Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قلوب الأميركيين حائرة بين مفرقعات عيد الاستقلال ونيران العنصرية

تستقبل الولايات المتحدة يومها الوطني بحالة انقسام يفاقمها فيروس كورونا

يحل اليوم السبت الرابع من يوليو (تموز) الحالي، ليعيد إلى الأذهان ذكرى الاستقلال الأميركي عن بريطانيا العظمى، فيما تعيش الولايات المتحدة انقساماً نتج عنه تحديات داخلية متعاقبة، بدأت باشتعال المظاهرات المناهضة للعنصرية، وازدادت على إثر المناوشات الداخلية في الحزب الجمهوري، واستغلال الديمقراطيين لها، في وقت يبدو فيه تجاوز عدد إصابات فيروس كورونا حاجز الثلاثة ملايين مسألة وقت، في ظل تسجيل المراكز المحلية يومياً عشرات الآلاف من الإصابات.

وبعد أشهر عاشت خلالها الولايات المتحدة إجراءات تراوحت بين الإغلاق الجزئي والكلي، وأدت إلى تخفيف حدة الفيروس، شرعت البلاد في إعادة الفتح على نطاق واسع، ومع اندلاع الاحتجاجات في الشوارع، حبس الأميركيون أنفاسهم خشية معاودة الإصابات الارتفاع مجدداً، ثم استحالت المخاوف والتوقعات حقيقة على إثر تسجيل البلاد في مستهل الشهر الحالي حصيلة يومية تجاوزت 50 ألف حالة.

وعلى الرغم من الحزن الذي يغمر أنحاء الولايات المتحدة، فإنها ما زالت تتفاعل مع أيامها التاريخية، فبالأمس احتفلت بعيد الذكرى في ذروة (كوفيد – 19) من دون مسيرات، واليوم تستقبل عيد الاستقلال الذي يعد أكثر أهمية بتجمعات أقل، ومظاهر فرح مقننة تتجلى في الألعاب النارية المنتظرة كل عام.

وعلى صدى المفرقعات التي ستتألق بها الأجواء، مازالت ألسنة اللهب تتبدى في أعين الأميركيين من أصول أفريقية، في مظاهرات متواصلة منذ أسابيع، تندد بعنف الشرطة تجاه بني عرقهم، وتستذكر العشرات ممن لقوا حتفهم في حوادث ملطخة بالتحيز والعنصرية، كان آخرها الركوع المميت الذي أودى بحياة جورج فلويد في مينيسوتا، حيث قدحت وفاته شرارة المظاهرات الأخيرة التي عمت البلاد.

وتَجسّد التضامن مع القضية المأساوية في مبادرات سياسية مختلفة، واتجهت جامعات ومؤسسات إلى اعتماد التاسع عشر من يونيو (حزيران) الماضي، التي توافق ذكرى نهاية العبودية، عطلة رسمية استثنائية هذا العام، لكنَّ ذلك كله لم يكن كافياً لإيقاف غضب الشارع، إذ مازال الأميركيون الأفارقة جنباً إلى جنب مع البيض المتعاطفين يصدحون بمطالبهم بإصلاح الشرطة، والحد من انتهاكاتها العنصرية.

 

منطقة حكم ذاتي

وذهب متظاهرون إلى أبعد من ذلك عبر احتلال أربع إلى ست مناطق في مدينة سياتل مند يونيو (حزيران) الماضي، مشكّلين ما هو أشبه بمنطقة حكم ذاتي، وشهد الاحتجاج الفريد من نوعه على سياسات الشرطة العنيفة، خمس عمليات إطلاق النار في الأسبوعين الماضيين، قوضت الغاية وراء مساعيهم.

وأشادت عمدة المدينة جيني دوركان في بادئ الأمر بسلمية المظاهرات، لكنها أصدرت لاحقاً أمراً تنفيذياً بإخلاء المنطقة التي عرفت بـ"منطقة كابيتول هيل المستقلة"، على خلفية أعمال العنف المتزايدة، وفرّقت الشرطة، الأربعاء الماضي، المتظاهرين، واعتقلت 31 شخصاً.

ويطالب قادة الحركة، إلى جانب إسقاط التهم الموجهة إلى المتظاهرين، بإيقاف تمويل قسم شرطة سياتل بنسبة 50 بالمئة، وتحويل نصف نفقاته لتقديم خدمات اجتماعية أخرى.

