Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكومة لبنان تترنح تحت ضغط الأزمة و"حزب الله" يتمسك بها

دياب يهاجم سفيرة أميركا والحريري لا يريد العودة

حكومة دياب باتت هدفاً للانتقادات والحملات (دالاتي ونهرا)

تواجه الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب أسوأ أيامها، إن في ما يخص عجزها عن لجم التدهور في الأوضاع المعيشية وتصاعد النقمة الشعبية ضدها في الشارع، أم في علاقات وزرائها بين بعضهم البعض، أو في علاقة مكوناتها السياسية، أو في الموقف الخارجي منها، وفي مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، وسط العزلة الكاملة التي تتصف بها عن الخارج.

وبات السعي إلى تغييرها مدار مناقشات في اللقاءات السياسية، على الرغم من أن "حزب الله" أبلغ أكثر من جهة سياسية أنها باقية ويرفض تغييرها الآن، تارة بحجة أن تأليف أي حكومة جديدة سيأخذ وقتاً، وأخرى بسبب الاعتقاد بأن وصف الحكومة بأنها حكومته ثم إسقاطها يعني توجيه ضربة لنفوذه في سياق الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

وسعى دياب في جلسة مجلس الوزراء، الخميس في الثاني من يوليو (تموز)، إلى تسليف "حزب الله" موقفاً يدفعه إلى التمسك به، بهجومه على السفيرة الأميركية دوروثي شيا مراعاة للحزب الذي لم يستسغ إحالة القاضي الذي أصدر قراراً يمنع السفيرة من الإدلاء بتصريحات، على التفتيش المركزي. وقال دياب "سكتنا كثيراً عن ممارسات دبلوماسية فيها خروق كبيرة للأعراف الدولية حرصاً على الصداقات والعلاقات، لكن هذا السلوك تجاوز كل مألوف".

قلق لودريان ومطلب جعجع والجميل

وفي موازاة التدهور الدراماتيكي داخلياً، جاء تصريح وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان عن أن "الوضع في لبنان أصبح مزعجاً وتفاقم الوضع الاجتماعي ينذر بالعنف"، وأضاف "على الحكومة اللبنانية تنفيذ إصلاحات حتى يتسنى للمجتمع الدولي مد يد المساعدة".

والتدهور في الأوضاع اللبنانية يسابق محاولات إيقاف الحكومة على رجليها، وبينما يحجم فريقان رئيسيان في المعارضة هما تيار "المستقبل" بزعامة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، و"الحزب التقدمي الاشتراكي" بزعامة وليد جنبلاط، عن طرح بدائل حكومية، فإن الاقتراح الأكثر وضوحاً من قبل قوى في المعارضة جاء على لسان الفريقين المسيحيين عبر مطالبة كل من رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع ورئيس حزب "الكتائب" سامي الجميل باستقالتها والإتيان بحكومة مستقلين فعلياً، لأنه ثبت عدم استقلاليتها عن "التركيبة الحاكمة"، كما وصفها جعجع، أي "حزب الله" وحليفيه حركة "أمل" و"التيار الوطني الحر"، داعياً إلى رحيلها. ويتفق جعجع والجميل والحريري وجنبلاط على وجوب إجراء انتخابات نيابية مبكرة، لكنهم لم يستقروا على رأي في شأن قانون الانتخاب الذي يجب أن تحصل على أساسه.

الفرزلي: للتبديل الحكومي

إلا أن آخر التعبيرات عن محاولات التغيير الحكومي إعلان نائب رئيس البرلمان إيلي الفرزلي إثر لقائه الحريري بعد ظهر الخميس عن أن "إعادة النظر بالتركيبة الحكومية باتت أمراً من الباب اللزومي الذي يجب أن يفكر الإنسان فيه بصورة طبيعية. لا بل إنني أناشد دولة الرئيس دياب أن يذهب في اتجاه العمل من أجل تحقيق وتسهيل الأمر لإيجاد حكومة بديلة تساعد على إيجاد الحلول في المجتمع اللبناني". وقال إن "الحريري هو من المداخل الرئيسية، لا بل المدخل الرئيسي، في صناعة لم الشمل اللبناني، لإنقاذ البلد ووضع حد للاستمرار في حالة التدهور".

وسبق لقاؤه الحريري الذي عادت مصادره فأكدت لـ "اندبندنت عربية" أنه ليس في وارد العودة إلى رئاسة الحكومة، أن قال الفرزلي إن "مبررات إقالة الحكومة الحالية باتت متوافرة وما بقاؤها إلا لعدم توافر البديل في هذا الظرف الدقيق والخطير الذي تشهده البلاد، وما يحكى عن تغيير أو تبديل في أعضائها غير صحيح لأنها خطوات غير مجدية على الإطلاق".

الحريري: لا أريد ولي شروطي

لكن الحريري قال بعد اجتماع الفرزلي به، "لدي شروط للعودة إلى رئاسة الحكومة ونقطة على السطر. والبلد يحتاج لطريقة مختلفة بالعمل كلياً وإذا لم نخرج من المحاصصة وغيرها فلن يتغير شيء". أضاف "مش حابب أعمل ولا أفكر أن أكون رئيس حكومة ولم أبحث مع الفرزلي في هذا الأمر". وشدد على وجوب إجراء الإصلاحات.

