مصر على طريق التحول لـ"مركز إقليمي للطاقة" بعد كشف "إيني" لحقل جديد

البئر يدعى "نور 1" ويقع على بعد 50 كيلو متراً شمال شبه جزيرة سيناء... وخبراء: القاهرة حققت الاكتفاء الذاتي والاكتشافات المتتالية تضعها بين أكبر المنتجين أفريقيا وعربيا 

صورة أرشيفية للمقر الرئيسي لشركة النفط والغاز الإيطالية "إيني" في سان دوناتو ميلانيسي، بالقرب من ميلانو. (أ.ف.ب)

تسير مصر بخطى ثابتة نحو تحقيق حلمها وغايتها المنشودة لتتحول إلى مركز إقليمي للطاقة في الشرق الأوسط، فمنذ 4 سنوات وبعد اكتشاف حقل "ظُهر" العملاق في البحر المتوسط على يد شركة "إيني" الإيطالية في صيف عام 2015، أعلنت الشركة الإيطالية مساء الخميس الماضي، اكتشاف حقل جديد للغاز الطبيعي في المتوسط أيضا، فيما يبدو أن الطبيعة تبارك القاهرة لتكون أحد أهم المصادر الطبيعية العالمية في قطاع الغاز الطبيعي في المستقبل القريب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية تناقلت الخبر الذي أعلنت عنه شركة ايني الإيطالية، وجاء فيه وفقا لبيان الشركة، "أن حقل الغاز يقع على بعد حوالي 50 كيلو متراً شمال شبه جزيرة  سيناء، وجارٍ تقييم الاحتياطيات الغاز به".

وأضاف البيان: إن الشركة "عثرت في البئر "نور 1" على عمود من الغاز يقدر بتسعين متراً، ولم يتم اختبار البئر الجديدة، ولكنها تمكنت من الحصول على بيانات دقيقة ومكثفة عن البئر مؤكدة أنها ستبدأ دراسات الجدوى للإسراع في استغلال هذه الموارد الجديدة بعد الانتهاء من تقييم الاكتشاف.

من جانبها، قالت مصادر بوزارة البترول لـ"إندبندنت عربية": "إن نتائج العثور على عمود  من الغاز يقدر بـ90 مترا لم يتم اختباره حتى الآن، وبالتالي لم يثبت وجود غاز فيه. وعلينا التريث حتي تختبر البئر أولاً، ولن نسعى لاستباق الأحداث".

وتتوزع ملكية امتياز نور البحري، بواقع 40% لشركة إيني الإيطالية، و25% لشركة بي بي، و20% لمبادلة الإماراتية، و15% لثروة للبترول، أما شركة "إيني الإيطالية" فتعمل كإحدى الشركات الكبرى في التنقيب عن الغاز والبترول في مصر، من خلال شركة "إيوك" منذ خمسينيات القرن الماضي، وتحديدا منذ عام 1954 م، ولم يؤت مجهود الشركة ثماره إلا منذ 4 سنوات فقط.

اكتشافات الغاز تتواصل

 في يناير(كانون الثاني) عام 2015 اكتشفت الشركة حقل الغاز والبترول غرب مليحة، ضمن امتياز مليحة بالصحراء الغربية غرب العاصمة المصرية، وبعد 10 شهور تقريبا أعلنت الشركة اكتشاف حقل "نورس"، الذي يقع في منطقة تطوير غرب أبو ماضي بدلتا النيل، وتقدر احتياطاته بنحو 530 مليون متر مكعب من الغاز.

ولم يمر أكثر من 30 يوماً بعد اكتشاف "نورس" حتي أعلنت إيني عن الاكتشاف الأهم والأبرز، وهو حقل الغاز العملاق "ظُهر"، بمنطقة امتياز شروق، الذي يعد أكبر حقل غاز في البحر المتوسط باحتياطات تقدر بنحو 30 مليار متر مكعب من الغاز ليبقي عام 2015 هو عام النجاح المذهل للشركة في مصر.

نهضة غاز شرق المتوسط

تزامن الكشف الجديد لـ"إيني" إيطالية مع ترويج وزير البترول المصري طارق الملا للتنقيب عن الغاز الطبيعي المصري في الولايات المتحدة الأميركية، إذ يشارك في فعاليات ملتقى CERAWeek ”” الدولي  للطاقة بمدينة هيوستن الأميركية مما  يمثل دفعة معنوية لاكتشافات الغاز في مصر.

البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة البترول أشارت إلى أن "الوزارة حققت أعلى معدل لإنتاج البترول والغاز في تاريخها، خلال فبراير (شباط) الماضي، بمقدار 1.8 مليون برميل زيت مكافئ يومياً".

وقال وزير البترول المصري طارق الملا، في بيان السبت الماضي، "أن مصر وقعت العديد من الاتفاقيات المهمة للبحث والاستكشاف عن البترول والغاز، باستثمارات تقدر 14 مليار دولار".

وأكد الملا "إنه تم الانتهاء من عمليات البحث السيزمي؛ ثنائي الأبعاد في البحر الأحمر، الذي أظهر إمكانات واعدة، وتم إطلاق مزايدة عالمية في البحر الأحمر لأول مرة، تتضمن 10 قطاعات تغطي حوالي أكثر من 30 ألف كيلو متر مربع، من المقرر إغلاقها في أغسطس 2019.

وكان وزير البترول المصري قال، في جلسة تحت عنوان  "نهضة غاز شرق المتوسط"، ضمن فعاليات ملتقى CERAWeek ” ” إن اكتشافات الغاز الطبيعي التي شهدتها منطقة شرق المتوسط مؤخراً، ستسهم في تعزيز العلاقات بين  دول المنطقة لتحقيق الاستغلال الأمثل لموارد الغاز المكتشفة، وتحقيق الفائدة لشعوب هذه الدول من ثروات الغاز، لافتا إلى أن ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص أسهم بالإيجاب في سرعة تحقيق اكتشافات الغاز وتنميتها في شرق المتوسط.

وزير البترول المصري طارق الملا انتهز فرصة وجوده في  الملتقي العالمي بالولايات المتحدة الأميركية لترتيب عدد من اللقاءات للترويج عن الغاز المصري الجديد وجذب مزيد من شركات التنقيب العالمية.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة البترول المصرية فإن وزير البترول المصري عقد عدداً من المباحثات، بدأت بلقاء فرانسيس فانون، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشئون الطاقة، ومع جون كريستمان، الرئيس التنفيذي لشركة أباتشي الأميركية، بالإضافة إلى لقاء جيف ميلر، الرئيس التنفيذي لشركة "هاليبرتون"، وأخيراً عقد لقاءً ثلاثياً ضم محمد باركيندو، أمين عام منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك"، وسهيل المزروعي، وزير الطاقة والصناعة الإماراتي، وتم التأكيد على الاستمرار في دعم جهود ومبادرات التعاون بين دول أوبك وخارج أوبك لتحقيق الاستدامة في استقرار الأسواق والتوازن بين العرض والطلب.

ردود أفعال عالمية

وأبدت شركات عالمية في قطاع الطاقة تفاؤلها بمستقبل صناعة الغاز في مصر. ديفيد ستوفر، رئيس شركة نوبل إنرجى الأميركية، قال: "إن البنية التحتية للغاز الطبيعي في مصر تفتح آفاقا متميزة  لاستغلال الأمثل لإمكانيات الغاز بالمنطقة".
وأعرب ستوفر، خلال  ملتقى CERAWeek ” "، عن تقديره لما اتخذته مصر من خطوات جادة في هذا المجال، خاصة إصدار التشريعات اللازمة لبدء نشاط تجارة وتداول الغاز الطبيعي، متمثلة في قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز المصرية، مؤكدا أن الفترة المقبلة ستشهد التعاون بين الشركات العاملة في منطقة شرق المتوسط لاكتشاف واستغلال المزيد من الثروات الغازية في هذه المنطقة التي تعد من أغنى الأحواض الغازية عالمياً".

وهو ما أكده كلاي ليف، رئيس شركة شيفرون الأميركية، للاستكشاف والإنتاج في أفريقيا وأميركا اللاتينية، في نفس الملتقى عن تطلع شركته للعمل في مصر في مجال البحث عن الغاز.

ومنذ اكتشاف حقل ظهر العملاق، وضعت مصر نصب أعينها التحول إلى مركز رئيسي للطاقة في منطقة الشرق الأوسط من خلال تسييل الغاز وإعادة تصديره، وذلك بعدما توقفت عن استيراد الغاز نهاية العام الماضي، وارتفع سقف الطموحات لدى الحكومة المصرية، وبدأت في طرح مزايدات جديدة وسط إقبال من الشركات العالمية على دخول السوق المصرية؛ للبحث والتنقيب شمالا في البحر المتوسط، وشرقا في البحر الأحمر، والدلتا في الوسط.