من جانبها، أوضحت رئيسة شرطة سياتل، كارمن بست، أن المئات من الضباط عملوا على تنظيف الشوارع "المتضررة للغاية"، وقال المدعي العام الأميركي بيل بار، إن المنطقة أصبحت "ملاذاً للجريمة"، مشيداً بتحرك الشرطة.

 

تاريخ التحرير

وبعيداً عن الانقسام الحالي، فإن الأميركيين ينظرون لعيد الرابع من يوليو بأنه التاريخ الذي توحدت فيه قياداتهم تحت قيم عليا نابضة بالحرية والعدالة، ويمتاز عن غيره من الأيام التاريخية في الولايات المتحدة باعتباره عطلة فيدرالية ترتبط بذكرى توقيع الآباء المؤسسين على وثيقة إعلان الاستقلال في الرابع من يوليو عام 1776، حين انفصل ممثلو الولايات الـ56 آنذاك عن الإمبراطورية البريطانية، وإعلان المستعمرات الأميركية الشمالية ولايات حرة.

وفيما يذكرنا هذا اليوم بمجد الإمبراطورية البريطانية، التي مدت هيمنتها على مساحات شاسعة من العالم، حين كانت بحلول القرن الثامن عشر تحكم أميركا الشمالية المؤلفة من 13 مستعمرة هي؛ ديلاوير وبنسلفانيا ونيو جيرسي وجورجيا وكونيتيكت وماساتشوستس وماريلاند وكارولاينا الجنوبية ونيوهامشر وفرجينيا ونيويورك وكارولاينا الشمالية ورود آيلاند ومزارع بروفيدانس، فإنها أيضاً تلفت أنظارنا إلى ولادة قوة عظمى أذهلت العالم بترسانتها العسكرية وقدراتها الاقتصادية.

وأقر الكونغرس الانفصال القانوني للمستعمرات الثلاث عشرة عن بريطانيا العظمى في الثاني من يوليو بعد مقترح من قبل ريتشارد هنري لي من ولاية فرجينيا، وبعد التصويت لصالح الاستقلال، تركز الاهتمام على إعلانه، وأُعد حينها بيان من قبل لجنة مكونة من خمسة أشخاص، من ضمنهم توماس جيفرسون، ثالث رئيس للولايات المتحدة وكاتب الإعلان الأساس، وبعد مراجعة الكونغرس للإعلان، وافق عليه في 4 يوليو.

 

خطب راسخة

ويمثل عيد الاستقلال انتزاعاً للحريات المكفولة في دستور الولايات المتحدة، واحتفاءً بنهضتها المدنية، في رمزية تنعكس في تزامن بدء بناء مشروعات عامة كبرى مثل قناة إيري، ونصب واشنطن التذكاري، وسكة حديد بالتيمور وأوهايو الأولى في البلاد، مع حلول الرابع من يوليو.

 وينفرد العيد بأهم الخطب المثيرة للوجدان الأميركي، والحافلة بقيم الحرية والتنوير والمساواة، منها خطاب الرئيس فرانكلين روزفلت في أحلك لحظات الحرب العالمية الثانية، حين ذكّر أنصاره بأن الرابع من يوليو مثّل لجيش الثورة الأميركية "القلق والجائع وغير المجهز" محفزاً للأمل والإلهام.

وفي عام 2001، قال الرئيس جورج دبليو بوش خارج قاعة الاستقلال في فيلادلفيا، حيث ولد إعلان الاستقلال، إن الوثيقة لا تزال تمثل "المعيار الذي نتمسك به معاً، والمعيار الذي نقيس به أنفسنا. أعظم إنجازاتنا تتحقق عندما نرتقي إلى المثل العليا، لقد جاءت أعظم مآسينا عندما فشلنا في المحافظة عليها".

وبالحديث عن الأحزان، يحيل حنق الخطاب الثوري للكاتب من أصول أفريقية فريدريك دوغلاس، في 4 يوليو 1852، إبان سطوة العبودية في الولايات المتحدة إلى الوضع الحالي الذي تتعالى فيه أصوات الأميركيين مطالبين بإيقاف عنف الشرطة، وممارساتها العنصرية.