وإذ انتقد تصريحات دياب عن الديبلوماسيين سأل "كيف لحكومة تطالب الخليج بمساعدات وفيها أفرقاء يصفقون كلما سقط صاروخ حوثي في السعودية". أضاف "يعتقدون أن الصين ستنفق أموالاً في لبنان إلا أن الاستثمار يحتاج إلى إصلاحات والمناقصات يجب أن تتم بشفافية". واعتبر أن "صندوق النقد الدولي يريد أن يساعد لكن أين الإصلاحات؟"

جنبلاط و"اللاشيء"

وتصاعدت المواقف ضد الحكومة، فغرّد جنبلاط "هذه الحكومة والملائكة التي تحرسها فقدت كل اتصال بالواقع المأساوي والانهيار الحاصل وتعيش في غير عالم وتتخيل مؤامرات وهمية وحاصرت نفسها بنفسها. إنها حكومة اللاشيء والعدم والإفلاس والجوع".

وجاءت هذه التطورات في وقت مؤشرات تراجع وضع الحكومة تراكمت في شكل متواتر في الأيام الماضية، وبات شائعاً ما أبلغه رئيس الوفد المفاوض عن صندوق النقد مع وفد الحكومة ومصرف لبنان، مارتن سيريزولا في جلسة التفاوض الـ 16 "لا يمكنكم الاستمرار على هذا المنوال، ولم يعد لديكم الوقت".

مؤشرات التراجع الحكومي

كما كشف رئيس لجنة المال النيابية النائب إبراهيم كنعان عن أن وفد صندوق النقد كان أبلغ أعضاء من اللجنة النيابية حين اجتمع بهم الأسبوع الماضي رداً على سؤال لرئيس لجنة الشؤون الخارجية ياسين جابر "لا إصلاحات يعني لا مال". فلبنان يعول على مفاوضاته مع الصندوق للحصول على بضع مليارات من الدولارات من أجل التعويض على فقدانه العملة الصعبة نتيجة الخسائر التي مني بها مصرف لبنان المركزي والمصارف اللبنانية من الاقتراض المفرط للدولة منهما.

والتأخر في أي من الإصلاحات التي التزمت بها الحكومة التي ناهز عمرها على الخمسة أشهر، وارتفاع سعر ربطة الخبز، وانقطاع الكهرباء بحيث باتت التغذية بالتيار تقتصر على ساعتين أو ثلاث في النهار بسبب الشح في المحروقات المستوردة لتشغيل معامل الإنتاج وحتى المولدات الخاصة، والارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار الأميركي بحيث لامس الخميس الـ 10 آلاف ليرة لبنانية في السوق السوداء (كان 1500 ليرة الصيف الماضي)، وارتفاع كلفة المعيشة والمواد الغذائية، وتزايد البطالة بإقفال مئات المؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة أبوابها واضطرار الباقي لصرف موظفين أو خفض رواتبهم، وغيرها من الصعوبات دفعت المواطنين إلى النزول إلى الشارع بكثافة في المناطق اللبنانية كلها، وقطع الطرقات.

واقع مأساوي

ولم يكن هذا الواقع المأساوي وحده الذي أضفى غيمة سوداء من العتمة والتشاؤم على البلد الحزين، فحكومة دياب باتت هدفاً للانتقادات والحملات ليس من المعارضين والمواطنين الذين توحدوا على طلب رحيلها، بل هي ظهرت مفككة ومشتتة خلال الأسبوعين الماضيين، يوجه سهامه إليها من دافعوا عنها ورفضوا تغييرها في الأسابيع الماضية، مثل "التيار الوطني الحر" الذي كررت كتلته النيابية ما سبق لرئيس التيار جبران باسيل أن قاله في 25 يونيو (حزيران) الماضي بأن "إنتاجيتها منخفضة"، وحذر الحكومة  "من التراجع الملحوظ في منسوب انتاجيتها، الأمر الذي يضعف الثقة بها، لا سيما ثقة الناس المرتكزة على مدى عمل الحكومة، وثقة المجتمع الدولي الذي ينتظر منها وإصلاحات"، مؤكداً أن "الثقة التي منحها التكتل للحكومة مشروطة بتحقيق الإصلاحات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والبارز الخميس ذهاب عضو "التيار الحر" آلان عون أبعد من ذلك بقوله، "إذا لم تستطع الحكومة كبح الانهيار المالي من الطبيعي أنها ستنهار هي، لأنه لا يمكن أن تكون في سدة المسؤولية ويحصل هذا الانهيار السريع، وتبقى مكانك حتى وإن لم تكن وحدك مسؤولاً عنه. فالعجز عن مواجهة المشكلة هو سبب كاف للبحث عن بدائل".

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية بات عدد الوزراء الذين لوحوا بالاستقالة أو فكروا فيها، أو فاتحوا الجهات السياسية التي سمتهم بها، أو أبلغوا أصدقاء لهم بنيتهم، لا يستهان به.