وأعلنت وزارة البترول المصرية في يناير (كانون الثاني) الماضي أن دول شرق المتوسط اتفقت على إنشاء "منتدى غاز شرق المتوسط" ويكون مقره القاهرة.

وجاء فى بيان وزارة البترول آنذاك إنه بناء على دعوة وزير البترول والثروة المعدنية المصري المهندس طارق الملا، فإن القرار صدر بعد اجتماع وزراء طاقة قبرص واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين بالقاهرة، لمناقشة إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط.  (EMGF)

في نفس الشهر يناير (كانون الثاني) الماضي أعلنت وزارة البترول المصرية عن إعداد إستراتيجية تنفذ على ثلاث مراحل؛ أولها دراسة النماذج العالمية المشابهة وتحديد أفضلها، والمرحلة الثانية تقييم فني واقتصادي وتجاري للبدائل المختارة، ثم المرحلة الثالثة والأخيرة التنفيذ وتحديد الجهات المسئولة عن التنفيذ على المدى القصير والمتوسط والطويل.

الحكومة المصرية تبدأ الخطوات

خلال العام الماضي خطت الحكومة المصرية عدداً من الخطوات الإيجابية الملموسة نحو التحول إلى مركز إقليمي للطاقة. الخطوة الأولى ظهرت في إصدار اللائحة التنفيذية، وتأسيس أوّل جهاز تنظيمي لأنشطة سوق الغاز الطبيعي، ثم انتقلت إلى الخطوة الثانية بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم أنشطة سوق الغاز في فبراير (شباط) 2018. أما الخطوة الثالثة فقد أسست الحكومة المصرية جهازاً مستقلاً لتنظيم أنشطة سوق الغاز.

وجاءت الخطوة الأخيرة الاثنين الماضي، إذ وافق مجلس النواب المصري على قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رقم 537 لسنة 2018 بشأن الموافقة على الاتفاق الحكومي بين مصر وقبرص، بشأن خط أنابيب بحري مباشر للغاز الطبيعي، والموقع في نيقوسيا بتاريخ 19 سبتمبر (أيلول) 2018.

ويهدف الاتفاق إلى تيسير تصدير الغاز الطبيعي من قبرص إلى مصر من خلال إنشاء وتشغيل خط أنابيب بحري مباشر من المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية إلى محطات إسالة الغاز الطبيعي بإدكو أو دمياط المصريتين.

 
حمدي عبد العزيز، المتحدث الرسمي لوزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، قال لـ"إندبندنت عربية" إن الوزارة طرحت مزايدة للتنقيب عن النفط في 10 قطاعات بالبحر الأحمر، محدداً  آخر موعد لتسلم العقود هو الأول من أغسطس (آب) من العام الحالي 2019، مؤكدًا أن مناطق التنقيب في البحر الأحمر قد تشهد اكتشافات كبرى من الغاز الطبيعي.

وأضاف عبد العزيز أن الوزارة توسع عملياتها الاستكشافية بجميع المناطق البرية والبحرية وطرحها عبر مزايدات عالمية، لافتًا إلى أن مصر قامت بترسيم حدودها البحرية مع المملكة العربية السعودية، الأمر الذي أتاح لها إقامة مشروع لمسح جميع المياه في البحر الأحمر.

وقال المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق لـ"إندبندنت عربية"، "أسفر التنقيب والبحث عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط عن ثروة هائلة للغاز الطبيعي سواء لمصر أو دول البحر المتوسط، مؤكداً أن الاكتشافات الحديثة تؤكد تقارير معهد البترول الأميركي ومراكز أبحاث الطاقة والاستشعار عن بعد الأميركية التي أصدرتها منذ سنوات، وأشارت إلى أن البحر الأبيض المتوسط، وشرقه على وجه التحديد، به كنوز مدفونة لم تكتشف بعد، وهذا يجعلنا نتأكد أن البحر المتوسط يعج بالغاز الطبيعي، وأن الثروات التي لم تكتشف حتى الآن قد تصل إلى أكثر من 200 تريليون قدم مكعب.

