلاد، وتقدّر نسبتها بـ 25 في المئة من السكان. حكمت البلاد لعقود، ومن أبرز الحكام الذين ينتمون إليها الإمبراطور منليك وهيلا سيلاسي ومنغيستو هايلي ماريام. والأمهرية هي اللغة الرسمية المعتمدة في الدواوين الحكومية والمؤسسات التعليمية.

وثمة قومية تيغراي التي تقطن منطقة صغيرة على حدود البلاد الشمالية مع إرتيريا، تشكّل نحو 6.1 في المئة من سكان إثيوبيا، وعلى الرغم من ذلك، فهي الإثنية التي تسيطر على الجيش وحكمت إثيوبيا منذ تولّي ميليس زيناوي السلطة عام 1991 حتى مجيء آبي أحمد من الأرومو.

وتُعدُّ قومية الأورومو التي تتحدث اللغة الأرومية، كبرى القوميات الإثيوبية وتنتشر في جنوب غربي البلاد، وتشكّل 40 في المئة من عدد السكان البالغ حوالي مئة مليون نسمة، ويعتنق ما يزيد على 70 في المئة من شعب أورومو الإسلام، و20 في المئة منهم المسيحية، وعلى الرغم من كثرتهم إلا أنَّهم يعانون من التمييز.

ووفقاً لذلك التقسيم، قام دستور إثيوبيا عام 1994 لتحقيق الديمقراطية الإثنية، وباتت الإثنيات هي أساس الأحزاب السياسية ومنها منظمة عموم شعب الأمهرا والحزب الديمقراطي للصومال الغربي وحزب تحرير عفر.

وهناك أحزاب متعددة الإثنيات مثل حزب الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الحاكم الذي ظلّ محتكراً التمثيل السياسي، وهو يضمّ تنظيمات من تيغراي وأورومو وجامبيلا وبني شنقول. وثمة حزب الاتحاد الإثيوبي الديمقراطي ويضمّ تنظيمات أمهرية وتيغراينية، وأحزاب لا تقوم على الإثنية مثل مجموعة العمل الديمقراطي.

 مسار الدولة

تُعدُّ إثيوبيا دولة محورية وقوة إقليمية وحليفاً قوياً للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب، خصوصاً حركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة. واقتصادياً، فإنّ إثيوبيا من أسرع الدول الأفريقية نمواً، وعلى الرغم من شهادات المؤسسات الدولية على أداء الاقتصاد الإثيوبي، إلّا أنَّه لم ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن العادي. أما اجتماعياً، فقد أسهم نشاط الاضطرابات بين المجموعات الإثنية في ضعضعة سمعة إثيوبيا. ولا يوجد تأييد واضح للمعارضة السياسية الضعيفة بسبب تعدّدها وتنوع أيديولوجياتها وافتقارها للدعم الخارجي، نظراً إلى تأثير العامل الإثني في الوضع السياسي والاقتصادي بالبلاد.

يواجه آبي أحمد تحدياً يتمثّل في تحقيق وضع موافقٍ لتفاؤل الشعب الإثيوبي بضرورة التغيير الحقيقي، وعلى الرغم من تبدّل الظروف، إلَّا أنَّ احتجاجات الشارع الإثيوبي تعود إلى الواجهة في كل سانحة، مما يكبِّل مسار الدولة.