ومع نفي قول بعض الوزراء في جلسة مجلس الوزراء الثلاثاء في 30 يونيو (حزيران)، أن من الأفضل أن نستقيل، فإن سؤال بعضهم ما مبرر استمرارنا إذا كنّا لا نحقق إنجازات، ورد الرئيس دياب أنه لا يريد أن يسمع هذا الكلام، يشكل تأكيداً على ما يراود بعضهم من رغبة في ترك المهمة بفعل التردد الذي يحكم قرارات الحكومة في المسائل المهمة المطروحة عليها. فمعظمها يخضع للتجاذب السياسي، إذ ينصاع دياب لإرادة الفرقاء الرئيسيين الذين سموه لرئاسة الحكومة الخريف الماضي، أي "حزب الله" وحركة "أمل" و"التيار الوطني الحر".

عازمون على الاستقالة

وزيرة العدل ماري كلود نجم قالت أكثر من مرة إنها تنوي الاستقالة بحجة عدم التجاوب معها في الخطوات الإصلاحية التي تطرحها، على الرغم من أن بعضها يُعتبر في نظر بعض المعارضين شعبوية وغير فعالة تحت عنوان مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، لكنها سرعان ما قالت إنها قررت البقاء و"المواجهة" من داخل الحكومة ضد المنظومة السياسية القائمة.

وزير التربية طارق المجذوب بدوره لم يخفِ أمام بعض المقربين منه الرغبة في التنحي بفعل الانتقادات الكثيرة التي يتعرض لها بسبب عدم إيجاد الحلول لمسألة ارتفاع أقساط المدارس الخاصة التي تثقل كاهل الأهل والمدارس أيضاً إلى أن أقرّ مجلس الوزراء مبلغاً كمساعدات للمدارس، هذا فضلاً عن التخبط الذي حكم خطوات وزارته حيال مصير العام الدراسي المنصرم والشهادات الرسمية في المدارس، وإلغاء امتحاناتها، مع الإبقاء على الامتحانات الجامعية.

وزير الطاقة ريمون غجر أسرّ أيضاً إلى عدد من أصدقائه أنه عزم على الاستقالة بسبب الصعوبات التي يواجهها في تأهيل قطاع الكهرباء، إذ إنه سبق أن وضع دراسة حول وجوب اقتصار بناء معامل جديدة لتوليد الكهرباء على إثنين بدلاً من ثلاثة كما أصرّ النائب جبران باسيل والرئيس عون، لكن اتصالات ضاغطة عليه أثبته عن ذلك.

رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية لوّح مرتين بالاستقالة بسبب الخلاف على حصة التعيينات الإدارية مع "التيار الحر"، وعاد عن ذلك بناء لطلب من "حزب الله"، ثم قال في حديث تلفزيوني إنه باقٍ فيها ولن يترك خط الممانعة.

في المقابل قال نائب في البرلمان لـ "اندبندنت عربية"، إن أحد الوزراء أبلغه بأن استقالته مكتوبة وهي في جيبه بعدما كان يهم بتقديمها "فمُنع" من ذلك. ونقل النائب نفسه عن وزير آخر قوله "ماذا ينتظر ممن ما زال متمسكاً بالكرسي؟ إذا كانوا يراهنون على البقاء شهراً آخر، فالأرجح أننا لن نصمد 48 ساعة".

نموذج آخر من التخبط

وشهدت آخر جلسة لمجلس الوزراء الثلاثاء الماضي برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون نموذجاً آخر عن التخبط بين أعضاء الحكومة حين أصر الرئيس عون على وزير المالية غازي وزني التعاقد مع شركة "كرول" للتدقيق المحاسبي الجنائي من أجل التدقيق في حسابات مصرف لبنان وفق قرار مجلس الوزراء قبل حوالى ثلاثة أشهر، إلا أن وزني أبلغه بأن مرجعيته السياسية لا توافق على أي عقد مع "كرول" نظراً إلى ارتباطاتها الإسرائيلية.

وعلمت "اندبندنت عربية" أن "حزب الله" ورئيس البرلمان نبيه بري يملكان منذ شهرين معطيات بأن الشركة يملكها ويديرها عدد من الضباط الإسرائيليين السابقين بالشراكة مع أميركيين، وأن تدقيقها المحاسبي في حسابات مصرف لبنان يعني حصولها على داتا الحسابات لجميع اللبنانيين، وهذا مستحيل. وساندت وزيرتا العدل نجم والمهجرين غادة شريم المحسوبتين على عون موقف رئيس الجمهورية. ورفضت نجم الحديث عن أن الشركة إسرائيلية، ثم تمسكت في تصريح بالتدقيق المالي التشريحي، فيما قالت شريم: "لا نملك كحكومة ترف الوقت منذ مجيئنا، كُرة النار التي سُلّمنا اياها ستحرقنا جميعاً"، ودعت إلى "خطوات عملية سريعة وإلّا ما لزومنا؟"

المزيد من العالم العربي