وحول المردود على الاقتصاد المصري قال كمال: إن الطاقة هي الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وعدم توافرها يسهم في هروب الاستثمار الأجنبي من القاهرة لنقص الطاقة، متوقعا زيادة حركة الاستثمارات الأجنبية في جميع القطاعات بعد هذه الاكتشافات  قائلا: "لا إنتاج أو استثمارات بدون طاقة"، لافتا إلى أن مصر استطاعت تقليص مديونية ومستحقات الشركاء الأجانب في التنقيب عن الغاز والبترول.

وعن ارتفاع سقف الطموحات بعد اكتشاف ثروات الغاز في مصر طالب "كمال " بالتريث  وعدم الحلم بالخبز قبل حصد القمح، قائلا: "يظن الناس أنه بعد الاكتشافات ستحدث نهضة اقتصادية، ومصر ستصدر الغاز في اليوم التالي"، وأوضح: "أنه بالفعل لدينا اكتشافات، ولكن يجب في الوقت ذاته التريث، ونحن لن نستطيع التحول لمركز إقليمي للطاقة بين عشية وضحاها، كما لا يجب أن نقوم بتصدر الغاز الخام".

وقال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول، "إن مصر تشهد طفرة غير مسبوقة في قطاع البترول، وهناك مرحلة تحول واضحة، وعلى رأسها تنمية احتياطات البترول والغاز، مشيراً إلى أن مصر تحولت من مستورد للغاز الطبيعي إلى الاكتفاء الذاتي".

وأضاف "أبو العلا": "الخزانة العامة للدولة كانت تتحمل نحو 3 مليارات دولار أميركي سنويا لاستيراد الغاز، ثم تقلصت إلى 2.5 مليار دولار، إلى أن أصبحت 1.8 مليار دولار، مما يعني أن أثر اكتشافات الغاز الطبيعي بدأ في الظهور على الموازنة العامة للدولة".

وتابع أبو العلا: "مصر باتت من الدول ذات الثقل في قطاع الغاز الطبيعي على مستوى دول العالم، لافتا إلى أن مستقبل مصر أصبح واعداً"، موضحا: "قد تكون مصر باكتشافاتها الجديدة أحد أهم أسباب ظهور مصدر جديد للغاز الطبيعي في العالم  بديلا عن المصادر التقليدية الروسية والخليجية والغربية".

وحول المردود والأثر الاقتصادي قال أستاذ هندسة البترول: "إن الاكتشافات ستكون لها انعكاسات اقتصادية إيجابية في تشغيل مصانع الإسالة عن طريق الغاز المكتشف، مما يمثل إضافة للخزانة العامة للدولة؛ نظرا لمساهمة الحكومة المصرية في ملكية مصانع الإسالة في مصانع "إدكو" و"رشيد" بمحافظة دمياط بنسبة لا تقل عن 24% تقريبا".

يوجد بمصر مصنعان لإسالة الغاز الطبيعي، الأول مصنع إدكو، بمحافظة البحيرة المصرية، والمملوك للشركة المصرية للغاز الطبيعي المسال، ويضم وحدتين للإسالة، والآخر في  محافظة دمياط المصرية ويتبع شركة يونيون فينوسا الإسبانية الإيطالية ويضم وحدة واحدة.

مصر تحقق الاكتفاء الذاتي وتوقف استيراد الغاز

ساهمت الاكتشافات التي توصلت إليها مصر مؤخراً لحقول الغاز الطبيعي في زيادة حجم الإنتاج بنسبة كبيرة، مقارنة بالأعوام السابقة، خاصة بعد اكتشاف حقل ظهر في عام 2015، ومع بدء وزيادة وتيرة الإنتاج من حقل ظهر، أوقفت الحكومة المصرية استيراد الغاز بشكل نهائي في سبتمبر (أيلول) 2018، وشهد عام 2018 تطورا ًمطرداً لحجم إنتاج مصر من الغاز الطبيعي على مدار عام 2018. وفى ديسمبر، ارتفع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي ليصل إلى 4.178 مليون طن، ويبلغ إنتاج مصر من الغاز حالياً 6.3 مليار قدم مكعب يومياً، بزيادة نحو 30% منذ يونيو 2016، ليجعلها واحدة من أكبر المنتجين في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

المزيد من اقتصاد