ابتدأ دوغلاس واحدة من أكثر الخطب تأثيراً في التاريخ الأميركي بتثمين تضحيات الآباء المؤسسين، قبل أن يشجب شرور العبودية، التي كانت ولا تزال سائدة في الجنوب الأميركي، واعتبر القوى القادرة على إسقاط العبودية تلك التي تستمد تأثيرها من وثيقة الاستقلال، ومبادئها، بالإضافة إلى "عبقرية المؤسسات الأميركية"، على حد تعبيره.

وفي معرض وصفه للآباء المؤسسين، قال "إنهم ومع كونهم رجال سلام، فقد فضلوا الثورة على الخضوع السلمي للعبودية، ولم يسكتوا عن الظلم، أظهروا الصبر، وعرفوا حدوده، آمنوا بالنظام لا الاستبداد. ولم تكن التسويات الحل، بل انتزاع العدالة والحرية والإنسانية"، وأضاف، "يمكنك أن تعتز بذكرى هؤلاء الرجال، كانوا عظماء في يومهم وجيلهم. إن رجولتهم القوية تبرز أكثر عندما نقارنها مع هذه الأوقات المتدهورة".

كان دوغلاس يؤمن بأن مبادئَ للحرية السياسية والعدالة المجسدة في إعلان الاستقلال لم تلامس حياة الأميركيين الأفارقة، وهو ما عبّر عنه في خطابه قائلاً، "فوق فرحتكم الوطنية الصاخبة، أسمع نحيب الملايين، الذين أصبحت سلاسلهم الثقيلة اليوم لا تطاق" في إشارة إلى تجارة الرقيق.

ويلفت النظر في خطابه التاريخي، الذي ركز على معنى الرابع من يوليو حينذاك لدى السود، إلى التفاوت الطبقي بقوله، "أنا لست من ضمن هذه الذكرى المجيدة، إن استقلاليتك العالية تكشف فقط المسافة التي لا حدّ لها بيننا، إن البركات التي تفرح بها في هذا اليوم، تنفرد بها وحدك، إن الإرث الغني بالعدالة والحرية والازدهار والاستقلالية تحظى به أنت وليس أنا. أشعة الشمس التي منحتك الضوء والشفاء، جلبت لي موتاً وعلامات. هذا الرابع من يوليو لك، وليس لي".

طقوس عيد الاستقلال

يحتفي الأميركيون اليوم بعيد الاستقلال بإقامة الولائم التقليدية، ومشاهدة الأضواء المشتعلة، والاستماع إلى المقطوعات الموسيقية، وخطب الساسة، وتنظيم حفلات الشواء، واللقاءات العائلية التي ستكون محدودة بسبب الظروف الحالية، ومن أكثر المظاهر شيوعاً تعليق الأعلام على عتبات البيوت وأسقفها.

وبينما تعلو أعلام، تسقط أخرى في ولايات مثل ميسيسبي، حيث أقر حاكمها قانوناً لتغيير علم الولاية الذي يشتمل شعار الكونفيدرالية، الذي يمثل الولايات الجنوبية التي قاتلت في الحرب الأهلية من أجل استمرار العبودية، فيما ذهب متظاهرون إلى تحطيم رموز مرتبطة بحقبة العنصرية مثل تمثال المكتشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس، وجيفرسون ديفيز، رئيس اتحاد الولايات الكونفيدرالية، وتمثال الجنرال الجنوبي ألبرت بايك، كما هاجم متظاهرون تمثالاً للرئيس الأسبق أندرو جاكسون المدافع عن العبودية أمام البيت البيض.

بدوره، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتخاذ نهج صارم تجاه كل من يدمر أو يشوه النصب والتماثيل الأميركية التاريخية، وهدد باستخدام القوة مع بعض المحتجين، وعد بعض هذه التماثيل "أعمالاً فنية رائعة تمثل تاريخ بلاده وتراثها الجيد والسيء على حد سواء"، مستنكراً تغاضي الولايات وسماحها لعصابات متنقلة، وفوضويين وممارسي أعمال النهب، على حد تعبيره، تمزيق التماثيل والآثار بشكل عشوائي.

ودفع ترمب لاحقاً بأمر إداري لحماية النصب والتماثيل التذكارية، ينص على أن تلاحق الحكومة الاتحادية قضائياً كل من يلحق ضرراً أو يشوه نصباً تذكارية وتاريخية أو تماثيل أثرية، وإسقاط عقوبات بالسجن لمدد طويلة.

ولم تمنع الظروف الحالكة الرئيس الأميركي من الاحتفال بالمناسبات الوطنية، حيث سيشهد، السبت في العاصمة واشنطن، أحد أكبر عروض الألعاب النارية، وعرضاً جوياً فريداً من نوعه في منتزه "ناشونال مول"، وعلى الرغم من المخاوف الصحية فلن يكون الحضور ملزماً بارتداء الكمامات، إلا أنه سيوزع ما يقارب 300 ألف قناع.

ومن المتوقع أن ينطلق حدث هذا العام بدون حضور المركبات العسكرية، وكان الرئيس الأميركي أعرب، العام الماضي، عن إعجابه بمسيرات فرنسا العسكرية، وتضمنت الفعاليات حينها عرضاً لمدرعات برادلي القتالية، وألقى ترمب خطاباً بالقرب من نصب لنكولن التذكاري.

 

ويأتي الرابع من يوليو هذا العام في وقت مازال الجهل وعدم تطبيق أفضل الممارسات الوقائية في الأماكن العامة هاجساً مقلقا للشارع الأميركي وسط انقسام حول لبس الكمام ما بين تساهل الجمهوريين، وحرص الديمقراطيين الذين ينتقدون ترمب لدفعه نحو إقامة الحملات الانتخابية، والتجمعات العامة الأخرى.

ومن بين أولئك الذين يشعرون بقلق عمدة واشنطن موريل باوزر، التي تحذر الحكومة الفيدرالية من المخاطر الواضحة لمثل هذا الحشد الكبير، حيث قالت إن الخطط الأخيرة لا تتوافق مع الإرشادات الصحية المعمول بها، غير أنها تقف مكتوفة الأيدي كونها لا تملك سلطة لإيقاف الحدث الجماهيري لأنه سيُجرى بالكامل على أرض فيدرالية.

وتمر واشنطن العاصمة حالياً بالمرحلة الثانية من خطط إعادة فتحها، وحضت عمدتها سكان المنطقة على تجنب التجمعات، والاحتفال في منازلهم أو بالقرب منها.

من جانبها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كايلي ماكناني، الأربعاء الماضي، إن إرشادات مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بشأن الأقنعة ودورها في تقليب انتشار الفيروس عندما تستخدم على نطاق واسع في الأماكن العامة، موصى بها لكنها ليست إلزامية، مبديةً تطلعها إلى الاحتفالات المقبلة.

وسافر الرئيس الأميركي، أمس الجمعة، إلى داكوتا الجنوبية لحضور عرض ألعاب نارية، وإلقاء خطاب أمام أنصاره بجوار النصب التذكاري لجبل راشمور الشهير بتماثيل عدد من كبار قادة الولايات المتحدة، بعد أكثر من عشر سنوات على منع إشعال المفرقعات في الموقع التاريخي بسبب مخاوف من أنها قد تؤدي إلى اندلاع حرائق الغابات وتلوث المياه الجوفية.

ويقلل ترمب باستمرار من المخاوف بشأن الإصابات الجديدة بقوله، إن "الفيروس سيختفي"، وكانت حاكمة داكوتا الجنوبية كريستي نيوم، قد كشفت نيتهم عدم فرض خطط لفرض التباعد الاجتماعي خلال خطاب الرئيس، قبل ظهور توقعات بحضور نحو 7500 شخص.

وفي سياق متصل، حذر كبير متخصصي الأمراض المعدية في الولايات المتحدة أنطوني فاوتشي، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، من أن حصيلة الإصابات اليومية بـمرض (كوفيد – 19) قد تتجاوز 100 ألف ما لم تتخذ تدابير جديدة لاحتواء الجائحة. ونبّه فاوتشي مواطنيه من المشاركة في التجمعات الكبيرة إذا أمكنهم ذلك، لأن هذه الأنشطة يمكن أن توسع من انتشار موجة جديدة لفيروس كورونا في البلاد، غير أن الإدارة الأميركية ظهرت عازمة على إحياء الاحتفالات الجماهيرية رغم المخاطر المتوقعة وارتفاع حالات الإصابة في الآونة الأخيرة.